بركة يكشف أرقام التساقطات الاستثنائية ويؤكد أن الفيضانات لم تحجب صوت الخبراء    أنفوغرافيك | المغرب يتصدر مؤشر بيئة الأعمال للمبتكرين سنة 2026    مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالمركز الوطني للبحث العلمي والتقني    بعد باريس وبروكسيل... كوميديا بلانكا يحط الرحال مجددا بالدار البيضاء    بعد تحسن الأحوال الجوية.. كلية الآداب بتطوان تستأنف الدراسة الاثنين المقبل        بركة يكشف حصيلة أضرار الطرق    بوريطة: "انتخاب المغرب بمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي اعتراف قوي بدور جلالة الملك في حفظ السلم والاستقرار بإفريقيا"    رئيس سد وادي المخازن: نسبة الملء تتراجع إلى 161% والمنشأة في وضع آمن    فرنسا تحقق في وفاة رضيع ثالث تناول حليبا مشمولا بإجراءات سحب من الأسواق    تنصيب رئيس أول جديد باستئنافية تازة    المنتخب المغربي يواجهون الإكوادور وباراغواي وديا استعدادا للمنديال2026    "غرينبيس": فيضانات المغرب تعبير صارخ عن ظلم مناخي واجتماعي.. والناس العاديون يدفعون ثمن الكوارث الطبيعية    نشرة إنذارية.. أمطار رعدية ورياح عاصفية تضرب عدداً من أقاليم المملكة    ريال مدريد و"يويفا" يتفقان على تسوية خلافات "السوبر ليغ"    اليوم الأربعاء بأديس أبابا، انتخاب المغرب، من الدور الأول، لولاية مدتها سنتان في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي.    مباراة الارتجال المسرحي في عرض تفاعلي بمسرح رياض السلطان    توقيف شخص وسيدة بطنجة للاشتباه في تزوير وثائق رسمية وشواهد دراسية    بياطرة المغرب يطلقون مبادرات تضامنية        توتنهام يقيل توماس فرانك بسبب تراجع النتائج    استقالة وزيرة الداخلية البرتغالية عقب أزمة العواصف التي ضربت البلاد    مناظرة بمجلس النواب تقارب السياسات الداعمة للتمكين الاقتصادي للنساء    دراسة علمية تكشف طريقة فعالة لتقليل آثار الحرمان من النوم    تحذير من صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف بعد دراسة في 6 دول    أوناحي يقترب من العودة مع جيرونا وقد يكون حاضرا أمام برشلونة    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    "بي دي إس": ميناء طنجة يستقبل سفينة يشتبه بحملها معدات عسكرية لإسرائيل        طنجة.. توقيف شخص وسيدة للاشتباه في تزوير شهادات ودبلومات رسمية    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الأربعاء    أولمبيك مارسيليا يعلن فك الارتباط مع المدرب دي زيربي عقب الخسارة القاسية أمام باريس سان جيرمان    القناة الأولى تكشف عن شبكة برامج متنوعة لرمضان تجمع بين الدراما والكوميديا والوثائقي والترفيه    "مواعيد الفلسفة" بفاس تناقش تضارب المشاعر وإلى أين يسير العالم    انفراج جوي يُعيد الحركة إلى ميناء العرائش    أجواء باردة وقطرات مطرية بعدد من مناطق المملكة اليوم الأربعاء    النصيري يدشن سجله التهديفي بقميص الاتحاد السعودي    دراسة: ضوضاء البشر تؤثر على سلوك الطيور    مانشستر سيتي الإنجليزي يستعيد مدافعه ستونز بعد غياب شهرين للإصابة        حموشي يقوم بزيارة عمل إلى المملكة العربية السعودية    ملك السعودية يدعو إلى صلاة الاستسقاء    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    إطلاق للنار يخلف قتلى داخل مدرسة ومنزل في كندا    رئيس إيران: نشعر بالخزي أمام الشعب    رياضيو الأمن الوطني يتوجون بلقب البطولة العربية للعدو الحر بمدينة الدوحة    السلطات تنفي إجراء أي إحصاء لساكنة القصر الكبير المتواجدين بطنجة    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية        رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المغرب‮ الذي‮ نريد
نشر في المساء يوم 24 - 03 - 2011

أحد‮ أهم‮ الفصول‮ في‮ كتاب‮ عالم‮ السياسة‮ الإيطالي‮ الكبير‮ «‬ميكيافيلي‮»‬،‮ يدور‮ حول‮ حاشية‮ الأمير‮.
ونصيحة‮ «‬ميكيافيلي‮» للأمير،‮ لكي‮ يظل‮ في‮ مأمن‮ من‮ كمائن‮ حاشيته‮ ومكرها‮ وشرورها،‮ هي‮ أن‮ يفعل‮ ما‮ بوسعه‮ لكي‮ يظل‮ أفراد‮ هذه‮ الحاشية‮ متخاصمين،‮ لأن‮ اتحادهم‮ وصفاء‮ الأجواء‮ بينهم‮ قد‮ يجعلهم‮ يتحدون‮ ضده‮ ويتواطؤون‮ على‮ الإطاحة‮ به‮.
لذلك،‮ ففي‮ كل‮ البلاطات‮ التي‮ يسود‮ ملوكها‮ ويحكمون‮ هناك‮ خنادق‮ يحفرها‮ أفراد‮ هذه‮ الحاشية‮ يختبئون‮ داخلها‮ ويشنون‮ انطلاقا‮ منها‮ غاراتهم‮ ضد‮ زملائهم‮ في‮ الحاشية،‮ لإضعافهم‮ أمام‮ الملك‮ وجلب‮ غضبه‮ عليهم‮.
المشكل‮ هو‮ عندما‮ تتحول‮ هذه‮ الحروب‮ إلى‮ رياضة‮ وطنية‮ لدى‮ أفراد‮ الحاشية،‮ وتصبح‮ مؤسسات‮ الدولة‮ ووزاراتها‮ وقودا‮ لهذه‮ الحرب‮. هذا‮ بالضبط‮ ما‮ يحدث‮ في‮ المغرب‮.‬
منذ‮ تولي‮ الملك‮ محمد‮ السادس‮ مقاليد‮ الحكم،‮ أحاط‮ نفسه‮ بزملائه‮ في‮ الدراسة‮. وبحكم‮ وظيفة‮ كل‮ واحد‮ منهم‮ داخل‮ المربع‮ الذهبي،‮ كان‮ بعضهم‮ أقرب‮ إلى‮ الملك‮ من‮ البعض‮ الآخر‮.
لكن‮ أحدهم،‮ وبحكم‮ قربه‮ من‮ الملك،‮ استطاع‮ أن‮ يستغل‮ هذا‮ القرب‮ لإعادة‮ صناعة‮ صدر‮ أعظم‮ جديد‮ للمملكة،‮ يتجاوز‮ نفوذه‮ وسلطته‮ وجبروته‮ وتسلطه‮ حدود‮ ما‮ كانت‮ عليه‮ سلطات‮ ونفوذ‮ وتسلط‮ إدريس‮ البصري،‮ وزير‮ الداخلية‮ القوي‮ في‮ عهد‮ الحسن‮ الثاني‮.
ومثلما‮ استعمل‮ فؤاد‮ عالي‮ الهمة‮ قربه‮ من‮ الملك‮ لإشاعة‮ جو‮ من‮ الرعب‮ في‮ عالم‮ السياسة‮ والمال‮ والأعمال،‮ استطاع‮ أيضا‮ أن‮ يشيع‮ الرعب‮ داخل‮ رجالات‮ البلاط‮. وحربه‮ المفتوحة‮ مع‮ الكاتب‮ الخاص‮ للملك،‮ محمد‮ منير‮ الماجدي،‮ وحرب‮ هذا‮ الأخير‮ معه،‮ والتي‮ وصلت‮ أصداؤها‮ إلى‮ صفحات‮ الجرائد‮ والمجلات‮ في‮ أكثر‮ من‮ مناسبة،‮ تعتبر‮ التجسيد‮ الحي‮ للحرب‮ الشرسة‮ داخل‮ المحيط‮ الملكي‮ بين‮ رجال‮ الحاشية‮ الأقوياء‮.
