الأمن الوطني يستقبل وفدا من الFBI للاطلاع على ترتيبات كان    محامون يستنجدون بمجلس حقوق الإنسان ووسيط المملكة لوقف انزلاق تشريعي يهدد المهنة    إسبانيا: التنسيق مع المغرب يعزز أمن الحدود ويُخفض العبور غير النظامي    افتتاح إيجابي لبورصة الدار البيضاء        رئيس الصين عن اعتقال مادورو: الممارسات الأحادية تقوض النظام الدولي    تصاعد رفض الأزواج الصينيين الإنجاب وسط أزمة ديموغرافية حادة    ارتفاع صادرات البرمجيات الصينية وسط طلب عالمي متزايد    مانشستر يونايتد يقيل مدربه روبن أموريم بعد 14 شهرا من تعيينه    أمن كأس إفريقيا يستقطب اهتمام الFBI        سوء الأحوال الجوية تدفع مؤسسات تعليمية إلى تعليق الدراسة بتزنيت    منخفض جوي قوي يضرب المملكة    الجزء الثالث من "أفاتار" يتجاوز عتبة المليار دولار في شباك التذاكر    دراسة علمية تبرز قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة    بريطانيا تحظر إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً لمكافحة سمنة الأطفال        كأس إفريقيا للأمم 2025 (ثمن النهائي): الكونغو الديمقراطية/الجزائر... مواجهة بين مدرستين كرويتين مختلفتين، لكن الطموح واحد    المكتب الوطني للمطارات يفتتح مركز القيادة العملياتية (APOC) بمطار محمد الخامس        الجديدة: أمطار الخير تعري واقع البنية التحتية للمؤسسات التعليمية بالإقليم        أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الاثنين    مادورو يمثل اليوم الاثنين أمام المحكمة في نيويورك    تجديد 80 بالمائة من أسطول سيارات الأجرة    دياز يعادل رقم الأسطورة المغربية فرس في كأس أمم إفريقيا    "خيط رفيع" قد يفك لغز عملية سطو كبيرة على بنك في ألمانيا    ارتفاع أسعار الذهب ب 1.5 بالمئة مع زيادة الطلب على الملاذات الآمنة    مصايد الأخطبوط بجنوب المغرب: انتعاشة شتوية تعزز آمال المهنيين وتدعم استدامة الثروة السمكية    إيران تطالب بالإفراج الفوري عن مادورو    التجارة الخارجية.. انخفاض قيمة الواردات 5.8% وارتفاع طفيف للصادرات في الفصل الثالث 2025    ثلوج وأمطار في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    إقالة سامي الطرابلسي من تدريب تونس بعد الخروج من كأس أمم أفريقيا    من كاراكاس إلى طهران وغرينلاند: ترامب يعيد رسم خرائط النفوذ ويُسرّع تفكك النظام الدولي القديم    ظهور حفرة كبيرة بالشارع العام بالجديدة تفضح مسؤولية الشركة الجهوية متعددة الخدمات    هاريس: اعتقال مادورو غير قانوني ويتعلق بالنفط لا بالمخدرات أو الديمقراطية    ما الذي قررته محكمة مانهاتن الفيدرالية في قضية مادورو؟    على مشارف انطلاق التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين .. جودة التكوين بين الواقع الميداني والتدبير المركزي    التشكيلي المغربي عبد القادر كمال يشارك في ملتقى الفنانين بالفجيرة    تشييع جثمانه بخنيفرة في موكب حزين : الحسين برحو... قيدوم الإعلام السمعي الأمازيغي والفعل المدني والمجال السياحي يترجل عن صهوة الحياة    خلفيات صراع نقابات الصحة مع الوزارة حول المجموعات الصحية الترابية            يساريون مغاربة: اختطاف مادورو سابقة خطيرة تضرب سيادة الدول    حين تستبدل جامعة لقجع الصحافة بالمؤثرين ويصبح الترويج بديلا عن الإعلام    حين يدار الأمن بهدوء .. لماذا يشكل العمل الاستخباراتي قوة المغرب الخفية؟    ناس الغيوان: من الوجدان الشعبي إلى السؤال النقدي    تارودانت .. انطلاق فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان الدولي لفنون الشارع        الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    دراسة: أدوية خفض الكوليسترول تقلّل خطر الإصابة بسرطان القولون        ارتفاع "الكوليسترول الضار" يحمل مخاطر عديدة    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحركة الوطنية بالشمال حركة إصلاحية
نشر في المساء يوم 15 - 12 - 2008

كانت الحركة الوطنية بالشمال إصلاحية لا تطالب بغير إدخال إصلاحات في نظام المنطقة السياسي، ولم تناد باستقلال المنطقة عن إسبانيا. ولم يكن زعماؤها ينفون عن أنفسهم توجههم هذا. كانت الحركة الوطنية تؤمن بأن التعايش مع إسبانيا يُمكنُها من تحييد إسبانيا ليتأتى لها متابعة التنديد بالسياسة الفرنسية المطبقة في منطقة النفوذ الفرنسية.
وكانت الحركة الوطنية ترى أن الإطاحة بنظام الحماية الفرنسية هو الذي سيكفل تحرير المنطقة الخليفية من نفوذ الإسبان نتيجة أن الفرع لا بد ولا محالة أن يتبع الأصل.
وقد اطمأنت الحكومة الإسبانية إلى الشق الأول من هذا الاتجاه خصوصا في عهد الجنرال فرانكو، وأثناء الحرب العالمية، وإلى هزيمة المحور، حيث كان الكاوديو الفاشي حفيظة مذهبية ضد الحلفاء، وحيث كانت حكومته تعتقد أن إضعاف شوكة النفوذ الفرنسي في منطقة الحماية الفرنسية يقوِّي من نفوذ إسبانيا على أجزاء المغرب الخاضعة لها.
ولم تكن إسبانيا -وهي تبارك اتجاه وطنيي الشمال، وتغازل وطنيي الجنوب أحيانا- تعتقد أن قلعة الاستعمار إذا ما تحطمت في منطقة النفوذ الفرنسي فلا بد أن تسقط معها قلعتها هي أيضا، ولم تصطدم بالحقيقة إلا عندما وجدت نفسها أمام تيار التحرير الجارف فلم يسعها آنذاك إلا قبول عواقبه وتحمُّل آثاره مُكرهة.
وعلى عكس ما جرى بالمنطقة الجنوبية -التي اقتطعتها فرنسا من المغرب وبسطت عليها حمايتها فقاطعها الشعب ورفضت نخبته التفاهم معها- دشنت المنطقة الشمالية التي خضعت للنفوذ الإسباني بمقتضى المعاهدة الفرنسية الإسبانية (27 نونبر 1912) عهدا من التقارب بين نخبتها وبين الحكام الإسبانيين تميز بالشروع في إدخال الإصلاحات وتحقيق منجزات اقتصادية واجتماعية.
ومنذ البداية طبع حُسن التفاهم علاقات خليفة السلطان والمقيم العام الإسباني، وأبدت إسبانيا إرادة سياسية واضحة في دعم نفوذ الخليفة والتعاون معه مقابل الحفاظ على مصالحها وذلك بتطبيق سياسة تهدف إلى أن تعطي لنفوذها على المنطقة صبغة الشرعية كدولة حامية بجميع ما يعطيه ذلك من اختصاصات للدولة الممارسة للحماية.
وقد سارعت نخبة الشمال الوطنية إلى الاستفادة من جو الانفراج الذي ساد المنطقة بالعمل على الظفر بمكاسب إصلاحية لم تتحقق نظائرها في منطقة الجنوب التي كان يسودها جو قطيعة تامة بين رجال الحماية الفرنسية وبين النخبة الوطنية التي لم تكن مطمئنة إلى نوايا المسؤولين الفرنسيين. وكانت تنتظر الخلاص على يد المقاومة المسلحة التي ظلت جيوبها مؤججة النيران إلى سنة 1944.
وبينما كانت إسبانيا مهتمة أكثر ما يكون الاهتمام بأن يطبع نفوذها على المنطقة نوعٌ من رعاية أبوية، فإن النخبة الشمالية بضربها هي أيضا على وتر التآخي مع الدولة الإسبانية الفخيمة (كما كانوا يسمونها) فإن سياسة فرنسا في المنطقة التي خضعت لحمايتها تجلت منذ البداية على أنها سياسة عداء وكراهية للمغرب، ساعيةً لتمزيق كيانه وهادفة إلى أن تقيم فيه حكما مباشرا يتعارض مع اتفاقية الحماية نصا وروحا.
إن هذه التوْعية التي ميزت الاستعمار الإسباني في الشمال المغربي عن الاستعمار الفرنسي في الجنوب هي التي جعلت الوطنيين –ولما تمض إلا سنوات معدودات على بسط النفوذ الإسباني على منطقتهم- لا يستنكفون من قبول تعاون شريف مع السلطات الإسبانية مقابل الحصول على مكاسب إصلاحية سياسية.
