في أول ظهور له مع "أسود الأطلس".. محمد وهبي يحلل تعادل المغرب والإكوادور بمدريد    رأسية العيناوي تمنح "أسود الأطلس" تعادلا متأخرا أمام "إلتري كولور"    المنتخب المغربي يتعادل مع الإكوادور في أول مباراة تحت قيادة محمد وهبي    الاتحاد الدولي للملاكمة يرحّب بالقرار الأولمبي لتحقيق عدالة منافسات السيدات    هدف متأخر يمنح أسود الأطلس تعادلاً ثميناً أمام الإكوادور    الإشادة بالجرائم توقف ثلاثينيا بطنجة    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    أربعة أشهر حبسا لمتهم رفض أداء نفقة طليقته بالحسيمة    بنك المغرب يضخ 160,2 مليار درهم في السوق النقدية خلال أسبوع    "الطاقة الذرية" تنادي بضبط النفس    تداولات حمراء في بورصة الدار البيضاء    المشجعون المغاربة يخلقون أجواء حماسية في مدريد قبيل المباراة الودية لأسود الأطلس أمام منتخب الإكوادور    جمعية حقوقية : فقدان جنين بعد رفض تقديم الإسعاف لسيدة حامل بمستشفى الناظور    توقيف مبحوث عنه في الاتجار الدولي بالمخدرات بمنطقة واد لاو قرب تطوان    ماذا بقي من المنتدى الوطني للمدرس؟    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    نادي المحامين بالمغرب يفند ادعاءات الاتحاد السنغالي ويهدد بوضع الكأس تحت الحجز القضائي    ولد الرشيد يتباحث مع وزير كوستاريكي    الخطوط الملكية المغربية تدشن خطا مباشرا بين بروكسل وتطوان    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية وزخات رعدية محليا قوية مصحوبة بحبات البرد يومي الجمعة والسبت بعدد من مناطق المملكة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    نعي شهيد الواجب الوطني ضابط الأمن رشيد رزوق    تصعيد إيراني وتحركات أميركية مترددة    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    مدينة الدار البيضاء تحافظ على صدارة المراكز المالية في القارة الإفريقية    مفوض للأمم المتحدة يطالب بالعدالة وإنجاز التحقيق الأمريكي في الضربة على مدرسة إيرانية    أمطار رعدية وتساقطات ثلجية بالمغرب    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    "واشنطن بوست": أمريكا استخدمت المئات من صواريخ توماهوك في إيران    الصين تمضي قدما في سباق الفضاء بإطلاق قمر تجريبي جديد إلى المدار    أرباب المقاهي يطالبون بإلغاء الساعة الإضافية بسبب تداعياتها على أنشطتهم        "بلطجة وإهانة".. نادي المحامين بالمغرب يهاجم ندوة الاتحاد السنغالي بباريس    النفط ينخفض بعد تمديد المهلة لإيران من طرف ترامب لكن الأسعار لا تزال مرتفعة    "العدالة والتنمية" ينتقد استمرار غياب أخنوش عن دورات جماعة أكادير وطريقة تدبير المشاريع بالمدينة    الحرس الثوري يستهدف إسرائيل وقواعد أمريكية في الخليج بالصواريخ والمسيّرات    لجنة من "فيفا" تتفقد جاهزية أكادير لاحتضان مباريات مونديال 2030        هجوم يستهدف ميناء الشويخ بالكويت    المغرب يستعد لمونديال 2030... لكن مطاراته لا تزال تعاني: طوابير، تأخير وخدمات تُغضب المسافرين    برنامج "المثمر" يحسّن الإنتاج الحيواني لآلاف مُربي الماشية في المغرب    مجد "الغاروم" المغربي    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



‎إذا وافاني الأجل فعزائي أنني عملت ما يكفي وإذا قدر لي العيش فلدي ما أعمله
‎ربما ما زلت أواصل مسيرة الفشل الاجتماعي وبهذا المعنى هي فعلا «صحافة تأكل أبناءها»
نشر في المساء يوم 26 - 09 - 2010


الحلقة الأخيرة :
عندما غادرت صحيفة «الجمهور» في 12 يونيو 2002 مطروداً، وعلى الرغم من المرارة التي كنت أشعر بها، ألحت على خاطري فكرة هذا الكتاب
كتاب يروي بالتفاصيل والوقائع، والأهم بالوثائق، تجربة العمل رئيساً لتحرير أربع صحف يومية، خاصة أنه بدا لي الكثير مما ألقي على الناس في وقت لاحق كان مجافياً لما عشته ورأيته بعيني وسمعته بأذني في زمانه ومكانه. وضعت تصوراً ذهنياً للكتاب، واخترت له عنواناً يقول «صحافة تأكل أبناءها». خلال تلك الرحلة المهنية وجدت أن معظم الذين تعاملت معهم لا يحبون الخسارة وليسوا جاهزين لها. ولا أزعم أو أدعي بأنني أحب الخسارة، لكنني كنت دائماً جاهزاً لها. بقيت فكرة الكتاب في مكانها، وفي كل مرة كانت تشغلني عنها مشاريع أخرى، ومشاغل لا تهدأ مع الحياة وتفاصيلها، والزمن وتصاريفه.
