هل نصنع الحلم بقلوب المناضلين أم ببرودة المساطر؟ يصل الرفاق متأخرين أحياناً... لا لأنهم لا يحترمون الوقت، بل لأن الطريق طويل. طريقٌ منعرج يهبط من الجبال، يمر على دواوير تعرف أسماءنا قبل أن تعرف أسماء «القرارات»، ثم يفضي إلى القاعة محمّلا بالغبار... وبذلك الشعور المزدوج الذي يعرفه المناضلون جيدا: تعب الجسد، واعتزاز القلب لأن الرحلة من أجل الوطن والفكرة. أرى التعب في الوجوه قبل أن أراه في الساعات. أرى أثر الطريق على الأحذية، وعلى أصابع تحمل ملفاً ودفتر ملاحظات، وعلى هاتفٍ لم يكفّ عن الرنين لأن أهل القرى يسألون: «واش غادي تقولوا شي حاجة علينا؟». المناضل لا يرحل من أقصى الأطلس أو من أعالي الريف ليظهر في صورة؛ يرحل لأنه يحمل في داخله أمانة: أن صوته حين يصل سيجد مكانه في القرار... لا في الهامش. لهذا لا أستطيع أن أرى المجلس الوطني مجرد محطة عابرة. إنه «برلمان الحزب» كما أحب أن أسميه بلا مجاز. المكان الذي ينبغي أن نسمع فيه بعضنا بصدق، وأن نختلف بكرامة، وأن نعيد للفكرة سيرتها الأولى كلما تعبت في الطريق. الخطر في ثوب الهدوء من موقعي داخل هذا المسار، تعلّمت أن الخطر لا يأتي دائماً على شكل خصومة. أحياناً يأتي في ثوب هدوءٍ يشبه النوم أكثر مما يشبه الحكمة. هدوءٌ يجعل المقاعد مرتّبة والكلمات مهذّبة... بينما القرار يمضي بعيداً، ويعود إلينا مثل رسالة وصلت بعد فوات الأوان. في مثل تلك اللحظات، يمرّ بندٌ كبير كما لو كان تفصيلاً صغيراً. ترفع الأيدي بسرعة، ثم يخيّم صمتٌ قصير كأن القاعة تقول في سرّها: «انتهى الأمر». عندها فقط أفهم معنى أن يتعب الصوت قبل أن يصل. وأقولها بلا تزيين: يؤلمني أن يشعر مناضلٌ قطع المسافات أن حضوره كان لاستكمال العدد... لا لاستكمال المعنى. المجلس الوطني لا يليق به هذا المصير. حزبنا لم يولد ليكون آلة انتخابية باردة، بل ولد من فكرة أن «تامغربيت» بيتٌ نسكنه جميعاً. وحين نؤمن بهذا المشروع يصبح الانتماء له عقيدةً مدنية: نعيشها، ندافع عنها، وننتقد أي انزياح عن مسارها... غيرةً على هذا البيت الذي يسكننا. لم يكن انتماؤنا يوماً مجرد بطاقة عضوية ولا خطوة عابرة في موسم سياسي. كان تعاقداً مع أنفسنا ومع المغاربة: أن نعيد للسياسة بعض ما ضاع منها—الصدق، والوضوح، ومعنى المشاركة. ولهذا بالذات تبدو إعادة الاعتبار للمجلس الوطني ولجانه وفاءً لذلك العهد الأول؛ عهد أن يُصاغ القرار في حضن البيت، لا على عتبته. ونريد حزباً يشبه مغرب اليوم... مغرباً أثبت، أمام أنظار القارة والعالم وهو ينظم كأس أمم أفريقيا، أن النجاح لا يصنعه الصوت العالي بل يصنعه العمل الذي يستوعب الجميع: اختلاف الأدوار، تباين الرؤى، وضغط اللحظة. هكذا يجب أن يكون حزبنا: بيتاً يتّسع للفكرة ونقيضها دون أن يتصدّع، يمتص الهجمات والحملات كما تمتص ارضية الملاعب المطر دون أن تغرق، ويخرج أكثر تماسكاً لا أكثر ارتباكاً. لا نريد حزب السرعتين، حزباً يشتغل فيه البعض في المقدمة ويتفرّج آخرون من الهامش. نريد حزباً يشعر فيه كل مناضل أنه جزء من المشروع، وأن قيمته لا تُقاس بقربه من «المركز» بل بصدق عطائه. وإذا كانت ملاعبنا لم تغرقها الأمطار، فالأجمل أن يكون بيتنا الحزبي كذلك لا تخيفه العواصف لأنه محصن بالثقة، وبالإنصات، وبالعدل بين أبنائه. اللجان الوظيفية: عصب الحزب وعمقه هنا تبدأ حكاية اللجان الوظيفية التي لا أراها «هامشاً»، بل أراها عصباً حيّاً. داخل اللجان يتعرّف الحزب على نفسه وعلى كفاءاته، وتتحول التجربة إلى رأي، والرأي إلى اقتراح يستطيع أن يعيش خارج الورق. والحق يُقال: نحن نملك