دعم عاجل لكسابة الغرب المتضررين من الفيضانات    ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة تنفي إجراء أي إحصاء أو تسجيل لساكنة القصر الكبير المتضررين من الفيضانات المتواجدين بطنجة    السعدي يحضر حفل تقديم "حرف مغربية"    دينامية التقدم والاشتراكية بتطوان تحرج الاتحاد الاشتراكي وتضعه تحت الضغط قبيل الاستحقاقات المقبلة    الأمن يوقف مروّج مخدرات بمكناس    بعد وادي المخازن.. طلقات مائية بسد دار خروفة إثر ارتفاع قياسي في الحقينة    ما مصير النظام الجزائري بعد تسوية نزاع الصحراء؟        رئيس الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال: كأس العالم 2030 رافعة للنمو والتكامل للمغرب واسبانيا والبرتغال    مدرب نيجيريا: الجدل التحكيمي سببه ضعف التواصل حول القوانين قبل كأس إفريقيا    استقرار نسبي في الأحوال الجوية بالمغرب بعد موجة من التقلبات    مصباح شفشاون يتضامن مع ضحايا الفيضانات ويشدد على أهمية التدخل العاجل لإعادة تأهيل البنية التحتية    عداؤون من رياضيي الأمن الوطني يشاركون في بطولة الشرطة العربية للعدو الحر    والآن، ماذا بعد مدريد؟ حى على التنفيذ !    محادثات في مدريد بحضور الأطراف المعنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن على أساس الحكم الذاتي        فيضانات الشمال.. تأجيل سداد القروض لمدة شهرين وإلغاء رسوم السحب لدى "البريد بنك"    صحة الشعب مسؤولية الحكومة    تشققات خطيرة بطريق أونان تعزل دواوير بإقليم شفشاون    وعي الأجيال: كيف كسر العالم الرقمي قيود الجاهلية؟    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    مساء اليوم في برنامج "مدارات " بالإذاعة الوطنية: حوار الفكر والإبداع مع الأديبة لطيفة المسكيني    هيئة النزاهة: تصنيف المغرب في مجال الرشوة ومحاربة الفساد دون مستوى الانتظارات    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية    الجديدة : العمل المشترك بين رئيس المحكمة ووكيل الملك مكن من تحقيق النجاعة القضائية        عمر الشرقاوي يفكك دلالات برقية التهنئة الملكية لمحمد شوكي وسلفه عزيز أخنوش    نتانياهو يلتقي ترامب وصواريخ إيران على رأس جدول الأعمال    طانطان .. ارتفاع الكميات المفرغةالصيد الساحلي والتقليدي خلال 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    لحاق الصحراوية 2026: متسابقات يصنعن ملحمة رياضية بين الكثبان والبحر    توتر داخل الكاف قبل اجتماع دار السلام واحتمال غياب عدد من الأعضاء    النادي الصفاقسي يلوّح بالانسحاب من الدوري التونسي احتجاجًا على قرارات التحكيم    لابورتا يتأهب لخوض انتخابات جديدة على رئاسة برشلونة    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب    تراجع أسعار النفط في ظل تقييم مخاطر الإمدادات        أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    الصين: أكثر من 1,4 مليار رحلة في الأسبوع الأول من موسم السفر بمناسبة عيد الربيع    "مستر بيست" يستثمر في بنك لجذب "الجيل زد"    أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحساب‮ صابون‮
نشر في المساء يوم 17 - 03 - 2011

لعل‮ السؤال‮ الكبير‮ الذي‮ يطرحه‮ جل‮ المغاربة‮ اليوم،‮ بعد‮ التحدي‮ الدستوري‮ الذي‮ طرحه‮ الملك،‮ هو‮: هل‮ برلماننا‮ وأحزابنا‮ السياسية‮ مستعدة‮ لكي‮ تكون‮ في‮ مستوى‮ هذا‮ التحدي؟
بعد‮ أقل‮ من‮ سنة،‮ في‮ حالة‮ تصويت‮ الشعب‮ بالموافقة‮ على‮ الدستور‮ الجديد،‮ سيتحمل‮ الشعب‮ مسؤولية‮ من‮ سينتخبهم‮ لتسيير‮ أموره‮. كيف،‮ إذن،‮ سيفرز‮ الشعب‮ النخبة‮ التي‮ ستسير‮ شؤونه‮ إذا‮ كان‮ سواده‮ الأعظم‮ غير‮ منخرط‮ في‮ الأحزاب‮ السياسية‮ ولا‮ يذهب‮ إلى‮ التصويت‮ في‮ الانتخابات؟
هذا‮ سؤال‮ إشكالي‮ يتطلب‮ جوابا‮ صريحا‮ وعاجلا‮.