من 12 يونيو2002 حتى 22 أبريل 2010، مرت حوالي ثمان سنوات. في ذلك اليوم وفي الخامسة مساء سألتقي بالأخ رشيد نيني، ناشر ورئيس تحرير «المساء» ورئيس مجلس إدارة المجموعة التي تصدرها. تواعدنا أن يكون اللقاء في أحد فنادق الدار البيضاء، على فنجان قهوة، لإغلاق صفحة وفتح صفحة جديدة. وأشهد الله أنه كان كريماً حيث طرح عدة اقتراحات على الطاولة، ثم اقترح إجراء حوار مطول ينشر في حلقات. وافقت من حيث المبدأ، إذ بدا لي أن كتاب «صحافة تأكل أبناءها» يمكن أن يخرج عبر هذه الصيغة المعدلة. كان الأخ رشيد نيني سخياً مرة أخرى، وهو يطلب تحديد المبلغ الذي ستدفعه الصحيفة لقاء هذه الحلقات.
اقترح من جانبه أن يجري الحوار الزميل مصطفى الفن، وأن تتم الصياغة النهائية بالتراضي. هكذا شرعنا في العمل في مكتبي الشخصي بالرباط، وتحمل الأخ مصطفى الفن عناء التنقل من الدار البيضاء إلى الرباط مرتين في الأسبوع وأحياناً أكثر، إلى أن اكتمل هذا العمل.
في هذه الحلقات لم أركن إلى ما تستطيع الذاكرة أن تستدعيه، وإنما إلى أوراق مكتوبة في أوانها، تستعيد الوقائع كما جرت وبتفاصيلها. وأقول مجدداً إن مشكلتي مع بعض الناس ومشكلة بعض الناس معي أنني لا أعتمد على الذاكرة. لم أرغب أن يكون هذا الكتاب نوعاً من كتابة «مذكرات» مع أني عشت الوقائع، إذ حرصت قدر الإمكان أن تكون هناك مسافة بين الوقائع والحياد المطلوب في روايتها. الثابت أنه عندما يقترب صحافي من عملية صنع الأخبار، يصبح ليس شاهداً على وقائعها، وإنما يتحول في بعض الأحيان إلى طرف في صنعها. لم أقصد أن أكتب عن «حق» أو «باطل». وفي اعتقادي، عندما نكون على حق، لا يستوجب ذلك أن يكون رأينا مكتوباً أو صوتنا مرتفعاً. بقيت مسألة. يجب أن ينظر إلى هذه الحلقات باعتبارها مواضيع لملمها خيط ذاكرة متشعب مثل غصن استناداً إلى وثائق مكتوبة وصور موجودة وصوت مسجل.
