تفاصيل اجتماع اللجنة البين وزارية المكلفة بإعادة بناء وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز    يوسف حجي ينضم للجهاز الفني للمنتخب المغربي    المغرب يُتوج بكأس إفريقيا 2025 بعد انسحاب السنغال من النهائي    إسرائيل تعلن اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني    هيئة مغربية تدين إغلاق المسجد الأقصى وتجدد الدعوة لإسقاط التطبيع    قناة "RMC Sport" الفرنسية: إعلان "الكاف" قرار عادل كان يتعين صدوره في حينه        سفارة المغرب في السنغال تدعو لضبط النفس واليقظة على خلفية "تطورات كأس إفريقيا"    "مسيرة خضراء إلى سبتة ومليلية" تُشعل الجدل داخل الأوساط الإسبانية    الممرضون يعودون للاحتجاج للمطالبة بحسم ملف السنوات الاعتبارية والوضعيات الإدارية المجمدة    "فيدرالية اليسار" تطالب رئيس الحكومة بالتدخل لضبط سوق المحروقات وحماية القدرة الشرائية    أكادير تحافظ على منحى نموها السياحي رغم تأثير رمضان والبريطانيون في الصدارة    تتويج المغرب بكأس إفريقيا يفجر جدلًا على صفحات مصرية    الاتحاد الليبي يعلن تعاقده مع المدرب موكوينا    انخفاض أسعار المواد الغذائية يدفع التضخم للتراجع ب0,6% في فبراير    جبور: هزة شمال المغرب متوسطة .. وارتدادات "زلزال الحوز" مستمرة    وزارة النقل تعلن تلقي طلبات الدعم    طلبة طب الأسنان بفاس يواجهون أزمة تكوين بسبب هشاشة البنية التحتية وغياب التجهيزات    عطاف ‬يبحث ‬آخر ‬تطورات ‬ملف ‬الصحراء ‬مع ‬نظيره ‬الفرنسي:‬    ارتفاع استهلاك الكهرباء في الصين بنسبة %6,1 مطلع 2026        لجنة "الكاف" تخفف عقوبة الصيباري وتلغي الغرامة المالية    سقوط قذيفة قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية    المغرب ‬يبتكر ‬في ‬تحويل ‬الأزمات ‬إلى ‬فرص ‬حقيقية ‬لتجاوز ‬التقلبات ‬الاقتصادية    مجلس ‬المنافسة ‬يفاجئ ‬الصيادلة ‬وموزعي ‬الأدوية ‬برأي ‬مفصل ‬عن ‬الأرباح ‬والاختلالات ‬في ‬القطاع        في ‬تقرير ‬حديث ‬لوكالة ‬اللجوء ‬التابعة ‬للاتحاد ‬الأوروبي..‬    تكريم الدكتور عبد الواحد الفاسي في أمسية رمضانية بالقنيطرة    كيوسك الأربعاء | آجال الحصول على الإذن عائق أمام المنافسة في سوق الدواء    إيران تعدم مداناً بالتجسس لإسرائيل    12 قتيلا في الغارات على وسط بيروت    طقس بارد وممطر في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    قصة معركة كسر العظام داخل الكاف قبل إعلان المغرب متوجا ب"الكان"    ماذا يريد كلّ طرف من حرب إيران؟    افتتاح معهد الشرطة النسائية يشعل جدلاً واسعاً في سوريا    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    حفل ديني بطنجة لتتويج الفائزات في مسابقة قرآنية واختتام المجالس القرآنية    العالم قفة صغيرة.. والدولة من أثرياء الحرب    الأسعار بين هرمز و«لهموز»    تحرير السوق أم تحرير الأرباح؟ حكاية المغاربة مع مفرقشي المحروقات    أين تذهب أموال ليلة القدر تساؤلات حول تدبير التبرعات في مساجد أوروبا ؟    تطوان على موعد مع أمسية موسيقية مفتوحة لعشاق الفن    الخياط: حكامتنا المالية حققت فائضا مهما بجماعة بن قريش والطالبي والبكوري يدعمان لمنتخبي الأحرار    الحياة فيض ذكريات تصب في بحر النسيان والموت حقيقة حتمية    رواية "الخلود" للكاتب ميلان كُونْدِيرَا.. أو إشكالية الأرض المحروقة    حفل التخرج بالمعهد العالي للفنون المسرحية والإحياء الثقافي    الغارات الإسرائيلية في لبنان تدمّر مخزون كتب دار نشر مغربية بارزة    فنون المغربي قرماد تكرم الخط العربي    مدن الملح: من نبوءة منيف إلى سيادة عارية في ظل التبعية والوصاية    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عوائق الانتقال الديمقراطي في العالم العربي بين إرث الماضي وتحديات الحاضر
نشر في المساء يوم 01 - 03 - 2011

إن استمرارية الأنظمة السياسية الاستبدادية في العالم العربي -في تناقض تام مع التحول الذي يعرفه العالم نحو الديمقراطية- يجد تفسيره، حسب وليام زارطمان، بذلك التكامل الحاصل بين الأنظمة الاستبدادية الحاكمة والمعارضة المُستخدَمة، وهو تكامل تحكمه المصالح المشتركة بينهما، لكن على حساب الدولة والشعب.
ويمكننا أن نستحضر الكثير من التجارب الديمقراطية في العالم العربي، التي كانت قريبة التحقق نتيجة النضال الكبير الذي بذلته الشعوب العربية في بحثها عن الحرية والديمقراطية، لكن هذه التجارب كانت تجهض في آخر لحظة، كنتيجة مباشرة لدخول المعارضة المُستخدَمة على الخط للقيام بوظيفة مزدوجة تجاه الشعب وتجاه النظام الحاكم.
وفي قيامها بهذه الوظيفة فهي تحقق مصالحها الخاصة عبر الخروج من الهامش إلى المركز، وفي نفس الآن فهي تضخ روحا جديدة في شرايين النظام الاستبدادي الحاكم، من دون تجديده أو تغييره، لكن الضريبة باهظة الثمن، يؤديها الشعب من حريته ومن مواطنته التي يتم الإجهاز عليها، لتحقيق التكامل بين الطرفين، خدمة لمصالحهما المشتركة.
إن البديل الذي أصبح متاحا أمام الشعوب العربية، للخروج من الاستبداد السياسي، لم يعد مرتبطا الآن -بعد ثورتي تونس ومصر- بمشاريع المعارضة السياسية، سواء أكانت في الداخل أم في الخارج، لأنها مشاريع لا تخدم سوى مصالح أصحابها، وهي في الأخير تعتبر امتدادا مباشرا لمشاريع الأنظمة الحاكمة في إخضاع الشعوب العربية والسيطرة عليها، باستخدام مختلف أنواع العنف المادي والرمزي.
لكن البديل يظل مرتبطا بالإرادة الشعبية التي تصنع رموزها وقياداتها في ساحة الميدان، والشعب بمختلف فئاته لا يمكن أن يجتمع سوى من أجل مصلحة وطنه التي يمكنها وحدها أن توحد أقصى اليسار مع أقصى اليمين، ليس ضد أحد بعينه وإنما ضد جميع أشكال الفساد والاستبداد والقمع... التي تهدد استقرار الأنظمة الحاكمة، أكثر ما تهدد استقرار ونهضة الشعوب.