نحن‮ نعيش‮ أزمة‮ مصداقية‮ حادة‮ لدى‮ النخب‮ السياسية‮ جعلت‮ العملية‮ الانتخابية‮ برمتها‮ تتحول‮ إلى‮ مسخرة‮. هذا‮ يعني‮ أن‮ أولوية‮ الأولويات‮ اليوم‮ في‮ المغرب‮ هي‮ إعادة‮ المصداقية‮ إلى‮ اللعبة‮ السياسية‮ التي‮ أطلق‮ الهمة‮ وحزبه‮ نحو‮ صدغها‮ رصاصة‮ الرحمة،‮ إلى‮ درجة‮ أنه‮ (‬الهمة‮) لم‮ يتورع‮ خلال‮ الأسبوع‮ الماضي‮ عن‮ إجلاس‮ وزير‮ في‮ الأغلبية‮ الحكومية‮ وسط‮ أعضاء‮ المكتب‮ السياسي‮ لحزبه‮ الذي‮ يوجد‮ في‮ المعارضة‮. «‬وسير‮ فهم‮ نتا‮ شي‮ زفتة‮».‬
ولذلك،‮ فأول‮ خطوة‮ لإعادة‮ المصداقية‮ إلى‮ المشهد‮ السياسي‮ يجب‮ أن‮ تبدأ‮ بإعادة‮ حزب‮ الهمة‮ إلى‮ حجمه‮ الطبيعي‮ وتجريده‮ من‮ القداسة‮ التي‮ أحاطه‮ بها‮ مؤسسه‮ والتي‮ استعملها‮ تابعوه‮ لإرهاب‮ خصومهم‮ واستدراج‮ ذوي‮ السوابق‮ منهم،‮ تحت‮ الإكراه‮ المادي‮ والمعنوي،‮ إلى‮ صفوف‮ الحزب‮.‬
هذا‮ لا‮ يعني‮ أن‮ بقية‮ الأحزاب‮ الأخرى‮ يقودها‮ أشخاص‮ نورانيون‮ ملائكيون‮ لا‮ يأتيهم‮ الباطل‮ من‮ بين‮ أيديهم‮ ولا‮ من‮ خلفهم،‮ لكن‮ مهما‮ طغى‮ هؤلاء‮ الزعماء‮ وتجبروا‮ على‮ قواعدهم‮ الحزبية‮ فإنهم‮ لن‮ يبلغوا‮ المستوى‮ الخطير‮ الذي‮ وصل‮ إليه‮ طغيان‮ الهمة‮ وحوارييه‮.‬
في‮ جميع‮ الدول‮ الديمقراطية،‮ يكون‮ زعماء‮ الأحزاب‮ السياسية‮ مثالا‮ للنزاهة‮ ونظافة‮ اليد‮ وسلامة‮ الذمة،‮ بحيث‮ يقدمون‮ إلى‮ مناضليهم‮ المثال‮ الذي‮ يجب‮ أن‮ يتم‮ الاقتداء‮ به‮.‬
في‮ المغرب،‮ لدينا‮ زعماء‮ أحزاب‮ سياسية‮ سبق‮ لهم‮ أن‮ مروا‮ من‮ دواليب‮ الحكومات‮ التي‮ تعاقبت‮ على‮ المغاربة،‮ وتركوا‮ ما‮ يدل‮ على‮ آثارهم‮ المدمرة‮ في‮ القطاعات‮ التي‮ تحملوا‮ مسؤولية‮ تسييرها‮. ومن‮ يعود‮ إلى‮ تقارير‮ المجلس‮ الأعلى‮ للحسابات‮ سيعثر‮ على‮ «‬منجزاتهم‮» بالأرقام‮ والتواريخ‮ والفواتير‮.‬
