توقيف الناشطة التونسية شيماء عيسى خلال احتجاج ضد قمع الحريات    بطولة إسبانيا لكرة القدم.. برشلونة يتغلب على ألافيس ويعتلي الصدارة مؤقتا    وصول رئيس غينيا بيساو للكونغو    كراكاس تندد بتهديدات الرئيس الأمريكي    مانشستر سيتي يفوز على ضيفه ليدز يونايتد (3-2)    الأمن الإقليمي بالجديدة يحتفي بالمتفوّقين ويعانق الأرامل والمتقاعدين في لحظات إنسانية مؤثرة    العقارب تسافر: من تونس إلى قصور الأندلس    السعدي يهاجم "البيجيدي": المغرب تجاوز عقداً من العدمية والصراعات العقيمة    افتتاح مهرجان ازمأرت 2025    الفنان مولاي عبد الله اليعقوبي... شاعر اللون يفتتح مهرجان خريبكة الدولي الوثائقي مع توقيع إصدارات    عموتة يرشح المغرب لنيل كأس العرب    قادة حزب "الأحرار" يستشرفون المستقبل التنموي والاستثماري لجهة الرباط    حجز دراجتين مائيتين يشتبه في استعمالهما للتهريب بشاطئ الغابة الدبلوماسية بطنجة        وزير الفلاحة الإسباني: الاعتراض على وسم المنتجات الفلاحية القادمة من الصحراء "حملة سياسية"    بنك المغرب: ارتفاع القروض البنكية الموجهة للقطاع غير المالي ب 3,6 في المائة في أكتوبر    حريق ضخم يلتهم عشرات المحلات في سوق المدينة العتيقة بتازة        أمطار وثلوج مرتقبة بمناطق مغربية    كلميم-وادنون : إحداث 609 مقاولة مع متم شتنبر الماضي    امغار يدق ناقوس الخطر تأخر تفعيل المحميات البحرية بالحسيمة والساحل المتوسطي        حكام المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يناقشون جرأة البداية وتطور التكنولوجيا        بعد مقتل جندية.. أمريكا تعلق القرارات المتعلقة باللجوء    تحذير من أمطار قوية وثلوج مرتقبة بعدد من مناطق المملكة    انقلاب شاحنة واحتراقها على الطريق الوطنية رقم 2 بين الحسيمة وشفشاون    انتعاش مرتقب في حركة النقل الجوي بمطار طنجة خلال كأس أمم إفريقيا    مجموعة "البيجيدي" النيابية: العقوبات الواردة في مشاريع قوانين الانتخابات تهدد حرية التعبير    الصين: قنصلية متنقلة لفائدة المغاربة المقيمين بشنغهاي    أخنوش: جهة الرباط سلا القنيطرة نموذجية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية    رضا التكناوتي يستغرب إنذاره أمام الأهلي ويؤكد: جمهور الجيش الملكي سندي منذ اليوم الأول    انخفاض سعر صرف الدرهم مقابل الدولار    زواج رئيس الوزراء يخطف الأنظار في أستراليا    للا مريم تترأس بالرباط حفل تدشين البازار التضامني الخيري للنادي الدبلوماسي    المغرب يحتفي باليوم الوطني للأرشيف    تعاون إعلامي بين العيون ووارزازات يفتح آفاقاً جديدة أمام شباب المنطقة    مراكش : انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك    الصين.. 604 ملايير دولار قيمة التجارة الخارجية من البضائع والخدمات في أكتوبر    مبادرة فتح قنصلية موريتانية في العيون تضع نواكشوط أمام اختبار جديد    سانتوس: "لعبنا ضد فريق كبير وقدمنا مستوى جيد رغم التعادل"    لابورتا: ريال مدريد مذعور من برشلونة والحكام يفضلونهم دائما    أخنوش: بلادنا حققت تراكما نوعيا جعلها مثالا في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب    هونغ كونغ في حداد بعد أسوأ حريق في التاريخ الحديث للمدينة    نقابة ENCG طنجة تفتح النار على الإدارة بملف مطلبي ثقيل وتطالب بحوار عاجل لإصلاح اختلالات المؤسسة    المودن: السياسة مستقلة عن المعرفة الأكاديمية.. والترجمة إلى العربية "رائدة"    تحديد فترة التسجيل الإلكتروني لموسم حج 1448ه    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوفير علاج العقم بتكلفة معقولة ضمن أنظمة الصحة الوطنية    منظمة الصحة العالمية تنشر للمرة الأولى توجيهات لمكافحة العقم    مخرج فيلم "كوميديا إلهية " علي أصغري يقدّم مقاربة مبسطة للواقع في مهرجان الدوحة السينمائي    "العلم" تتوج بجائزة الحسن الثاني للبيئة في دورتها الخامسة عشرة    المغرب .. 400 وفاة و990 إصابة جديدة بالسيدا سنويا    الأوقاف تكشف عن آجال التسجيل الإلكتروني لموسم الحج 1448ه    موسم حج 1448ه.. تحديد فترة التسجيل الإلكتروني من 8 إلى 19 دجنبر 2025    موسم حج 1448ه... تحديد فترة التسجيل الإلكتروني من 8 إلى 19 دجنبر 2025    بعد ‬تفشيها ‬في ‬إثيوبيا.. ‬حمى ‬ماربورغ ‬تثير ‬مخاوف ‬المغاربة..‬    علماء يكتشفون طريقة وقائية لإبطاء فقدان البصر المرتبط بالعمر    إصدار جديد من سلسلة تراث فجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إبراش: غالبية المطبعين المغاربة هم من المثقفين والفنانين الذين لا وزن لهم- حوار
نشر في اليوم 24 يوم 02 - 08 - 2020

في هذا الحوار مع الباحث والوزير الفلسطيني السابق إبراهيم إبراش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر وجامعة محمد الخامس سابقا، نتوقف عند التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية، منها «صفقة القرن»، ومحاولة الضم التي باشرها الكيان الصهيوني. غايتنا تسليط الضوء على قضية من القضايا الإنسانية المهمة، التي أخذ اليوم يغطيها غبار الصراعات العربية الداخلية، وضجيج حكومات اليمين المتطرفة التي تظهر هنا وهناك في الغرب، كما أخذ يؤثر فيها انبطاح الأنظمة العربية وخنوعها وتسابق بعضها نحو التطبيع.
في مستهل هذا الحوار، نتوقف عند التطورات الأخيرة في فلسطين المحتلة، خصوصا محاولة ضم أجزاء من الضفة الغربية. نرجو أن تطلع القارئ المغربي على طبيعة هذه المحاولة. هل هي نتاج «صفقة القرن»، أم مناورة سياسية لكيان الاحتلال للتغطية على جرائمه التي يمارسها بشكل يومي ضد الفلسطينيين؟
صفقة القرن والتأييد الأمريكي لإسرائيل غير المسبوق في عهد ترامب شجعا نتنياهو على التفكير في ضم أجزاء من الضفة تمهيدا لضم كل الضفة، لأن الصفقة تعاملت مع الضفة الغربية باعتبارها أراضي إسرائيلية، ولأن المواقف الفلسطينية والعربية لم تكن حازمة كفاية تجاه الصفقة وتجاه القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، والتوجه نحو الضم ليس تكتيكا، بل جزء أصيل من السياسة والعقيدة الصهيونية، خصوصا في ظل حكومات إسرائيلية يمينية، والتوجه العام في المجتمع الصهيوني نحو التطرف، ذلك أن إسرائيل قامت على أسطورة أرض الميعاد التي تشمل كل فلسطين، وأن الضفة الغربية هي يهودا والسامرة اليهودية، والتي يحتلها العرب والمسلمون من وجهة نظرهم! وفي عدوان حزيران 1967 واحتلال إسرائيل الضفة وغزة وأراضي عربية أخرى، اعتبرت إسرائيل احتلال الضفة وكأنه إعادة تحريرها، ولم تكن إسرائيل بعد ذلك جادة في أي عملية تسوية، ومن هنا رفضت ومازالت قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية وعاصمتها القدس.