طلحة جبريل
(صحافي سوداني مقيم في المغرب)
[email protected]
‎ ما رأيك في أن نتوقف في هذه الحلقة الأخيرة عند بعض الأسئلة التي تهم حياتك الشخصية وعلاقتك بالنساء؟- ليس لدي أي مانع. لا أتحرج من أي سؤال. اسأل ما شئت من الأسئلة واتركني أجيب كما أريد. طيب، تزوجت عدة مرات، لماذا، في نظرك، فشلت في مسيرتك اجتماعيا خلافا لمسيرتك في مهنة الصحافة؟- كنت أعتقد، كما يعتقد كثيرون من الذين عرفوني عن قرب، أن حياتي الاجتماعية لم تكن مستقرة، لكن بصراحة، خلال السنة الأخيرة في واشنطن، وقبل أن أعود إلى المغرب، وجدت أن الأمور ليست سيئة إلى هذا الحد. كان معي في ذلك الوقت ثلاثة من أبنائي، هم، حسب ترتيب العمر، سلمى وامرؤ القيس وعثمان. كنا جميعا نعيش في شقة أنيقة في منطقة «سكاي لاين» بولاية فرجينيا، المجاورة للعاصمة الأمريكية. وقد اكتشفنا بأننا أصدقاء، وأننا نتحدث في كل المواضيع بدون حرج، ونضحك كثيرا، ونشاهد التلفزة مع بعضنا البعض، على الرغم من موقفي السلبي شخصيا من التلفزة. أكثر من ذلك كان لنا موقف واحد حول ما يسود في الساحة الأمريكية، إذ كنا نحن الأربعة من المتحمسين للمرشح الديمقراطي باراك حسين أوباما. في تلك الفترة أدركت أن «الفشل الاجتماعي» تعبير فضفاض جدا، وليس زيجاتي المتعددة هي عنوان هذا الفشل. دعني أقول إن نجاح أبنائي في دراستهم جعلني أغير وجهة نظري، لذلك لا أقول إنني فشلت اجتماعيا مائة بالمائة. كان هناك فشل، لكن ليس إلى درجة جلد الذات. وماذا تسمي إذن ما حدث في مسيرتك الشخصية؟- ربما يكون سوء حظ. وعلى أي حال، أجدد اعتذاري لكل الذين شعروا بشيء من الألم بسبب حياة اجتماعية قلقة وغير مستقرة، أصبحت واقعا لا أنكره. كم مرة تزوجت؟- في السابق كنت لا أجد حرجا في الاجابة عن هذا السؤال، لكن الوضع اختلف الآن. إذ لابد من مراعاة شعور الآخرين، خاصة أني تزوجت عدة مرات ولأن لا زواج يلغي زواجا آخر، بل يضيف إليه عددا. لكن حتى أشبع فضولك أقول لك إن لي أبناء من ثلاث زيجات. وهل جربت الحب؟- أكيد، جربت الحب وتذوقت حلاوته ومرارته أيضا. لو كنا في الغرب لحدثتك عن تفاصيل ممتعة ومؤلمة أيضا، لكن في عالمنا العربي غير مسموح بالحديث عن ذلك، حتى لا نجرح شعور آخرين. وفي هذا الجانب أقترح عليك قراءة «حب في زمن الكوليرا» للروائي غابريل غارسيا ماركيز. هل يقيم أبناؤك معك؟- كنت أتمنى ذلك، لكن نحن في تواصل باستمرار. أين هم الآن؟- ابنتي الكبرى رؤى طبيبة في مدينة رين الفرنسية، وهي خريجة كلية الطب في الرباط، وابنتي سلمى باحثة في أحد مراكز «البحث والتفكير» (ثنك تانك) في واشنطن، وهي خريجة جامعة دوفين في باريس. أما امرؤ القيس فيتابع دراسة العلوم السياسية في جامعة «الأخوين» بإفران، وكان قد درس السنة الأولى في جامعة ولاية فرجينا قبل أن نعود إلى المغرب. ابني الثالث عثمان يدرس في مدرسة «جبران خليل جبران» بالرباط، وأنا منشغل به كثيرا، لأنه درس سنوات الابتدائي في أمريكا، ومنذ سنة وهو يبذل مجهودا كبيرا ليتعلم العربية والفرنسية، على الرغم من أنه في آخر سنوات المرحلة الابتدائية. وعلى أي حال فهو يحقق نتائج مرضية جدا، وأنا سعيد بذلك. أما ابنتي فردوس فتوجد في الخرطوم، وهي ما تزال في مرحلة الطفولة، وأنوي زيارتها في خريف هذه السنة. ألم تشاهدها؟