لذلك،‮ فالمطلوب‮ هو‮ أن‮ تنجز‮ الأحزاب‮ السياسية‮ ثوراتها‮ الخاصة‮ وتنظف‮ بيتها‮ الداخلي‮ وتفرز‮ نخبة‮ جديدة‮ بدماء‮ جديدة‮ ووجوه‮ جديدة،‮ لأن‮ الوجوه‮ القديمة‮ والمستهلكة‮ تجاوزت‮ مدة‮ صلاحيتها‮ السياسية‮ ولم‮ تعد‮ تقنع‮ أحدا‮ بالمشاركة‮ في‮ الانتخابات‮.‬
الشيء‮ الثاني‮ المهم‮ الذي‮ سيشجع‮ المغاربة‮ على‮ الإقبال‮ على‮ السياسة،‮ هو‮ تفعيل‮ مبدأي‮ المحاسبة‮ القانونية‮ والعقاب‮ ضد‮ كل‮ من‮ يتورط‮ أثناء‮ تسييره‮ للشأن‮ العام‮ في‮ اختلاس‮ أموال‮ دافعي‮ الضرائب‮.
وشخصيا،‮ أعتقد‮ أن‮ أهم‮ وأخطر‮ المرتكزات‮ في‮ الدستور‮ الذي‮ اقترحه‮ الملك‮ في‮ خطابه‮ هو‮ المرتكز‮ السادس‮ المتعلق‮ بتقوية‮ آليات‮ تخليق‮ الحياة‮ العامة‮ وربط‮ ممارسة‮ السلطة‮ والمسؤولية‮ العمومية‮ بالمراقبة‮ والمحاسبة‮.
إن‮ هذا‮ المرتكز‮ يشكل،‮ بالإضافة‮ إلى‮ المرتكز‮ الثالث‮ المتعلق‮ بالارتقاء‮ بالقضاء‮ إلى‮ سلطة‮ مستقلة‮ وتعزيز‮ صلاحيات‮ المجلس‮ الدستوري‮ تعزيزا‮ لسيادة‮ القانون‮ والمساواة‮ أمامه،‮ صلب‮ الثورة‮ الدستورية‮ التي‮ يبشر‮ بها‮ الملك‮.
والواقع‮ أن‮ نجاح‮ كل‮ المرتكزات‮ الأخرى‮ التي‮ جاءت‮ في‮ ديباجة‮ الخطاب‮ الملكي‮ تتوقف‮ أساسا‮ على‮ التطبيق‮ العاجل‮ لهذين‮ المرتكزين‮ المتعلقين‮ بربط‮ ممارسة‮ السلطة‮ والمسؤولية‮ العمومية‮ بالمراقبة‮ والمحاسبة‮ في‮ إطار‮ سيادة‮ القانون‮ والمساواة‮ أمامه‮.‬
عندما‮ سيقف‮ أبناء‮ الأمراء‮ وأبناء‮ الوزراء‮ والوزراء‮ والولاة‮ والعمال‮ والموظفون‮ السامون‮ والجنرالات‮ أمام‮ القضاء‮ مثلما‮ يقف‮ المواطنون‮ البسطاء،‮ آنذاك‮ سيفهم‮ المغاربة‮ أن‮ القانون‮ أصبح‮ يسري‮ على‮ الجميع‮ بنفس‮ القدر،‮ وأن‮ عهد‮ «‬واش‮ ماعترفتيش‮ مع‮ من‮ كاتهضر‮» انقضى‮ وانتهى‮ إلى‮ غير‮ رجعة‮.
