شهد المغرب خلال الفترة الأخيرة تساقطات مطرية غزيرة وغير معتادة، أعادت إلى الواجهة نقاشا واسعا حول أسباب هذا التحول المناخي المفاجئ، خاصة بعد سنوات متتالية من الجفاف وندرة الأمطار. هذه الوضعية الجوية الاستثنائية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل معقد بين الظواهر الجوية الطبيعية والتغيرات المناخية العالمية، من بينها التأثير غير المباشر لفترة اعتدال الانبعاثات الملوثة خلال جائحة كورونا. من الناحية الجوية، ساهم تمركز منخفضات أطلسية عميقة محملة بالرطوبة في توجيه كتل هوائية رطبة نحو شمال وغرب المملكة، بالتزامن مع تسرب كتل هوائية باردة من أوروبا، ما أدى إلى تشكل سحب كثيفة وهطول أمطار غزيرة وفي بعض الأحيان رعدية. كما لعب انحراف التيار النفاث نحو الجنوب دورا حاسما في وصول هذه المنخفضات إلى المغرب بدل بقائها في عرض شمال القارة الأوروبية. غير أن القراءة المناخية الأوسع تُظهر أن ما يحدث اليوم لا ينفصل عن السياق العالمي للتغيرات المناخية. فالتغير المناخي لم يعد يترجم فقط في ارتفاع درجات الحرارة، بل أيضا في اختلال التوازن المناخي، حيث تتناوب فترات الجفاف الطويلة مع تساقطات قوية ومركزة في زمن وجيز، وهو ما يزيد من حدة الفيضانات ويطرح تحديات كبيرة على مستوى البنية التحتية والتدبير الحضري. وفي هذا الإطار، يعيد خبراء المناخ التذكير بفترة جائحة كورونا، التي عرفت تراجعا غير مسبوق في الأنشطة الصناعية والنقل الجوي والبري، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في انبعاثات الغازات الدفيئة عالميا. هذا التراجع المؤقت ساهم في اعتدال نسبي لمستويات التلوث الجوي، وتحسن جودة الهواء، وانخفاض الضغط الحراري على الغلاف الجوي، وهو ما يعتبره بعض الباحثين عاملا مساعدا، ولو بشكل غير مباشر، في استعادة جزء من التوازن المناخي خلال السنوات اللاحقة. ورغم أن هذا الاعتدال لم يكن كافيًا لإيقاف مسار الاحتباس الحراري، إلا أنه كشف بوضوح مدى تأثير الأنشطة البشرية على المناخ، وأثبت أن الطبيعة قادرة على استعادة جزء من عافيتها متى خف الضغط عليها. ويرجح أن تكون غزارة الأمطار الحالية نتيجة تراكمات مناخية، تداخل فيها هذا الاعتدال المؤقت مع ارتفاع حرارة مياه المحيط الأطلسي، ما زاد من معدلات التبخر وشحن السحب بكميات أكبر من الرطوبة. في المحصلة، فإن الأمطار الغزيرة التي يشهدها المغرب اليوم تعد مؤشرا على مرحلة مناخية جديدة، عنوانها الرئيسي هو عدم الاستقرار، حيث لا يمكن الركون إلى نمط مناخي ثابت كما في السابق. وهو ما يستدعي، أكثر من أي وقت مضى، تعزيز سياسات التكيف المناخي، وتطوير منظومات تصريف المياه، وحسن استثمار هذه التساقطات في إنعاش الفرشة المائية والسدود، بدل الاكتفاء بقراءتها كحدث ظرفي عابر.