- هي ولدت في أمريكا، ولم أشاهدها إلا في دجنبر الماضي، حين ذهبت أنا ورؤى لزيارتها في الخرطوم. لكن لماذا توجد وحدها في الخرطوم؟- أمها سودانية. أين تريدها أن تكون؟ في أستراليا مثلا؟. لعل من مصادفات القدر أنها أمريكية الجنسية لأنها ولدت في أمريكا. لقد أكملت سنتها الأولى في غشت الماضي فقط. وكيف هي علاقتك بأبنائك؟- إذا قلت لك إني أحبهم جدا، فهل سيكون ذلك أمرا يثير الاهتمام. إذ هذا هو ما يفترض أن يربط أي أب بأبنائه. لكن دعني أقول إنني ربما أحبهم أكثر وأستجيب لجميع طلباتهم أكثر، اعتقاداً مني بأن لا ذنب لهم فيما حدث من تمزقات عائلية، هذا من جهة، ثم إنهم عانوا معي ومع تقلبات الحياة معاناة صعبة، وبحكم صغر سنهم تكون مواقفهم حادة جدا تجاه من يعتقدون أنهم لم يكونوا «أوفياء مع أبيهم». المؤكد أني لا أستطيع أن ألجم هذه المشاعر، لكن أحاول التخفيف من حدتها. أهم شيء أني لا أخفي عنهم شيئا. لكن الآن أصبحت على سبيل المثال أخفي عنهم بعض الأمور، مثل حالات الغضب والإحباط والإرهاق. وكيف هي علاقات أبنائك بعضهم بعضا؟- ماذا تتوقع أن أقول لك؟ هم يعرفون جيدا ما معنى أنهم إخوة، لكن ظروف الحياة جعلت البنات الثلاث، على سبيل المثال، كل واحدة في قارة. هل يقرؤون ما تكتب؟- بالتأكيد، هم يتابعون الآن هذه الحلقات ويحرصون على قراءتها، وفي بعض الأحيان تصلني منهم تعليقات، وهنا أقصد الكبار وليس عثمان وفردوس. هل يتضايقون من بعض ما كتب عن حياتك الشخصية؟- لنكن صرحاء، حين يقرؤون بأنني أقمت ذات يوم في فندق نزلاؤه من بنات الليل، هل تريد منهم أن يفخروا بذلك ويتباهوا به أمام زميلاتهم وزملائهم؟ قطعا يتضايقون. قد لا يشعرون بالحرج، لأنهم يفهمون ماذا يعني أن تكون «كاتبا» ويعرفون طريقتي في الحياة وأني لا أحفل كثيرا بما يطلق عليه ب«الأسرار الاجتماعية». أحيانا تنصب تعليقاتهم حول الاستفسار عن معلومة أو تدقيقها. مثلا امرؤ القيس سألني «هل صحيح أنك سكنت في حي بطانة بسلا؟» وهي الواقعة التي أوردتها في الحلقات الأولى، وفعلا أكدت له ذلك. وقد سألني هذا السؤال بحكم انتمائه إلى سلا من ناحية الأم، ولأنه يحب مدينته جدا، بل يقول دائما «أنا س. س»، أي أنه «سلاوي سوداني». وكيف يتعاملون مع ماضيك؟- عندما حصلت ابنتي رؤى على دكتوراه الطب، اقتبست عبارة من إهداء كتبته أنا في كتابي «أيام الرباط الأولى» أقول فيه «أما الماضي فقد مضى، لكن المستقبل أمامنا»، وأهدت لي تلك الأطروحة بجملة تحمل هذا المعنى. سعيدا أقولها. وكيف ترد على من يقول «إنك زير نساء»؟