آنذاك،‮ سيفهم‮ كل‮ من‮ يريد‮ أن‮ يتقدم‮ إلى‮ الانتخابات‮ لكي‮ يتحمل‮ مسؤولية‮ السلطة‮ والتسيير‮ أن‮ هناك‮ شيئا‮ في‮ الدستور‮ اسمه‮ المراقبة‮ والمحاسبة،‮ وأن‮ السياسة‮ لم‮ تعد‮ سلما‮ للارتقاء‮ الاجتماعي‮ والاغتناء‮ الاقتصادي‮.‬
إنه‮ تمرين‮ شاق‮ وضروري‮ لإعادة‮ السياسة‮ إلى‮ وظيفتها‮ الأصلية،‮ أي‮ إلى‮ ساحة‮ صراع‮ الأفكار‮ والمناهج‮ والبرامج‮ من‮ أجل‮ تشكيل‮ وعي‮ سياسي‮ لدى‮ المواطنين‮ بحقوقهم‮ وواجباتهم‮ خدمة‮ للصالح‮ العام‮.
وعوض‮ أن‮ تظل‮ الأحزاب‮ السياسية‮ بمثابة‮ دكاكين‮ انتخابية‮ يستغلها‮ زعماؤها‮ للمتاجرة‮ في‮ التزكيات،‮ ستتحول‮ إلى‮ مؤسسات‮ لصناعة‮ الرأي‮ العام‮ وخلق‮ توازن‮ في‮ ميزان‮ القوى‮ السياسي‮.‬
وهو‮ التوازن‮ الغائب‮ الآن،‮ والذي‮ بسببه‮ ظهرت‮ نبتة‮ طفيلية‮ ضارة‮ اسمها‮ الأصالة‮ والمعاصرة‮ واجتاحت‮ الحقل‮ السياسي‮ والتهمت‮ الأعشاب‮ البرية‮ التي‮ كان‮ من‮ الممكن‮ أن‮ تشكل‮ ربيع‮ الديمقراطية‮.‬
إن‮ ما‮ نفر‮ وكره‮ العمل‮ السياسي‮ والحزبي‮ إلى‮ المغاربة‮ وجعلهم‮ يهربون‮ من‮ صناديق‮ الاقتراع‮ كما‮ يهرب‮ المرء‮ من‮ الجرب،‮ هو‮ رؤيتهم‮ للعديد‮ من‮ المستشارين‮ والعمداء‮ وممثلي‮ الشعب‮ في‮ البرلمان‮ يقترفون‮ الجرائم‮ والمخالفات‮ تحت‮ غطاء‮ الحصانة‮ التي‮ توفرها‮ لهم‮ المؤسسات‮ المنتخبة‮ التي‮ يحتمون‮ بها،‮ أمام‮ أنظار‮ العدالة‮ ومؤسسات‮ المراقبة‮ والتفتيش‮.‬
إن‮ أكبر‮ تمييع‮ للحياة‮ العمومية‮ والسياسية‮ هو‮ تجميد‮ تقارير‮ قضاة‮ المجلس‮ الأعلى‮ للحسابات‮ وتقارير‮ المفتشية‮ العامة‮ للمالية‮ والداخلية،‮ ومنح‮ المدراء‮ والرؤساء‮ والمسؤولين‮ المتورطين‮ في‮ تبديد‮ المال‮ العام‮ حماية‮ قانونية‮ تشجعهم‮ على‮ الاستمرار‮ في‮ سرقاتهم‮.‬
إن‮ مجرد‮ تحريك‮ المتابعة‮ القانونية‮ في‮ حق‮ هؤلاء‮ المسؤولين‮ سيعيد‮ إلى‮ القضاء‮ هيبته‮ على‮ الفور،‮ وسيجعل‮ كل‮ من‮ يتقلد‮ مسؤولية‮ عمومية‮ يستحضر‮ شبح‮ المراقبة‮ والمتابعة‮. بمعنى‮ آخر،‮ سيفهم‮ الجميع‮ أن‮ عهد‮ «‬السيبة‮» داخل‮ المؤسسات‮ العمومية‮ والمنتخبة‮ انتهى،‮ و‮«‬اللي‮ فرط‮ يكرط‮».