إن هذا التحول الذي يعيشه العالم العربي، عبر انتقال فعل التغيير من المعارضة السياسية إلى الفئات الشعبية، من شأنه، على المديين المتوسط والبعيد، أن يحل إشكالية الشرعية التي تعاني الأنظمة السياسية في العالم العربي من فقدانها، وذلك لأن أي تغيير محتمل، تقوده جميع الفئات الشعبية بمختلف انتماءاتها الإيديولوجية والمذهبية والعرقية...، ستكون له بالضرورة نتائج سياسية ستنعكس إيجابيا على الدولة، شعبا ونظاما سياسيا، فالشعب سيستفيد من الحرية والديمقراطية، والنظام السياسي سيمتلك شرعية شعبية حقيقية، ليست من جنس تلك الشرعية الوهمية التي تمنحها له المعارضة، خدمة لمصالحها الخاصة.
إن جميع حركات التغيير الشعبية، التي حدثت في العالم عبر التاريخ البشري، تقدم إلينا هذه الدروس البليغة، حيث تكون النتائج دائما إيجابية، في صالح الشعب، وكذلك في صالح الأنظمة السياسية الحاكمة، حيث يقتسم الطرفان معا غنائم (المعركة)، لأن هذا النوع من المعارك السياسية لا يكون -بالتأكيد- بين أعداء ألداء وإنما يجري بين مواطنين حريصين جميعا على مصلحة ونهضة وطنهم.
لكن ما يجب الحذر منه في مثل هذه التحركات الشعبية هو أن تخرج عن المسار الشعبي المخصص لها، في اتجاه تيارات معارضة تسعى إلى استثمارها للزيادة في ريعها السياسي والاقتصادي، أو في اتجاه قوى خارجية تسعى إلى استثمارها لفرض أجندتها الخاصة. وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو الدولة نفسها التي تخسر الكثير من طاقتها، من دون تحقيق أية نتائج ملموسة، سواء عبر الانتقال نحو الديمقراطية والحرية أو عبر تحقيق الأمن والاستقرار.
الإرادة الشعبية بديلا عن أنتلجنسيا الدولة
إذا كانت جميع تجارب التحول نحو الديمقراطية في العالم ترتبط بارتفاع مستويات التعليم وعمليات التحضير وارتفاع مستوى الشريحة الاجتماعية ذات الدخل المتوسط، مما يؤدي إلى ظهور طبقة وسطى ذات اطلاع ولها مصلحة في كيفية إدارة الأمور السياسية وتحس إحساسا عاليا بالمواطنة، فإن العالم العربي قد عرف تصاعدا كبيرا في هذه المؤشرات، وخصوصا في الدول البترولية، لكن بدون أن يحقق ذلك أي تصاعد في مؤشرات الممارسة الديمقراطية. ولعل هذا هو ما حير الباحث الأمريكي جون ووتربيري ويحير -في الحقيقة- جميع الباحثين السياسيين والمفكرين، لأنه وضع شاذ لا يستجيب للنظريات السياسية التي تسعى إلى تفسير أوضاع الانتقال نحو الديمقراطية عبر العالم، حيث ساهمت الطبقة الوسطى المتعلمة (النخبة الثقافية)، بنسبة كبيرة، في تسريع عملية الانتقال هاته، وذلك لما تتميز به من وضع اقتصادي مستقر ووضع اجتماعي فاعل ووعي سياسي عميق، وكلها خصائص من شأنها أن تساعد المجتمع والدولة على التحول نحو الديمقراطية.
لكننا هنا يمكن أن نتساءل: هل تشكلت في العالم العربي نخبة مثقفة (أنتلجنسيا) نتيجة توافر هذه المؤشرات الاقتصادية -بدرجة أولى- أم إن هذه المؤشرات الاقتصادية لم توازها نقلة في العقليات السائدة، وهي عقليات ما زالت تدين، بنسبة كبيرة، إلى المنظومة الثقافية والسياسية القديمة، حيث تحاط أسرار الاستبداد بهالة مرعبة ومقدسة ويلعب الإيمان في ذلك دور المصاحب، بل الحامل للواء السيد؟
هل يمكن الحديث في العالم العربي عن (أنتلجنسيا) قادرة على تفكيك البنيتين الثقافية والسياسية، المسؤولتين معا عن ترسيخ قيم الاستبداد، مثلما فعلت الأنتلجنسيا الروسية إبان القرن التاسع، في مواجهتها للنظام القيصري الروسي؟ أم إن النخبة المثقفة العربية لا تعدو أن تكون حامية عرين الآداب السلطانية التي ارتبطت، في التاريخ الإسلامي، بانقلاب الخلافة إلى ملك، وهي، في جزء كبير منها، نقل واقتباس من التراث السياسي الفارسي، وهدفها الرئيسي تقوية السلطة ودوام الملك؟
إن ما يمكن تسميته ب(الأنتلجنسيا) في العالم العربي لا يعدو، في معظمه، أن يكون نخبة في خدمة البنية الثقافية والسياسية والاجتماعية السائدة، إنها نخبة تحت الطلب، تبيع خدماتها الرمزية للدولة مقابل ريع سياسي أو اقتصادي.. إن وظيفتها لا تتجاوز إعادة إنتاج reproduction إيديولوجية الدولة، بتعبير بيير بورديو.
وإذا كانت المعارضة السياسية العربية، في علاقتها بالأنظمة السياسية، تقوم بوظيفة تعويض الشرعية الشعبية المفقودة، وبالتالي تساهم في تكريس قيم الاستبداد، فإن (الأنتلجنسيا) العربية تقوم بنفس الوظيفة، لكن من منطلقاتها الخاصة، حيث تعمل على استثمار رأسمالها الثقافي لإضفاء الشرعية على الأنظمة الاستبدادية السائدة.
وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ عبد الله العروي أن أدبيات القرن التاسع عشر المخزنية (في المغرب) على غرار كتاب «الفخري في الآداب السلطانية» بمنزلة تنظير لممارسات «التدبير السلطاني». ويلاحظ الأستاذ العروي أن هذه الأدبيات، على الرغم من كل مستجدات القرن التاسع عشر وما حفل به من قضايا وأسئلة، «لا تعمل إلا على اجترار أمثلة واستشهادات من هنا وهناك، بعيدة كل البعد عن طبيعة الأسئلة المطروحة، فكانت بالتالي إعادة إنتاج مملة لما سبق أن قاله وأعاد قوله الأدب السلطاني».
ولعل ما قاله الأستاذ العروي عن نخبة القرن التاسع عشر هو ما يمكن أن نقوله اليوم عن النخبة العربية المعاصرة، والتي لا تعدو أن تكون صناعة في غاية الإتقان للنظام الاجتماعي والثقافي والسياسي السائد، وهو نظام يشكل امتدادا طبيعيا للنظام القديم، لأن الحداثة، التي بإمكانها اختراق هذه البنيات القديمة واستبدالها ببنيات حديثة، ظلت حداثة شكلية مشوهة، لم تستطع بعد النفاذ إلى عمق المجتمع والدولة والفكر.
ولذلك فإن منطق الآداب السلطانية ما زال هو المتحكم في صناعة (الأنتلجنسيا) العربية، وهذا ما يشجع على استمرارية الدولة المملوكية الاستبدادية، كما تعبر عنها الدولة العربية القائمة التي تفتقر إلى فكر ومؤسسات الدولة الحديثة، سواء تعلق الأمر بترسيخ قيم الديمقراطية، من فصل بين السلطات وتداول سلمي على السلطة وحرية الرأي والتعبير... أو تعلق ببناء مؤسسات الدولة الحديثة، برلمانا وحكومة وقضاء وإعلاما حرا، بناء يستجيب للمنطق السياسي الحديث، وليس بناء مؤسسات (جثث) بلا روح ولا حراك، تعلن، ببناياتها الفخمة الشاهقة، عن صورة الدولة الحديثة، بينما تخفي داخلها نموذجا سياسيا مملوكيا، يقوده فقهاء الآداب السلطانية.
يتبع...
إدريس جندا ري - كاتب وباحث أكاديمي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.