لقد أصبح اللجوء إلى حل النزاع بالطرق البديلة، وخاصة الوساطة، قويا اليوم، وأكثر من أي زمن آخر في تاريخ النزاع البشري. ويعود السبب، إلى حد كبير، إلى عجز النظام القضائي المدني في العالم عن معالجة القضايا المتزايدة المعروضة على أنظاره ، انطلاقا من نقص الموارد البشرية المادية واللوجستية. وفي نفس السياق، تجدر الإشارة إلى أن الوساطة قد تم امتهانها اليوم من طرف خبراء من خارج حقل المحاماة. وقد جاء ظهور هذه الكفاءات الجديدة نتيجة لترسانة قانونية تشجع دائما على استعمال الطرق البديلة في حل النزاعات عوض اللجوء إلى المحاكم. وفي هذا الباب، قال لون فولر من جامعة هارفارد: "إن نوعية الوساطة تكمن في قدرتها على إعادة توجيه الأطراف تجاه بعضهم البعض، ليس من خلال فرض أحكام عليهم، ولكن بمساعدتهم على إنجاز تصور جديد وتشاركي لعلاقتهم، تصور يعيد توجيه مواقفهم تجاه بعضهم البعض"، (فولر، 1971، "الوساطة: أشكالها ووظائفها"، مراجعة قانون كليفورنيا الجنوبية). ومن هذا المنطلق، فإن الصفة الرئيسية للوساطة، طبقا لفولر، ليست هي "اقتراح أحكام على الأطراف وضمان موافقتها عليها، بل خلق ثقة وفهم متبادلين يمكنان الأطراف أنفسها من تفهم أحكامها الخاصة". كما أنه، منذ 25 سنة تقريبا، ابتدع فرانك ساندر، من مدرسة الحقوق في جامعة هارفارد، هذه العبارة: "حل النزاع البديل" في مؤتمر بالولايات المتحدة الأمريكية، متزعما منظرين وممارسين في مختلف أجزاء العالم، يتساءلون عن المبادئ الأساسية التي بنيت عليها هذه العبارة. ومن جهته، أكد هوارد جادلن، من المعهد الصحي الوطني، على أن الوسطاء في حل النزاعات محتاجون إلى تعزيز الثقة في أنفسهم وفي عملية حل النزاع، كما أن أطراف النزاع أنفسها تحتاج إلى تقوية الثقة في ذواتها قبل التمكن من الوصول إلى عتبة الوساطة. في المرحلة الراهنة، يوجد في بريطانيا مليون ونصف المليون مسلم يمثلون التنوع والتعددية في العالم الإسلامي بأسره. وبالنسبة إلى الأكثرية منهم، فقد أتموا 50 سنة من العيش في هذا البلد، وهم يتطلعون، في إطار مساعيهم إلى إيجاد "مكان للإسلام" في هذا البلد، إلى مظاهر مختلفة لحياتهم رفقة أبنائهم الذين نشؤوا في هذا المحيط. ومن هذا المنطلق، اعتمد المسلمون في بريطانيا على الوساطة كبديل عن التدابير القضائية لتسوية نزاعاتهم الخاصة، وذلك من داخل مجلس الشريعة للمملكة المتحدة؛ ذلك أن بريطانيا تسوي نزاعات المسلمين بطرق قضائية وأخرى خارج القضاء، والأخيرة تُعتمد بشكل أوسع. ويمكن تفسير هذا الأمر بأن مليونا ونصف المليون مسلم فيها أتوا من أصول قانونية تعددية. ويذهب التفكير القضائي إلى أن الاعتراف بالتعددية يحتاج -شئنا أو أبينا- إلى سند من مبادئ التعددية القانونية. تعرف "الوسائل البديلة" أو "الطرق المناسبة" لحل المنازعات، ولاسيما الوساطة المؤدية إلى الصلح، اهتماما متزايدا، إن على مستوى الدراسات الفقهية والأعمال البحثية أو على صعيد إقرارها بمختلف الأنظمة القانونية والقضائية العصرية، وذلك بالنظر إلى ما توفره هذه الوسائل من مزايا يتمثل أبرزها في المرونة والسرعة في البت، والحفاظ على السرية، وإشراك الأطراف في إيجاد الحلول لمنازعاتهم، هذا فضلا عن كلفتها المتواضعة نسبيا. لقد تكثف اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات بالمغرب، وخاصة في عصر العولمة المفرطة، المقرونة بتلبية متطلبات الأعمال؛ لذلك وتماشيا مع الحاجيات المستجدة والمعقدة للمقاولات والشركات، وتشجيعا لجلب الاستثمار وتحريك الادخار، ومواكبة لتيارات التبادل التجاري، يتم إبرام العديد من المعاهدات الدولية ذات البعد الثنائي والجهوي والعالمي المنظمة لإجراءات استعمال الآليات البديلة في حل النزاعات. وفي نفس السياق، حث الملك محمد السادس في مناسبات متعددة على ترقية الوسائل البديلة لفض المنازعات من خلال إدراجها ضمن أوراش إصلاح المنظومة التشريعية والقضائية، إذ دعا الملك في يناير 2003 بأكادير الحكومة إلى "تنويع مساطر التسوية التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين التجار، وذلك من خلال الإعداد السريع لمشروع قانون التحكيم التجاري، الوطني والدولي، ليستجيب نظامنا القضائي لمتطلبات العولمة". ودعما للوساطة المؤسساتية، فقد تأسس عدد من مراكز التحكيم والوساطة أو التوفيق بالحواضر الكبرى للمملكة (الدار البيضاء، الرباط،...)