ولنقرأ الأحداث
في أواخر سنة 1916 أسس الحاج عبد السلام بنونة -وهو رائد وطني كبير- مؤسسة إصلاحية باسم المجمع العلمي المغربي، ورضي أن يكون بين أعضائها 5 سياسيين اختيروا من بين 7 أسماء اقترحهم المقيم العام الإسباني.
وتدرج هذا القائد الوطني على درب التعاون مع السلطات الإسبانية ولكن في إطار المؤسسات المغربية المشمولة بنفوذ خليفة السلطان المؤتمن على الشرعية في الشمال والذي أصبح سنة بعد أخرى يبتعد عن نفوذ الرباط ويتخذ قراراته بكامل الاستقلال تحت رقابة الحماية الإسبانية وحدها.
وقد أصبح هذا النوع من التعايش الإيجابي مُميزا للحركة الوطنية الشمالية ومُشخَّصا في تنظير فلسفي أو مذهبي وقع التنصيص عليه بصراحة في أول وثيقة وطنية سياسية مؤرخة بفاتح مايو 1931 قدمتها الحركة الوطنية إلى أول حكومة إسبانية في بداية العهد الجمهوري الذي جاء بعد سقوط النظام الملكي بإسبانيا يوم 14 أبريل 1931، أعني وثيقة ميثاق المطالب الوطنية الذي أمضت عليها 800 شخصية مغربية تمثيلية وقدمتها الحركة الوطنية الشمالية يوم 8 يونيو 1931 إلى رئيس الجمهورية الأول آلكلا زمورة.
وجاء في هذه الوثيقة التنصيص «على ضرورة مشاركة الحامي والمحمي المُتحديْن حول مصلحة واحدة مشتركة تجعل من الطرفين عائلة واحدة، الشيء الذي سجله التاريخ في جميع عهوده».
ومن منطلق هذا التنظير شاركت قيادات وشخصيات وطنية في حكومة خليفة السلطان كان من بينها المرحوم محمد داود، والمرحوم التهامي الوازاني، والمرحوم عبد الله كنون، وحتى الزعيم المرحوم عبد الخالق الطريس الذي عين سنة 1934 مدير الأحباس ثم وزيرًا للأوقاف سنة 1936 وأخيرا وزير الشؤون الاجتماعية سنة 1954.
ولم يكن هذا التعاون في نظر أصحابه مُخلا بالالتزام الوطني ولا مُتعارضا معه، بينما كان مُستبعَدا في منطقة الحماية الفرنسية من أي وطني أن يقبل تقلد أي منصب سياسي خاضع للرقابة الفرنسية.
بل إن الزُّمرة الأولى المعدودة على رؤوس الأصابع التي غَشِيَت في منطقة الجنوب قبل الثلاثينات الإدارة المغربية، أي قبل ظهور التيار الوطني ابتعدت من الإدارة الفرنسية، مُعتبرة أن عملها بها ولو كان غير ذي صبغة سياسية يتنافى مع الالتزام الوطني.
ونذكر مثالا لذلك تواجد المرحوم عبد اللطيف الصبيحي فاضح سر الظهير البربري، ومحمد اليزيدي بالجنوب يعملان في الإدارة المغربية، كما أن أغلبية خريجي جامعة القرويين والمعاهد الفرنسية العليا انصرفت عن العمل الإداري في ظل حكومة الحماية.
وبينما كان لا يُنظر إلى وزراء الخليفة في الشمال نظرة اتهام وازدراء أو تعاون غير مقبول مع المحتل، كان لا يقبل في الجنوب من أي وطني أن يتعاون مع سلطة الحماية في الجنوب.
إن وزراء المخزن كانوا غير مقبولين في الجنوب بينما كان وزراء الخليفة موضوع ثقة. وكان السلطان في الرباط يتعامل مع بعض وزرائه بالحذر والتحفظ ممن كانوا يضعون رِجْلا في القصر الملكي ورِجْلا أخرى بالإقامة العامة، لكن كان السلطان يتعاون مع بقية وزرائه.
ولم يكن يُتصور في ذهن أي وطني بالجنوب أن يقبل وساما فرنسيا وبالأحرى وساما كاثوليكيا، فأحد الشعراء قال آنذاك:
ما عُلقت في صدور القوم أوسمة
إلا جزاء على فتك بأوطان (أو خون لأوطان)
كما أن مغاربة الجنوب رفضوا التعاون مع الحماية الفرنسية في مجالس مختلطة فرنسية ومغربية مشتركة، وقاطعوا المجالس البلدية التي كانت الحماية الفرنسية تختار أعضاءها بالتعيين وتعينهم بانتخاب موجه دائما ومُزوَّر أحيانا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.