ما‮ ظل‮ يحدث،‮ للأسف،‮ طيلة‮ السنوات‮ الأخيرة‮ من‮ «‬تمياك‮» على‮ اللصوص‮ والمبذرين‮ الذين‮ نملأ‮ بفضائحهم‮ أوراق‮ هذه‮ الجريدة،‮ يجب‮ أن‮ ينتهي‮ الآن‮. فبعد‮ الخطاب‮ الملكي‮ الثوري،‮ لم‮ يعد‮ للقضاء‮ أي‮ عذر‮ للتستر‮ على‮ ملفات‮ كل‮ هؤلاء‮ المسؤولين‮ الذين‮ وردت‮ أسماؤهم‮ في‮ تقارير‮ هيئات‮ المراقبة‮ والتفتيش‮.‬
سيقول‮ قائل‮ إننا‮ نطالب‮ بالشروع‮ في‮ حملة‮ لمطاردة‮ الساحرات،‮ وسنجيب‮ بالإيجاب‮. نعم،‮ الشعب‮ يريد‮ حملة‮ تطهير‮ تطيح‮ برؤوس‮ الفساد‮ في‮ المؤسسات‮ العمومية‮ والمنتخبة‮. وإذا‮ كانت‮ تحقيقاتنا‮ ومقالاتنا‮ المعززة‮ بالوثائق‮ والأرقام‮ غير‮ كافية‮ لكي‮ تحرك‮ النيابة‮ العامة‮ المتابعة‮ في‮ حق‮ من‮ نتهمهم‮ بالفساد‮ المالي‮ والإداري،‮ فأمامها‮ تقارير‮ مفصلة‮ أنجزها‮ قضاة‮ محلفون‮ ومتخصصون‮ في‮ الشؤون‮ المالية‮.‬
ولنفترض‮ أن‮ ما‮ ننشره‮ في‮ هذا‮ الركن‮ من‮ تحقيقات‮ حول‮ الفساد‮ والمفسدين‮ تتحكم‮ فيه‮ حسابات‮ خفية‮ تجعل‮ النيابة‮ العامة‮ تحجم‮ عن‮ «‬توريط‮» نفسها‮ في‮ هذه‮ الحروب‮ الخفية،‮ فما‮ الذي‮ يجعلها‮ تحجم‮ عن‮ فتح‮ ملفات‮ المسؤولين‮ التي‮ أنجزها‮ القضاة‮. هل‮ تتحكم‮ في‮ تقارير‮ هؤلاء‮ القضاة‮ المحلفين‮ هم‮ أيضا‮ حسابات‮ خفية‮ تجهل‮ النيابة‮ العامة‮ مراميها‮ وتفضل‮ البقاء‮ بعيدا‮ عن‮ شظاياها؟
إن‮ هيبة‮ الدولة‮ ومصداقية‮ مؤسساتها‮ الدستورية،‮ بما‮ في‮ ذلك‮ المؤسسة‮ الملكية،‮ متوقفة‮ على‮ تفعيل‮ مبدأي‮ المراقبة‮ والمحاسبة‮ القانونية‮ لكل‮ من‮ يمارس‮ السلطة‮ والمسؤولية‮ العمومية‮.
