وزير دفاع إسرائيل يعلن مقتل لاريجاني    مقتل شخص بسقوط شظايا في أبوظبي    نيمار خارج حسابات البرازيل في وديتي فرنسا وكرواتيا    أحكام ابتدائية بالسمارة تقضي بسنة سجناً نافذاً في حق كاتب فرع فدرالية اليسار وشهرين لثمانية آخرين على خلفية وقفة احتجاجية    تسجيل هزة أرضية خفيفة قرب المضيق        كيوسك الثلاثاء | إطلاق برنامج إدماج لدعم 30 ألف من الشباب غير الحاصلين على شهادات    توقعات أحوال الطقس اليوم الثلاثاء بالمغرب    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    هجمات إيرانية جديدة على الإمارات والعراق وإسرائيل تقصف طهران وبيروت    استهداف لاريجاني في غارات إسرائيلية        لكريني: الدول العربية مطالبة باستثمار الإمكانيات في التكتل أمام التحديات    نزار بركة يقود لقاء تواصليا بشفشاون لتعزيز التعبئة الحزبية استعدادا للاستحقاقات البرلمانية المقبلة    التنسيق النقابي بالحسيمة يقرر التصعيد احتجاجاً على اختلالات التدبير وتدهور العرض الصحي    تعليق جميع الرحلات الجوية بمطار برلين يوم الأربعاء بسبب إضراب    إرسموكن: جمعية بورجيلات للتنمية والتعاون تحتفي بليلة القدر المباركة بفقرات دينية متنوعة    نيران صديقة بأغلبية جماعة تطوان تخلق ترشيحات وهمية لإسقاط "تحالف البكوري"        أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر        أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر المباركة    مجلس المنافسة يدعو إلى تسريع ولوج الأدوية للسوق وتقليص آجال الترخيص إلى سنة واحدة    توقيف 5 أشخاص ضواحي وادي زم للاشتباه في تورطهم في ترويج الكوكايين ومحاولة قتل شرطي        تداولات إغلاق البورصة بلون الأخضر    ترامب: من غير الواضح ما إذا كان المرشد الإيراني الجديد "ميتا أم لا"    رخصة "مقهى" تتحول إلى مخبزة تعجّ بالصراصير بطنجة... مخالفات خطيرة تجر أصحاب محلات إلى القضاء    المنتخبون واحتقار المسرح    تقديم "حدائق درب مولاي الشريف"    إعلام عبري: سقوط شظايا صاروخية قرب الكنيست ومكتب نتنياهو بالقدس    شظايا ‬الحرب ‬الأمريكية ‬الإسرائيلية ‬على ‬إيران ‬تصل ‬المغرب ‬بزيادات ‬في ‬أسعار ‬المحروقات    فيلم "معركة تلو الأخرى" لبول توماس أندرسون يتصدر جوائز الأوسكار لعام 2026    حصري: الثقافة المغربية تحل ضيف شرف على معرض الكتاب في المكسيك    غلاء المحروقات يعيد طرح التساؤلات حول المخزون الاحتياطي ومعايير تغيير السعر    دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.. ريال مدريد يستعيد خدمات بيلينغهام وكاريراس إضافة لمبابي    المغرب التطواني يحافظ على صدارة القسم الثاني ووداد تمارة يواصل المطاردة    894 ألف منصب شغل مباشر في قطاع السياحة سنة 2025 (وزارة)    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    "لا كورونيا" تنسحب من استضافة كأس العالم 2030    تقدم حزب "فرنسا الأبية" اليساري في الانتخابات البلدية بفرنسا يبعث إشارات سياسية مبكرة نحو رئاسيات 2027    خوان لابورتا يكتسح الانتخابات ويواصل قيادة برشلونة حتى 2031    إيران: أي نهاية للحرب الأمريكية الإسرائيلية يجب أن تكون نهائية    تعادل إيجابي يحسم مواجهة الوداد وأولمبيك آسفي في ذهاب ربع نهائي "الكاف"    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التنسيق
نشر في المساء يوم 15 - 09 - 2012

أكتب اليوم حزينا؛ فقد كتبت في المقال السابق أقول إن العمليات في سيناء غامضة، فإن كانت غطاء لنشر دفاعات جوية في سيناء فهي خير، وإن كانت قتلا لأهل سيناء بالتنسيق مع إسرائيل فهي شر كبير. وقد خرج المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية هذا الأسبوع ليوضح لنا ما غمض علينا، ويقود مركب ظننا إلى شر المرافئ، إذ أعلن أن العملية «نسر»، التي قام بها الجيش المصري في سيناء وقال الرئيس إنه يقودها، قد تمت بالتنسيق مع إسرائيل وإنها ليست خرقا لاتفاقية السلام.
طيب، السؤال، أيجوز لمن ينادي بسقوط النظم الديكتاتورية في المؤتمرات ويعلن سقوط شرعيتها أن يعترف بالنظام الصهيوني، ثم لا يقدح في شرعية وجوده في أي خطاب له، ثم ينسق معه أمنيا في قتل مواطنيه بلا محاكمة، ثم يعلن عن ذلك ثم لا يعارضه أحد؟
إن لي مع هذا الموقف الرسمي عدة أسباب للحزن:
أولا، إن قتل اثنين وثلاثين نفسا بدون محاكمة جريمة إلا أنْ يثبت لنا كل ضابط أو جندي شارك في قتلهم أنه فعل ذلك دفاعا عن نفسه وأن لم تكن هناك وسيلة أخرى لدفاعه عنها إلا قتلهم. كذلك، فإن وصف القتلى بكونهم مجرمين أو حتى متشددين بدون إيراد ما يثبت، أو حتى يرجح، أنهم كذلك، ليس إلا سبابا لمقتولين لا يملكون لدرء التهم عن أنفسهم إلا ما تلبسه أمهاتهم من سواد عليهم. ولضعاف الذاكرة، فإن إسرائيل هي المتخصصة في هذا النوع من القتل، وكان يسمى في المحافل الدولية القتل خارج نطاق القضاء، وكانت إسرائيل وحدها هي من تحدد إن كان قتيلها مجرما، تتهمه وتحكم عليه بالإعدام وتنفذ الحكم قبل أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه، ومن ضحايا هذه العمليات الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأبو علي مصطفى، وحسب ما ظهر من أدلة مؤخرا، ياسر عرفات. أما الأمريكان فقد قاموا بعمليات اغتيال كثيرة في العراق واليمن وأفغانستان وباكستان من هذا النوع، بلا تحقيق ولا دليل، وبعضها اقتضى إمطار حفلات الأعراس بالقنابل. إن سياسة اقتل ثم اتهم هذه أوجع ما تكون عندما تأتى من حكومة أنتجتها ثورة شعبية ورئيس منتخب، ومن إسلاميين كانوا هم ضحاياها طوال العقدين الماضيين.
ثانيا، إن قتل اثنين وثلاثين نفسا بالتنسيق مع إسرائيل، كارثة، لا بل إن أكل الحلوى بالتنسيق مع إسرائيل كارثة، وهو كارثة أكبر بعد ثورة شعبية، هتف الملايين يوم جمعة نصرها للقدس. أيحب حكام البلاد أن يسجل التاريخ أن الإخوان المسلمين، قبل أن تمر مائة يوم على حكمهم مصر، نسقوا أمنيا مع إسرائيل في عملية عسكرية بسيناء ضد جماعات إسلامية؟
ثالثا، إن التنسيق مع إسرائيل، وإن كان الطامة الكبرى في سياسة مصر الخارجية بعد الثورة، فإنه ليس الطامة الوحيدة؛ فقد كان في خطاب مصر الخارجي ما يفاقم الوجع، إذ كيف يكون موقف مصر الثورة أمام العرب والمسلمين ودول عدم الانحياز أنها تقبل بما تقبل به القيادة الفلسطينية، ثم يحدد الخطاب المصري الرسمي هذه القيادة بأنها تلك التي تسعى إلى اعتراف العالم بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، أي هي قيادة رام الله، قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الحالية، أي محمود عباس؟ أن تقول مصر إنها تقبل بما يقبل به محمود عباس مصيبة، ويحكم أتدرون بأي شيء يمكن أن يقبل به محمود عباس؟ إنه أقبلُ الناس بضم اللام، (ما قال «لا» قطُّ إلا في تشهّده)، مع الاعتذار إلى الفرزدق وممدوحه. وحتى لو كان الموقف المصري هو القبول بما تقبل به قيادة غزة لن يخلو موقفها من مغالطة، فالقاهرة إذ تتحكم في معبر رفح، وفي الأنفاق، وإذ إن للإخوان المسلمين فيها دلالة على الإخوان المسلمين في غزة، تملك من عناصر القوة ما تشكل به سياسة غزة. ولا أستبعد أن هذه الهدنة الطويلة بين غزة والاحتلال أتت بإيعاز من القاهرة. فأن تُضعف القيادة الفلسطينية بالحصار وقلة السلاح وتنصحها بالهدنة، ثم تعلن أنك تقبل بما تقبل به هذه القيادة إنما هو اختيار منك أنت للضعف وإن كان مموها، والأصح أن تدفع مصر القوية القادة الفلسطينيين إلى التشدد لا أن تضعفهم ثم تقبل منهم أن يقودوها إلى الضعف. باختصار، كان الخطاب المصري في المحفلين الدوليين الأكبرين مهادنا لإسرائيل، قابلا بحل الدولتين ومعترفا ضمنا بعملية السلام.
رابعا، حتى إذا غضضنا النظر عن أخلاقية هذه المواقف في السياسة الخارجية المصرية، وركزنا بدلا من ذلك على عمليتها، فسنرى أنها غير عملية إطلاقا، وأنها ضارة بكل ما أعلنت مصر أنها تود تحقيقه من أهداف. مثلا، لقد كان موقف مصر من الأزمة السورية مركز الثقل في خطابي طهران والقاهرة، وبدا أن وقف الحرب الأهلية السورية وإقامة نظام ديمقراطي فيها هو هدف من أهداف السياسة الخارجية المصرية. وقد كنت كتبت من قبل أن الشرط الوحيد لتكون لمصر قدرة على تغيير الأوضاع في سوريا هو أن تخرج من حلفها مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن تدفع في اتجاه التغيير متبنية خطابا يسوى بين الطوائف والمذاهب ويطمئن الأقليات، ما يفتح بابا مغلقا أمام حلفاء دمشق ويقنعهم بأن التغيير فيها ليس تهديدا لوجودهم وهو خير لهم من القتال، فيقبلون به. وبديهي أن التنسيق الأمني مع إسرائيل ودعم قيادة رام الله وعملية السلام لا يساعد مطلقا في حل مصر للأزمة السورية. إن هذا الخطاب السياسي يعنى تماهيا وتطابقا بين الموقفين المصري والسعودي، بل إن السعودية ليس بينها وبين إسرائيل اتفاقية سلام، والرياض مع ذلك عاجزة عن حل الأزمة السورية، بل هي طرف فيها. وقد كانت ميزة القاهرة أنها ليست الرياض ولا طهران، أما إذا أصبحت القاهرة الرياض فنحن حيث نحن، والفرج بعيد.
خامسا، لكي يصدق الناس غضبنا لعشرين ألفا من الشهداء السوريين نخاصم من قتلهم، علينا ألا ننسى الإسرائيلي الذي قتل مائتي ألف من الفلسطينيين والعرب في حروب طوال، ولا الأمريكي الذي قتل مليونين من العرب في العراق، في حصار دام اثنتي عشرة سنة واحتلال وحرب أهلية دامتا بعدها ثمان سنين، وإلا قال الناس إننا نغضب للدماء حين يكون الغضب لها مأذونا به من واشنطن، كالغضب لأفغانستان حين غزاها الروس، والسكوت عنها حين غزاها الأمريكان، وقبلها الغضب للبوسنة والشيشان، والسكوت عن فلسطين ولبنان، والغضب للعراقيين في حرب بدأها صدام حسين ضد إيران، ثم السكوت عنهم بل المشاركة في قتلهم حين غزاهم الأمريكان.
إنني أعرف أن الجغرافيا تملي على حاكم مصر، أيّا كان، عداوة إسرائيل إلا من كان منهم كمبارك والسادات، فما بالك إن كان حكامها من جماعة قدمت شهداء ومعتقلين من حرب ثمانية وأربعين حتى حرب ألفين وثمانية. ويحسن بالجماعة أن تتذكر أن شعبية الإسلام السياسي في هذا الجيل إنما أتت من حركات المقاومة في الثلاثين عاما السابقة، فدماء حماس وحزب الله والمقاومة العراقية أكثر إقناعا للناس بالإسلام السياسي من بلاغة الكتاتني وغزلان. لذلك فإن أملي كبير في أن تتغير هذه السياسة قريبا أو أن يتفضل علينا من يرى فيها خيرا فيشرحها، ويرد على حججنا هاهنا. لأنها إن لم تتغير وبقيت كما هي طلبا للمال، فهي سياسة مبارك والسادات قد رأينا إلى أين أوصلت هذه السياسة مصر، بل إلى أين أوصلت مبارك والسادات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.