- يبدو أن الناس يستعملون هذه الكلمة دون أن يفهموا دلالتها، إذ أن المعنى الشائع أن «زير نساء» رجل لعوب. في اللغة الإنجليزية، التي أعرفها جيدا، تترجم كلمة «زير نساء» بكلمة «ذئب»، وذئب لها معنى قدحي في لغتنا العربية. وبالنسبة إليهم «زير النساء» هو الشخص الذي يغوي النساء بالمال، وأؤكد لك أني لست كذلك. من يعتقد أن أي علاقة بين رجل وامرأة يجب أن تنتهي بزواج ليس قطعا «زير نساء»، وأنا من هذه الشريحة. أن تقول لي إنك تعيش نمط الحياة القلقة يوما هنا وليلة هناك، سأقول لك نعم. ثم دعني أقول بوضوح: «لا توجد امرأة ارتبطت بها لم تكن تعرف تفاصيل حياتي السابقة». الفرق الوحيد بيني وبين الآخرين أني لا أخفي هذه الأشياء. ربما يكون ذلك أمرا سلبيا، لكن هكذا خلقت وهكذا سأعود إلى رب العالمين. هل تشعر بأنك تعيش حياة غير مستقرة؟- الأمر ليس شعورا، بل هو واقع. علينا أن نتذكر، منذ أن أجبرت على الخروج من «الشرق الأوسط» في أبريل عام 1996، أني تنقلت بين ست صحف ووكالة أنباء، لكن كم مرة بقيت في كل صحيفة؟ في «يو بي آي» قضيت زهاء سنتين.. في «الحركة» قضيت سنة واحدة.. في «المنعطف» خمسة أشهر.. في «الصباح» 21 شهرا.. في « الجمهور» أربعة أشهر.. في «الشرق الأوسط» بعد العودة الثانية 14 شهرا.. ثم قضيت في «إيلاف» 18 شهرا. ألا يكفي هذا دليلا على عدم الاستقرار. وما الذي أعطتك المهنة بعد كل هذه المسيرة؟- الحقيقة أني أعطيت المهنة كل شيء خلال هذه المسيرة، وما زلت، لكنها لم تعطني شيئا على الأقل من ناحية الاستقرار المادي، إذا كانت الأمور تقاس بهذه الطريقة. صحيح أن المهنة أعطتني من الناحية المعنوية فأعطيتها كل شيء في حياتي الشخصية على حساب أبنائي وأسرتي. والمؤكد أن هذا أثر على حياتي الاجتماعية، التي لم تعرف استقرارا، إذ فشلت عدة مرات في تحقيق «هدوء اجتماعيا»، وربما ما زلت أواصل مسيرة الفشل الاجتماعي في هذه الحياة. وبهذا المعنى هي فعلا «صحافة تأكل أبناءها». من يقدم سنوات عمره من أجل هذه المهنة، ومن يضحي حبا فيها، تأكله المهنة، أي أن هذه المهنة مثل جهنم كل ما أعطيتها تقول لك هل من مزيد. هل تقصد القول إنك فشلت اجتماعيا وماديا على حد سواء؟- مؤكد. عشت مسيرة اجتماعية فاشلة جدا ومسيرة مالية، ولا أقول مادية فاشلة جدا. دعنا نكون صرحاء. أعتقد في أكثر من مرة أني تقاضيت راتبا محترما، لكن في أكثر من مرة كذلك خضت غمار الحياة القلقة كما ذكرت، يوما هنا وليلة هناك. شخصيا، لا أعرف كيف يمكن تدبير المال، وليست لي علاقة به، وبالتالي لم أضعف أمامه في يوم من الأيام. عندما نضعف أمام المال نقدم تنازلات في كثير من الأمور. أتيحت لي فرص كثيرة أن ألتقي بعلية القوم. كان ممكنا أن أطلب «امتيازات»، لكني لم أفعل. اقترضت، نعم، وكشفت لك عن الأسماء التي اقترضت منها، وقلت لك من ساعدني، ومازلت أقترض بين الفينة والأخرى، ليس من البنوك لحسن الحظ، ولكن من الأشخاص. البنوك لم تفهم، وليس مطلوبا منها أن تفهم، بأني تعرضت لهزات وفترات بطالة في أكثر من مرة، وبالتالي كنت زبونا سيئا، من وجهة نظرها، لكن لم أكن سيئا قط عندما تطلب الأمر بيع حتى شقتي لتسديد ديوني لهذه البنوك. هل تشعر بأن لديك عيوبا عجزت عن التغلب عليها؟- أكيد. الكمال لله. لست من جنس الملائكة. وما هي عيوبك؟- ساقول لك ما أعرف، وإذا كان هناك من يعرف المزيد، فلا ضرر أن يهديها إلي، إذ لا يهم أن تطول قائمة العيوب.