داخل الحزب ما لا تملكه كثير من الأحزاب — بيوت خبرة وطنية جاهزة، متخصصة، ومجانية بالمعنى النبيل للكلمة. أساتذة وباحثون، محامون ومهندسون وأطر رقمية، أطباء وحقوقيون، منتخبون عاشوا تفاصيل التدبير، ومناضلون حفظوا نبض الجهات كما يحفظون أسماء أبنائهم. تجاوز هذه البيوت ليس فقط تهميشاً سياسياً؛ إنه هدرٌ لذكاء جماعي لا ينتظر انتداباً ليبدع... بل ينتظر فقط أن تُفتح له الأبواب، وأن يُؤخذ رأيه في الوقت المناسب قبل أن يجفّ الحبر. ملف الأمازيغية، بالنسبة إليّ، ليس فقرة تُحسَن صياغتها، بل هو حياة: وجهُ أمٍّ تريد أن ترى لغتها محترمة، وحقُّ طفلٍ يستحق أن يسمع نفسه في المدرسة دون غربة. الأمازيغية ليست زينة لغوية ولا ملفاً موسمياً؛ إنها وعدُ وطنٍ لنفسه، ومعنى «تامغربيت» حين تتسع للجميع. وأي تصور لها لا يتغذّى من خبرة اللجنة الأمازيغية ومن تفاصيل المدرسة والإدارة والشارع سيبقى بعيداً عن الوجدان... مهما كان منمقاً. في أحد مؤتمرات الحزب، اقترب مني مناضلٌ متقدّم في السن وقال عبارة بسيطة لكنها عميقة: «حنا جينا للحزب باش نلقاو تامازيغت... وبغيناكم تديرو مجهود أكثر». يومها فهمت أن المعركة ليست معركتنا وحدنا؛ إنها تجسيد لانتظارات شريحة واسعة من المناضلين داخل الحزب، ولأصواتٍ كثيرة خارجه أيضاً. والانتقال الرقمي ليس زينة حديثة تُضاف إلى خطابنا. إنه ساحة كرامة جديدة، وسيادة، وحماية للوعي. الرقمنة ليست تطبيقات فقط؛ إنها أساس مغرب الغد: في التعليم، وفي الإدارة، وفي فرص الشغل، وفي حماية المجتمع من التضليل. وأتشرف أن أشتغل في هذا الورش رفقة خيرة أطر الحزب ودكاترته؛ ويؤسفني أن يبقى هذا الصوت محصوراً أحياناً في زوايا ضيقة، مع أن الحزب يملك طاقات قادرة على تحويل الشعار إلى أثرٍ ملموس. فمن دون شغف المتخصصين، ومن دون مناضلين يفهمون التقنية ويعرفون السياسة، يتحول هذا الباب إلى كلام حديث... بلا مخالب. لكن الأمر لا يتوقف هنا. كيف لبرنامجنا أن يكتمل دون نبض لجان المساواة وحقوق الإنسان التي تضم خيرة المناضلين الحقوقيين؟ وكيف له أن يلامس المستقبل دون صدى باقي اللجان الوظيفية التي تختزن خبرات الحزب في التعليم والصحة والاقتصاد والتنمية؟ تغييب أي لجنة هو تغييب لجزء من حقيقة الحزب... وتحويل للبرنامج إلى جسدٍ مستقيم على الورق، يتعثّر في الشارع لأنه بلا روح جماعية. بيتنا لا نريده أن يبرد ما نحتاجه ليس فقط أن نصفّق لبرنامج «جاهز»، بل أن نشعر أنه خرج منّا. أن نرى فيه تعب الرفاق الذين ناموا في الحافلات، وحملوا أسئلة الناس البسطاء كما يحمل المرء خبزه اليومي. أن نلمس فيه تلك الجملة التي تُقال في الدواوير بعفوية وأمل: «غادي نْصَبرو... ولكن بغيّنا نشوفو النتيجة». لا نملك ترف الوقت. محطة 2026 ليست موعداً عادياً؛ الشارع الذي ينتظرنا هناك لن يقرأ أوراقنا ببرود، بل سيقرأ وجوهنا وصدقنا. والبرنامج الذي لا تسكنه أرواحنا اليوم لن يسكن قلوب المغاربة غداً. الرفاق الذين يقطعون المسافات لا يطلبون امتيازاً. يطلبون حقاً بسيطا وهو أن يشعروا أنهم شركاء... وأن تعبهم لم يكن عبثاً. المجلس الوطني القادم فرصة كي نعود إلى أنفسنا، ونفتح النوافذ، ونضع ما كتبناه على الطاولة، ثم نسأل بلا خوف وبلا تزويق: هل يشبهنا هذا البرنامج؟ هل يشبه المغرب الذي نحلم به؟ الحياة تبدأ حين يستعيد «برلمان الحزب» صوته الطبيعي... وحين يصبح البرنامج وعداً تسكنه بصمات المناضلين في كل اللجان، لا ترتيب الأوراق وحده. والباقي... مسؤوليتنا. -رئيس اللجنة الأمازيغية بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة