شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة من الشهر الكريم، تداولا واسعا لمقاطع مصورة جرى تصويرها في عدد من الفضاءات العمومية بمدينة طنجة، تضمنت استجوابات ومشاهد أثارت موجة من الانتقادات والاستياء بين المتابعين. وقد اعتبر عدد من الفاعلين المحليين أن مضمون هذه المقاطع يتجاوز حدود الترفيه الرقمي، ليطرح تساؤلات حول احترام القيم المجتمعية والقوانين المنظمة لاستغلال الفضاء العام. وترى فعاليات مدنية أن هذه التسجيلات تعكس تناميا لظاهرة إنتاج محتوى رقمي مثير للجدل يعتمد على استغلال الشارع والساحات العمومية، من خلال طرح أسئلة توصف بغير اللائقة أو تقديم مشاهد يعتبرها متابعون مسيئة للذوق العام. ويقدم أصحاب هذه المقاطع أنفسهم ك"صناع محتوى"، غير أن طبيعة ما يتم تداوله أثارت نقاشا واسعا حول حدود الحرية في صناعة المحتوى الرقمي. وتبرز إحدى الصفحات على موقع "فيسبوك" كأحد الأمثلة التي جرى تداولها على نطاق واسع، حيث يعمد صاحبها إلى نشر مقاطع قصيرة يتم تصويرها في فضاءات مفتوحة بمدينة طنجة، بحيث تظهر هذه المقاطع استجوابات مع شابات في أوضاع اعتبرها متابعون غير لائقة، إلى جانب أسئلة تصنف ضمن ما يصفه منتقدون بالمحتوى "الساقط". ولا تبدو هذه الواقعة معزولة، إذ يرى متابعون للشأن المحلي أن بعض الفضاءات المشتركة في المدينة، مثل الكورنيش والساحات المركزية، تحولت في الآونة الأخيرة إلى مواقع لتصوير محتويات رقمية مثيرة للجدل بهدف جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدات على المنصات الاجتماعية. ويشير منتقدو هذه الممارسات إلى أن بعض منتجي المحتوى يعتمدون على مواضيع تستفز الرأي العام لتحقيق الانتشار السريع وجني عائدات مالية من الإعلانات الرقمية، في ظل غياب ضوابط واضحة تضبط هذا النوع من الأنشطة في الفضاءات العامة. وحذرت فعاليات مدنية من التداعيات السلبية لانتشار هذا النوع من المقاطع، خاصة مع سهولة وصولها إلى مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك الأطفال والقاصرون، الأمر الذي قد يؤثر على منظومة القيم والتنشئة الاجتماعية. وفي السياق ذاته، يؤكد قانونيون وحقوقيون بمدينة طنجة أن تصوير أشخاص في أوضاع غير لائقة داخل الفضاء العام، ونشر تلك المقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي، يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية، خصوصا إذا تعلق الأمر بمحتوى يمس بالآداب العامة. ويستند المعترضون على هذه الممارسات إلى مقتضيات القانون الجنائي المغربي، ولاسيما الفصل 483، الذي يجرم الإخلال العلني بالحياء ونشر محتويات مخلة بالآداب العامة، ويعاقب مرتكبيها بعقوبات حبسية وغرامات مالية. وطالبت هيئات مدنية النيابة العامة المختصة لدى محكمة الاستئناف بطنجة بالتدخل وفتح تحقيق في الموضوع، للتثبت من طبيعة الأفعال المرتكبة وتحديد المسؤوليات القانونية المرتبطة بإنتاج ونشر هذه المقاطع. كما أثيرت تساؤلات بشأن الجوانب التنظيمية المرتبطة بتصوير هذه المقاطع في الفضاءات العمومية، إذ يشير فاعلون محليون إلى أن عمليات التصوير في الشوارع والساحات تخضع في الأصل لتراخيص مسبقة من السلطات المختصة. ويؤكد مهتمون بالشأن القانوني أن تصوير المارة أو استجوابهم ثم نشر صورهم وتصريحاتهم عبر الإنترنت دون موافقتهم الصريحة قد يشكل انتهاكا للحق في الصورة والحياة الخاصة، وهو حق تحميه التشريعات الوطنية. وفي ظل تزايد هذه الممارسات، شددت فعاليات محلية على ضرورة تعزيز الرقابة الميدانية من قبل السلطات المختصة، بما في ذلك الشرطة الإدارية والسلطات المحلية، من أجل تأطير عمليات التصوير في الفضاءات العمومية وضمان احترام القوانين المنظمة لها. كما تتجه الأنظار إلى الوحدات الأمنية المختصة في مكافحة الجرائم المعلوماتية، التي تعمل على تتبع المحتويات الرقمية المخالفة للقانون على منصات التواصل الاجتماعي، بتنسيق مع النيابة العامة، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عند الاقتضاء. ويأتي هذا الجدل في سياق مطالب متزايدة من فعاليات مدنية وساكنة محلية بضرورة حماية الفضاء العام بمدينة طنجة من الاستغلال غير المنظم لإنتاج محتويات رقمية مثيرة للجدل، بما يحافظ على صورة المدينة وهويتها الثقافية، خاصة باعتبارها قطبا اقتصاديا وسياحيا بارزا في شمال المملكة.