من عيوبي أنني أثق في أشخاص غير جديرين بالثقة، وفي كثير من الأحيان أجد نفسي ضحية هذه الثقة. ومن عيوبي كذلك أنني عندما أتذكر بأني كنت نجارا في الخرطوم خلال سنوات الصبا والمراهقة، ثم أصبحت ألقي محاضراتي في الجامعات الأمريكية، يحدث لي بعض التضخم في «الأنا»، وتنجم عن ذلك تصرفات لا تروق الكثيرين. ومن عيوبي أنني أسعى في بعض الحالات لتقديم خدمات لأي شخص يطلب مني ذلك، وأحاول إرضاء الجميع فقط حتى لا أسمع انتقادات، وهذا يضر بي ضررا بليغا. من عيوبي اعتقادي الدائم بأن البحث عن المرأة التي يفترض أن تفهم ما معنى «صحافي» وما معنى «كاتب» يجعلني على استعداد للحديث مع كل النساء اللائي يتصادف أن أجدهن أمامي، إلى حد يتحول فيه الحديث عن النساء الى أمر يثير الشهية باستمرار، وهذا عبث. وكيف هي علاقتك بطلبتك؟- أشكرك كثيرا على هذا السؤال. أثناء وجودي في واشنطن، اقترح علي قسم الدراسات الإفريقية في جامعة ميرلاند إلقاء دروس حول وسائل الإعلام في إفريقيا. في اليوم الأول، وبعد أن انتهيت من إلقاء الدرس، فوجئت بالطلاب يصفقون بحرارة، إلى درجة اعتقدت بأنهم يسخرون مني، لكن أدركت أنهم كانوا يصفقون إعجابا بالمعلومات التي اشتمل عليها الدرس، وهي معلومات كانت من واقع مشاهداتي في القارة الإفريقية، ليس فيها عبقرية تستحق التصفيق. قلت لهم في ذلك الدرس كيف نستطيع أن نخبر مواطنا في ضواحي «نيامي»، عاصمة النيجر، بأن مرشحاً إفريقيا يقترب من الفوز برئاسة الولايات المتحدة الأمويكية، قلت لهم كلاما بسيطا ربما نعرفه جميعا، وهو أن مواطن نيامي لا يقرأ صحيفة لأنه أمي، ولا يشاهد تلفزة لأنه لا يتوفر عليها، أو لا يعرف الأخبار عن طريق الانترنيت لأن ذلك من المستحيلات نظرا للفقر المدقع الذي تعرفه بلاده، أو لا يسمع إذاعة، بسبب ضعف إرسال الإذاعة الوطنية وعدم قدرته على شراء راديو، وهو لا يجد قوت يومه... إذن كيف نستطيع أن ننقل الأخبار إلى هذا الشخص؟ ورحت أشرح صعوبة الأمر، وقلت لهم: «لا حل إلا عن طريق البث الفضائي للإذاعات»، وهي تجربة كانت قد أطلقتها مؤسسة إعلامية أمريكية تسمى «أفريكا إسبيس» ومقرها في واشنطن، وأن توزع جمعيات خيرية أو منظمات الإغاثة أجهزة راديو رخيصة الثمن، أنتجتها شركات كورية، لا يزيد سعرها عن ثلاثة دولارات، على مثل هذا المواطن الإفريقي. وعندما صفق الطلاب في نهاية الدرس استغربت جدا، بل قل إني اندهشت، لكن أحدهم شرح لي الأمر قائلا: «ألقيت علينا درسا واقترحت علينا حلا لمشكلة بدت لنا عويصة جدا». هذه هي الطريق الأمريكية في الاحتفاء بالمعلومة. الدرس الذي خرجت به في ذلك اليوم هو أن أجمل علاقة في الكون هي تلك التي تربط أي أستاذ بطلابه، خاصة إذا استطاع أن يتفاعل معهم، ويستمع إليهم بأناة، ويناقشهم بصبر. لكن ماذا عن طلابك المغاربة؟- مهلا، أردت أصلا أن أتحدث عن طلابي المغاربة. بداية أنا فخور بهم، على الرغم من أني لم أكن منتظما في
إلقاء دروسي إلا بعد منتصف الثمانينيات ومدة سنة واحدة، ثم عدت إليهم مع بداية هذا العقد. لكن بعد عودتي من أمريكا، قررت أن أجعل الأمر من أولوياتي، لأن الطلبة هم الأجدر والأحق بتجربة لها ما لها، وعليها ما عليها. هل تناقشهم في مواضيع لا علاقة لها بالدرس؟- أود أن أقول لك شيئا. كان طلابي هم أول من عرفوا بأن هناك مشروعا ما مع صحيفة «المساء»، وأتذكر أني طلبت منهم عدم تداول الأمر، وقلت لهم: «أنتم ستكونون صحافيين في الغد، وأريد أن أختبر قدرتكم على عدم التباهي بالمعلومات». طبعا لم أقل لهم التفاصيل، لكن على الأقل قلت لهم «إن هناك مشروعا»، ويقيناً أنه لم يتسرب أي شيء عنه وإلا لكانت نشرته بعض الصحف الصفراء، ولم يعرف الأمر حتى أعلنت «المساء» عن هذا الكتاب. أنا فخور بهم في هذا الجانب. في السنة الماضية خصصت معظم دروسي لما جاءت به مدرسة «واشنطن بوست» في مجال كتابة الأخبار والتقارير الإخبارية، وقلت لطلابي: «ستعانون كثيرا في قاعات التحرير، لكن عليكم أن تصمدوا لإقناع الآخرين بكتابة الخبر الكامل والتقرير المتوازن». حقيقة أجد متعة لا تضاهى في الحوار معهم. هل ستواصل العمل في هذا الجانب أم ستتفرغ للكتابة؟- أولا، أنا صحافي ممارس، ولدي مسؤوليات في الصحيفة التي أعمل معها، ولابد من الوفاء بالتزماتي. الأمر الثاني أن أحدهم أرسل لي «نصيحة» عبر صديق يقول فيها «على فلان أن يكف عن الركض بين الرباط والدار البيضاء من أجل بعض السنتيمات». هذا الشخص لا يدري أني كنت في بداية هذا العقد أمارس مهنة التدريس دون أن أحصل على أي سنتيم، وهو لا يعرف أيضا أني كنت في كثير من الأحيان خلال السنة الماضية أركض بين الرباط والدار البيضاء بدون مقابل. من تقصد هنا؟- المهم هو متن الكلام وليس هامشه. دعنا من الحديث عن الماضي والحاضر. ماذا تريد أن تفعل في المستقبل؟- دون أن نقع في لعبة التفاؤل أو التشاؤم، هناك عبارة عالقة بذهني دائما، لذلك أقول: «إذا وافاني الأجل الآن فعزائي أنني عملت ما يكفي، وإذا قدر لي أن أعيش سنوات أخرى فإن لدي ما يكفي من العمل». مشاريعي المستقبلية هي بالطبع أبنائي وكتبي وطلابي. عدا ذلك لا شيء. أترك لك كلمة حرة نختم بها هذه الحلقات؟لدي أربعة أشياء. كان اتفاقي مع الأخ رشيد نيني كالتالي «يمكنكم أن تحذفوا ما تشاؤون من حلقات هذا الكتاب، لكن لا تضيفوا شيئا». وأشهد الله أنه لم يحذف فاصلة، أو أضاف نقطة. أنا ممتن له على ذلك. الكلمة الثانية للقراء، الذين أقبلوا على قراءة هذه الحلقات، وكثيرون منهم كانوا يتواصلون معي بالرسائل أو عبر الهاتف، وأرجو ألا أكون قد خيبت ظنهم.الكلمة الثالثة للطاقم الصغير في مكتبي. هؤلاء الذين عملوا خارج أوقات دوامهم، ينقبون ويبحثون عن معلومة أو وثيقة أو صورة أو ينجزون عملا تقنيا، حتى بعد منتصف الليل أحيانا.الكلمة الثالثة، لعلني أخاطب فيها نفسي، كانت تجربة الحياة مع الوقائع مكلفة، وأحسبها أضافت إلى عمري سنوات لم أعشها. لم تكن الشجاعة هي التي تنقصني قط، بل الحظ.الكلمة الرابعة موجهة لأبنائي، الذين ربما قرؤوا أشياء أحرجتهم أو لم تعجبهم، لكن كما كتبت لي ابنتي رؤى تقول بلغة رائقة «كن الرجل نفسه». وأعدها، هي وإخوتها، بأني سأبقى الرجل الذي يعرفونه.


[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.