فعندما‮ تجرأ‮ الباكوري،‮ الرئيس‮ العام‮ السابق‮ لصندوق‮ الإيداع‮ والتدبير،‮ وحضر‮ إلى‮ مقر‮ حزب‮ الهمة‮ عشية‮ اكتساح‮ الحزب‮ للانتخابات،‮ رأى‮ الماجدي‮ في‮ هذا‮ التقارب‮ بين‮ الباكروي‮ والهمة‮ تفسيرا‮ منطقيا‮ لما‮ كان‮ يروج‮ من‮ كون‮ الهمة‮ يريد‮ تحويل‮ صندوق‮ الإيداع‮ والتدبير‮ إلى‮ جراب‮ يمول‮ منه‮ مشروعه‮ السياسي‮. فتوصل‮ الباكوري‮ برسالة‮ نصية‮ قصيرة‮ عبر‮ هاتفه‮ النقال‮ تخبره‮ بإقالته‮ من‮ منصبه‮.
وبعد‮ استيعابه‮ جيدا‮ الدرس،‮ تمت‮ المناداة‮ عليه‮ لترؤس‮ وكالة‮ الطاقة‮ الشمسية‮ التي‮ ستعبد‮ الطريق‮ أمام‮ شركة‮ «‬ناريفا‮» التابعة‮ لمجموعة‮ «‬أونا‮» للحصول‮ على‮ مشاريع‮ الطاقة‮ الشمسية‮ والريحية‮.
هكذا،‮ أصبحت‮ مؤسسات‮ المغرب‮ الاقتصادية‮ والمالية‮ والسياسية‮ والإعلامية‮ مقسمة‮ بين‮ نفوذ‮ الرجلين‮ القويين،‮ وكل‮ من‮ يغامر‮ بالاقتراب‮ من‮ المياه‮ الإقليمية‮ للآخر‮ يرى‮ كيف‮ يتعرض‮ «‬رجاله‮» للتنحية‮ السريعة،‮ إلى‮ درجة‮ أن‮ البلاد‮ أصبحت‮ مقسمة‮ إلى‮ قسمين،‮ تتعارك‮ داخلهما‮ المصالح‮ والامتيازات‮ وتتحول‮ فيهما‮ المؤسسات‮ العمومية‮ إلى‮ رقعة‮ شطرنج‮ والمدراء‮ إلى‮ لاعبين‮ يتم‮ تحريكهم‮ وإسقاطهم‮ حسب‮ ما‮ تقتضيه‮ أمزجة‮ اللاعبين‮ الكبار‮.
وإذا‮ كان‮ الماجدي،‮ بحكم‮ مسؤوليته‮ عن‮ ثروة‮ الملك‮ وشؤونه‮ الخاصة،‮ استطاع‮ أن‮ يمد‮ أذرعه‮ باتجاه‮ قطاع‮ المال‮ والأعمال،‮ فإن‮ الهمة‮ استطاع‮ أن‮ يمد‮ أذرعه‮ باتجاه‮ المال‮ والأعمال‮ والسياسة‮ والقضاء‮.‬
هكذا،‮ وطيلة‮ العشر‮ سنوات‮ الأخيرة،‮ لم‮ يعد‮ نفوذ‮ الرجلين‮ مقتصرا‮ على‮ إدارة‮ شؤون‮ الملك‮ المالية‮ والسياسية،‮ وإنما‮ أصبحت‮ للرجلين‮ مصالح‮ خاصة‮ خارج‮ أسوار‮ البلاط‮ يدافعان‮ عنها‮ ويبحثان‮ لتنميتها‮ وتطويرها‮.
وهذا‮ ليس‮ جديدا،‮ فعندما‮ نتابع‮ قضية‮ ورثة‮ رضى‮ كديرة،‮ مستشار‮ الحسن‮ الثاني،‮ التي‮ تروج‮ اليوم‮ أمام‮ القضاء‮ ضد‮ شريكه‮ اليهودي‮ مارسيانو،‮ نكتشف‮ أن‮ ورثة‮ كديرة‮ يطالبون‮ بأراض‮ وعقارات‮ وأموال‮ كانت‮ باسم‮ والدهم‮ ويتهمون‮ مارسيانو‮ بالسطو‮ عليها‮.
السؤال‮ هو‮: من‮ أين‮ جاء‮ كديرة‮ بكل‮ هذه‮ العقارات‮ والأراضي‮ والأموال،‮ إذا‮ كان‮ منصبه‮ كمستشار‮ لا‮ يمنحه‮ أكثر‮ من‮ راتبه‮ الشهري‮ الذي‮ لن‮ يتجاوز‮ عشرة‮ ملايين‮ سنتيم‮ في‮ أحسن‮ الأحوال؟‮
الجواب‮ بسيط‮ للغاية،‮ فالمستشارون‮ والمكلفون‮ بمهمة‮ داخل‮ الديوان‮ الملكي‮ يستفيد‮ أغلبهم‮ من‮ هذه‮ الوظيفة‮ لكي‮ يحصلوا‮ على‮ امتيازات‮ لشركاتهم‮ وشركات‮ عائلاتهم‮. وأكبر‮ مثال‮ على‮ هؤلاء‮ فاضل‮ بنيعيش،‮ المكلف‮ بمهمة،‮ والذي‮ استطاع‮ أن‮ يحصل،‮ هو‮ وأخته‮ السفيرة‮ في‮ البرتغال،‮ على‮ حق‮ استغلال‮ اسم‮ شركة‮ مطاعم‮ «‬لونوطر‮»‬،‮ وعلى‮ صفقات‮ مع‮ مؤسسات‮ عمومية‮ لتزويدها‮ بالمأكولات‮ وحلويات‮ ومشروبات‮ الحفلات‮.
هذا‮ دون‮ أن‮ نتحدث‮ عن‮ ابن‮ المستشار‮ الراحل‮ مزيان‮ بلفقيه‮ الذي‮ ظل‮ يستعمل‮ اسم‮ والده‮ لاحتكار‮ صفقات‮ شركة‮ الطرق‮ السيارة‮ التي‮ يسيرها‮ عثمان‮ الفاسي‮ الفهري،‮ الذي‮ يدين‮ ببقائه‮ طيلة‮ كل‮ هذه‮ السنوات‮ في‮ منصبه‮ لتوصيات‮ بلفقيه،‮ أو‮ عن‮ ابنته‮ الموثقة‮ التي‮ منحها‮ حصار،‮ عندما‮ كان‮ مشرفا‮ على‮ مشروع‮ سلا‮ الجديدة،‮ صفقة‮ تحفيظ‮ جميع‮ شقق‮ المدينة،‮ أو‮ حتى‮ عن‮ «‬ورثته‮» في‮ المجلس‮ الأعلى‮ للتعليم‮ كالسيد‮ عبد‮ اللطيف‮ المودني،‮ السكرتير‮ العام‮ للمجلس،‮ الذي‮ يعتبر‮ نفسه‮ وريث‮ بلفقيه‮ كمكلف‮ بمهمة‮ في‮ الديوان‮ الملكي،‮ والذي‮ يستغل‮ وضعية‮ المجلس‮ الحالية‮ للاستفادة‮ من‮ أربع‮ سيارات‮ ومساعدين،‮ يوجدون‮ تحت‮ إشارته‮ على‮ مدار‮ اليوم‮ والليلة،‮ ومعاملة‮ موظفي‮ المجلس‮ بطريقة‮ دكتاتورية‮ حتى‮ إنه‮ تجرأ‮ على‮ إغلاق‮ الأبواب‮ الثلاثة‮ للمجلس‮ والإبقاء‮ على‮ باب‮ واحد‮ فقط،‮ ضدا‮ على‮ قوانين‮ السلامة‮.
عندما‮ يجمع‮ المستشارون‮ والمكلفون‮ بمهمة‮ والمسؤولون‮ عن‮ الكتابة‮ الخاصة‮ للملك‮ وأصدقاؤه‮ المقربون‮ بين‮ وجودهم‮ في‮ خدمة‮ الملك‮ وبين‮ إشرافهم‮ على‮ مشاريعهم‮ الاقتصادية‮ الخاصة،‮ فإن‮ هذا‮ الخلط‮ لا‮ يسلم‮ من‮ استغلال‮ النفوذ‮.
ولذلك،‮ فالوضع‮ الذي‮ يعيشه‮ المغرب‮ اليوم‮ والذي‮ يفرض‮ علينا‮ جميعا‮ أن‮ نقول‮ الحقيقة‮ للملك،‮ يدفعنا‮ إلى‮ القول‮ إن‮ الجمع‮ بين‮ الوجود‮ داخل‮ المحيط‮ الملكي‮ وبين‮ الوجود‮ داخل‮ محيط‮ المال‮ والأعمال‮ ليس‮ في‮ صالح‮ الملك،‮ لأن‮ تجاوزات‮ هؤلاء‮ المحيطين‮ بالملك‮ تنعكس‮ مباشرة‮ على‮ هذا‮ الأخير،‮ ولأنه‮ من‮ الصعب‮ أن‮ يلجم‮ الإنسان‮ شططه‮ وهو‮ يرى‮ أن‮ الجميع‮ يخاف‮ منه‮ بحكم‮ قربه‮ من‮ الملك،‮ فإن‮ احتمالات‮ الوقوع‮ في‮ التجاوز‮ تبقى‮ كبيرة،‮ وبالتالي‮ فالأنسب‮ لكل‮ من‮ يختار‮ الاشتغال‮ إلى‮ جانب‮ الملك‮ أن‮ يغادر‮ عالم‮ المال‮ والأعمال‮ ويتفرغ‮ لخدمة‮ الملك،‮ لا‮ أن‮ يستغل‮ خدمته‮ للملك‮ من‮ أجل‮ خدمة‮ مصالحه‮ الخاصة‮ وتنمية‮ شركاته‮ ورؤوس‮ أمواله‮.
عندما‮ نشرنا‮ الوثائق‮ التي‮ تثبت‮ أن‮ شركة‮ فؤاد‮ عالي‮ الهمة‮ استفادت،‮ بطريقة‮ غير‮ قانونية،‮ من‮ صفقة‮ منحها‮ إياها‮ علي‮ الفاسي‮ الفهري‮ من‮ أجل‮ تمرير‮ مشروع‮ إدماج‮ مكتبي‮ الماء‮ والكهرباء‮ في‮ مكتب‮ واحد،‮ وقلنا‮ إن‮ هذه‮ الشركة‮ تستفيد‮ من‮ مليار‮ ومائتي‮ مليون‮ سنويا‮ لمصاحبة‮ مفاوضات‮ المغرب‮ والبوليساريو،‮ بدون‮ المرور‮ عبر‮ طلبات‮ عروض‮ كما‮ تنص‮ على‮ ذلك‮ مذكرة‮ الوزير‮ الأول،‮ فإننا‮ كنا‮ نقدم‮ الدليل‮ الواضح‮ على‮ استغلال‮ القرب‮ من‮ الملك‮ وصداقته‮ من‮ أجل‮ تحقيق‮ مكاسب‮ مادية‮ شخصية‮.
عوض‮ أن‮ يجيب‮ الهمة‮ الرأي‮ العام‮ ودافعي‮ الضرائب‮ عن‮ هذه‮ الاتهامات‮ الخطيرة،‮ فضل‮ أن‮ يجند‮ «‬مخابراته‮» بحثا‮ عن‮ طريقة‮ يرد‮ بها‮ الصاع‮ صاعين‮ لمن‮ يعتبرهم‮ محركي‮ الحرب‮ الإعلامية‮ ضده‮.
وبالنسبة‮ إلى‮ الهمة‮ الذي‮ تعود‮ أن‮ يغازله‮ الجميع‮ ويفرشوا‮ له‮ الورود‮ أينما‮ حل‮ خوفا‮ أو‮ تزلفا،‮ فإن‮ من‮ يتجرأ‮ على‮ انتقاده‮ لا‮ بد‮ وأن‮ يكون‮ مدفوعا‮ من‮ طرف‮ خصومه‮ داخل‮ البلاط‮ الملكي‮.
وهو‮ رد‮ الفعل‮ نفسه‮ الذي‮ أبداه‮ مؤرخ‮ المملكة‮ السابق،‮ حسن‮ أوريد،‮ الذي‮ ربط‮ مباشرة‮ ما‮ كتبناه‮ حول‮ تجاوزاته‮ عندما‮ كان‮ واليا‮ على‮ مكناس‮ بمؤامرة‮ نسج‮ خيوطها‮ الهمة‮ وأجهزة‮ مخابراته‮ لمعاقبته‮ على‮ بصقه‮ في‮ طنجرة‮ المخزن‮ التي‮ أكل‮ منها‮.
صحيح‮ أن‮ الهمة‮ كان‮ وراء‮ طرد‮ أوريد‮ من‮ المربع‮ الذهبي،‮ لكن‮ الهمة‮ ليس‮ هو‮ من‮ علم‮ أوريد‮ كيف‮ يتحول،‮ في‮ ظرف‮ خمس‮ سنوات،‮ من‮ موظف‮ بسيط‮ إلى‮ ملياردير‮ هو‮ وأخوه‮ الذي‮ افتتح‮ قبل‮ يومين،‮ وأمام‮ خمارته،‮ فندقا‮ فخما‮ في‮ عمارة‮ كانت‮ تابعة‮ لمقر‮ «‬الديستي‮» في‮ شارع‮ النصر‮ بالرباط‮.‬
وإذا‮ كان‮ المحيط‮ الملكي‮ قد‮ تخلص‮ من‮ أوريد‮ الذي‮ أبلى،‮ باسم‮ القصر،‮ البلاء‮ الحسن‮ في‮ ممتلكات‮ الدولة‮ وأراضيها،‮ فإن‮ المطلوب‮ اليوم‮ هو‮ تخليص‮ هذا‮ المحيط‮ من‮ مصاصي‮ دماء‮ آخرين‮ يختفون‮ وراء‮ الملك‮ لكي‮ ينهبوا‮ أراضي‮ الناس‮ ويجردوهم‮ من‮ ممتلكاتهم‮ باستعمال‮ القضاة‮ الفاسدين‮ الذين‮ ترتعد‮ فرائصهم‮ بمجرد‮ سماعهم‮ صوت‮ أحذية‮ رجال‮ القصر‮ وهم‮ يقتربون‮ من‮ مكاتبهم‮.
إن‮ السؤال‮ اليوم‮ ليس‮ هو‮ من‮ يحرك‮ الحملة‮ ضد‮ الهمة‮ أو‮ الماجدي‮ أو‮ غيرهما‮ في‮ الشوارع‮ خلال‮ المسيرات‮ الاحتجاجية،‮ وإنما‮ السؤال‮ هو‮ متى‮ سيغادران‮ عالم‮ المال‮ والأعمال‮ والسياسة‮ ويتفرغان‮ لخدمة‮ الملك؟‮
إن‮ مغادرة‮ أقرب‮ المقربين‮ إلى‮ الملك‮ للساحة‮ السياسية‮ والمالية‮ سيفتح‮ باب‮ المغادرة‮ أمام‮ العشرات‮ من‮ المحيطين‮ بالملك‮ والذين‮ ظلوا‮ يستغلون‮ هذا‮ القرب‮ لترويع‮ أوساط‮ المال‮ والأعمال‮ والحصول‮ على‮ صفقات‮ بشروط‮ تفضيلية‮ وبدون‮ أدنى‮ منافسة‮..
هؤلاء‮ المحظوظون‮ الذين‮ ما‮ إن‮ يشهروا‮ بطاقات‮ زياراتهم‮ التي‮ يظهر‮ عليها‮ التاج‮ حتى‮ تنفتح‮ أمامهم‮ الأبواب‮ ويهجرهم‮ مفتشو‮ الضرائب‮ إلى‮ الأبد‮.
إن‮ كثيرا‮ من‮ ملفات‮ الفساد‮ الإداري‮ والمالي‮ تذهب‮ مباشرة‮ إلى‮ الحفظ‮ بسبب‮ وجود‮ أسماء‮ بعض‮ هؤلاء‮ السادة‮ ضمن‮ لائحة‮ المتورطين‮.
بعد‮ الخطاب‮ الملكي‮ الأخير‮ الذي‮ تحدث‮ عن‮ المراقبة‮ والمحاسبة،‮ يجب‮ أن‮ يفهم‮ القضاء‮ أن‮ حصانة‮ هؤلاء‮ الناس‮ قد‮ سقطت،‮ وأن‮ من‮ يخرق‮ القانون‮ يجب‮ أن‮ ينتهي‮ أمام‮ المحكمة،‮ «‬يكون‮ شكون‮ ما‮ بغا‮ يكون‮».
هذا‮ هو‮ المغرب‮ الذي‮ نريد‮.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.