في‮ غياب‮ تفعيل‮ صارم‮ وفوري‮ لهذين‮ المبدأين،‮ سيتم‮ تعويم‮ جميع‮ المرتكزات‮ الأخرى‮ للدستور‮ وتمييعها،‮ تماما‮ كما‮ تم‮ تمييع‮ أغلب‮ المؤسسات‮ الدستورية‮ التي‮ تم‮ إنشاؤها‮ خلال‮ العشر‮ سنوات‮ الأخيرة،‮ والتي‮ ظلت‮ مجرد‮ غرف‮ استماع‮ وتسجيل‮ بدون‮ صلاحيات‮ تنفيذية‮.‬
عندما‮ نرى‮ كيف‮ انتظرت‮ العدالة‮ الفرنسية‮ انتهاء‮ فترة‮ حكم‮ الرئيس‮ السابق‮ جاك‮ شيراك‮ لكي‮ تجبره‮ على‮ الوقوف‮ أمامها‮ للإجابة‮ عن‮ تهم‮ تعود‮ إلى‮ عشرين‮ سنة‮ خلت،‮ نفهم‮ المعنى‮ الحقيقي‮ لمبدأ‮ قوة‮ القانون‮.‬
هناك‮ تهمة‮ وهناك‮ متهم‮ وهناك‮ مسطرة‮ قانونية‮ يجب‮ أن‮ تحترم،‮ بغض‮ النظر‮ عن‮ اسم‮ المتهم‮ ووضعه‮ الاعتباري‮ وشعبيته‮ الكاسحة‮. هذه‮ هي‮ الديمقراطية‮ الحقيقية‮ التي‮ تجعل‮ المواطن‮ البسيط‮ مقتنعا‮ بأن‮ هناك‮ حائطا‮ أخيرا‮ يستطيع‮ الاحتماء‮ به‮ عندما‮ تنهار‮ أمامه‮ جميع‮ الحيطان،‮ هو‮ القضاء‮.‬
لذلك‮ لدي‮ إيمان‮ راسخ‮ بأن‮ الحل‮ الوحيد‮ لإعادة‮ الاعتبار‮ إلى‮ السياسة‮ والعمل‮ الحزبي‮ والعملية‮ الانتخابية‮ هو‮ إعادة‮ الاعتبار‮ إلى‮ مبدأي‮ المراقبة‮ والمحاسبة‮.‬
إلى‮ حدود‮ اليوم،‮ فالمبدأ‮ الوحيد‮ الذي‮ تم‮ تفعيله‮ في‮ المغرب‮ هو‮ مبدأ‮ المراقبة،‮ أي‮ «‬شوف‮ وسكت‮».
الصحافة،‮ «‬ديال‮ بصح‮» طبعا،‮ تراقب‮ يوميا‮. مؤسسات‮ المراقبة‮ الدستورية‮ تنجز‮ تقاريرها‮ سنويا‮. مفتشيات‮ الداخلية‮ والمالية‮ تنجز‮ تقاريرها‮ دوريا‮.
المشكلة‮ أن‮ القضاء،‮ الذي‮ يجب‮ أن‮ يتسلم‮ هذه‮ الملفات‮ ويقوم‮ بدوره‮ في‮ المحاسبة،‮ غائب‮ عن‮ الوعي‮. والسبب‮ هو‮ وجود‮ شرذمة‮ من‮ قدماء‮ محاربي‮ الإصلاح‮ داخل‮ قلعة‮ وزارة‮ العدل‮ والمحيط‮ الملكي‮ يعيقون‮ كل‮ خطوة‮ لتفعيل‮ مبدأ‮ المحاسبة،‮ لأن‮ تفعيل‮ هذا‮ المبدأ‮ سيسقط‮ رؤوس‮ بعض‮ أصدقائهم‮ الذين‮ كانوا‮ وراء‮ اقتراحهم‮ على‮ الملك‮ لشغل‮ مناصبهم‮.
أفراد‮ هذه‮ العصابة،‮ في‮ النهاية،‮ يخافون،‮ إذا‮ اندلعت‮ نيران‮ المتابعات،‮ من‮ أن‮ تصل‮ إلى‮ تلابيبهم،‮ ولذلك‮ يفضلون‮ إخمادها‮ في‮ المهد،‮ حتى‮ ولو‮ أتت‮ على‮ ثياب‮ الوطن‮. «‬المهم‮ تفوتهم‮ وتجي‮ فين‮ ما‮ بغات‮».‬
بعد‮ الخطاب‮ الملكي‮ الأخير،‮ لم‮ تعد‮ ممكنة‮ التضحية‮ بمصالح‮ شرذمة‮ من‮ الانتهازيين‮ والمنافقين‮ والمتملقين‮ على‮ حساب‮ مصلحة‮ وطن‮ بأكمله‮.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.