، ومنها مركز وجدة للوساطة والتحكيم الذي تم إحداثه سنة 2008، بالإضافة إلى المركز الأورو-متوسطي للوساطة والتحكيم بالدار البيضاء، ومركز التحكيم بين الغرف التجارية لأكادير ولاس بالماس وتنيريفي... ورغبة منه، كذلك، في تقوية الأساس القانوني لآلية الوساطة كبديل لحل النزاعات بالمغرب، قام المشرع بإصدار القانون رقم 05-08 الذي نشر في الجريدة الرسمية رقم 5584 بتاريخ 16 دجنبر 2007 والذي سن من خلاله إجراءات جديدة تنظم الوساطة الاتفاقية. على إثر التحولات السياسية التي كانت قد طرحت على المغرب في تفاعلاته مع مكونات مجتمعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أنشئت هيئة الإنصاف والمصالحة في مرحلة دقيقة ومهمة من سيرورة التطور الذي عرفه المغرب منذ بداية التسعينيات. وتعتبر هيئة الإنصاف والمصالحة، انطلاقا من كونها آلية للعدالة الانتقالية، بمثابة ثمرة من ثمرات هذا التطور التدريجي، الصعب والمركب، في حل المشاكل والملفات المرتبطة بحقوق الإنسان، ومحصلة للتفاعلات والنقاشات على مستوى الطبقة السياسية والقوى الفاعلة في المجتمع المدني، في أفق البحث عن أحسن السبل لتسوية نزاعات الماضي وحلها بشكل عادل ومنصف. هذا، وتندرج تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة ضمن ما أصبح متعارفا عليه اليوم بلجان الحقيقة والمصالحة عبر العالم، والتي يتم إحداثها في سياق ما يسمى ب"العدالة الانتقالية"، وهي مفهوم يحيل على قضايا معروفة في "علوم الانتقال السياسي"، وغيرها من الدراسات التي تهتم بالموضوع. هذا الأخير يشير في معناه القريب إلى سياق تسوية المشاكل والآثار المترتبة عن ممارسات الماضي، في محاولة لتطبيق أشكال من العدالة تكون ملائمة لمرحلة الانتقال الديمقراطي السليم. وبالنظر إلى الفضاء الجغرافي والتاريخي والحضاري للمغرب، فإن تجربته في مجال الحقيقة والإنصاف والمصالحة تعتبر غير مسبوقة، إذ يرى الملاحظون من خارج هذا الفضاء أن أولى الخصائص التي تميز التجربة المغربية تتمثل في أنه، ولأول مرة ضمن حوالي 40 تجربة عبر العالم، يتم في بلد سائر في طريق النمو التأسيس لإقامة نظام يهدف إلى التصالح مع الماضي في أفق بناء مستقبل ديمقراطي وحداثي يحتكم فيه إلى العهود والمواثيق الدولية الخاصة بتنظيم حقوق وواجبات الأفراد والجماعات من خلال المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. وفي هذا الصدد، تم تسجيل انبعاث إرادة الانخراط في هذا المسار من داخل النظام نفسه الذي قرر، بجرأة وحكمة، إحداث قطائع إيجابية في اتجاه التحديث والديمقراطية ووضع حد لاستعمال العنف في تدبير الخلافات السياسية وتعويضه بالطرق البديلة المتمثلة في الوساطة من خلال تأسيس هيئة كهيئة الإنصاف والمصالحة. هذا، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة قد ذهب في تقريره المقدم إلى مجلس الأمن حول "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع" (غشت 2004) إلى تصنيف التجربة المغربية ضمن التجارب الخمس الأولى من بين ما يزيد على 30 تجربة. لقد عملت هيئة الإنصاف والمصالحة على استلهام مجموعة من الأفكار الرئيسية من التوجيهات الملكية السامية والتراكمات الحقوقية الوطنية، مما مكنها من وضع نظام أساسي ومناهج وطرق عمل في مستوى طموحات البلاد في القطع مع التجاوزات السلبية، والتعاطي الإيجابي مع طي ملف ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب. ومن هذا المنطلق، يمكننا القول إنها قد ساهمت في تأصيل التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية، من خلال منطلقات وأهداف استراتيجية وخطة عمل لتحقيقها، مركزة في ذلك على الكشف عن الحقيقة وإقرارها بصفة عمومية، إذ تمتد من بداية الاستقلال إلى صيف 1999. وقد تطلبت هذه المهمة الوقوف عند سياقات الأحداث والتطور القانوني والمؤسساتي لقضايا حقوق الإنسان خلال تلك الفترة، كما اعتمدت فلسفة خاصة ومقاربة شمولية في مجال جبر الأضرار وإنصاف الضحايا، من خلال سياسة وبرامج تميزت بأكثر من قيمة مضافة في هذا المسار؛ كما أنه ورغبة منها في تعزيز الإصلاحات الجارية وتأمين الوقاية اللازمة لعدم تكرار ما جرى، بلورت الهيئة توصيات ومقترحات في مجالات الديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات واحترام حقوق الإنسان وسيادة القاعدة القانونية، وبالتالي يمكننا القول إن هذه المؤسسة ذات البعد التصالحي بامتياز، قد عملت منذ تأسيسها على تثبيت الأسس الكفيلة بتحقيق نمط الوساطة كبديل لحل النزاع بشكل سلمي بين الدولة والمواطن. العباس الوردي