إن ضم الأراضي في الضفة ليس بداية المشكلة، بل هو تتويج لسياسة بدأت مع الاحتلال ثم الاستيطان، والضم تتويج لهما في سياق أوضاع محلية وإقليمية ودولية مواتية لإسرائيل. الرفض الفلسطيني الرسمي والشعبي، وكذلك المواقف العربية والدولية وحتى داخل إسرائيل الرافضة لسياسة الضم دفعت نتنياهو إلى تأجيل عملية الضم، وما نخشاه أن تقوم إسرائيل بالضم بصمت دون إعلان، أو بضم تدريجي لعدم إثارة الرأي العام الدولي، ولعدم إحراج الأنظمة العربية الصديقة لإسرائيل.
في نظرك، لماذا لم تعد ردود فعل الفلسطينيين بالقوة نفسها التي تميزت بها من قبل إزاء محاولات كهذه، بل وأقل منها؟
كلام صحيح، فقبل ذلك كانت أي ممارسة عدوانية أو استفزازية إسرائيلية تواجَه بثورة أو انتفاضة أو ردود عسكرية، كما جرى في الانتفاضتين السابقتين 1978 و2000. أما الآن، فإسرائيل ضمت القدس واعتبرتها عاصمة لها، وتواصل الاستيطان والتهويد في الضفة والعدوان والحصار على غزة دون ردود فعل قوية. ونعتقد أن السبب يعود للانقسام الفلسطيني وتراجع التأييد العربي، لانشغال العرب بمشاكلهم الداخلية أيضا، بسبب الدعم الكبير الذي تلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة الأمريكية، وقدرة هذه الأخيرة على تصنيف المقاومة الفلسطينية فعلا إرهابيا.
هذا بالإضافة إلى قناعة لدى القيادة الفلسطينية بعدم جدوى العمل العسكري نظرا إلى اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، وخشية توظيف العمل المسلح من لدن جماعات إسلامية كحركة حماس لتخريب السلطة الفلسطينية.
في نظرك، هل باتت القضية الفلسطينية في مهب الريح مع «صفقة القرن» الأمريكية؟ إلى أي حد يمكن القول إن هذه الصفقة هي نتاح الضغوط الأمريكية على الأنظمة العربية؟ ألا يلعب ضعف القيادات الفلسطينية، بمختلف تياراتها، دورا في فرض هذه الصفقة؟
لا شك أن كل ما يجري ليس في صالح الشعب الفلسطيني، وضعف ردود الفعل العربية على صفقة القرن ومجمل الممارسات الإسرائيلية يرجع إلى قوة الهيمنة الأمريكية على غالبية الأنظمة العربية. فهذه الأنظمة أصبحت فاقدة القدرة والرغبة أيضا في مواجهة واشنطن لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية. كما أن الرابطة القومية تراجعت بشكل كبير، وما يسمى الربيع العربي أضعف من حصانة الأمة العربية، وخلق لها مشاكل داخلية أصبحت لها الأولوية حتى على القضية الفلسطينية. كما أن حالة الانقسام الفلسطيني أعطت الأنظمة العربية المبرر للتهرب من التزاماتها القومية، فكيف للعرب أن يتوحدوا لدعم الفلسطينيين، فيما الفلسطينيون أنفسهم منقسمون على الأهداف وسبل تحقيقها!
ولكن هذا لا يعني نهاية القضية الفلسطينية، لأن الخلل ليس في عدالة القضية، ولا في الشعب الفلسطيني، بل في طبقة سياسية فاشلة وعاجزة، ولأن التحولات والمتغيرات الإقليمية والدولية جاءت متعاكسة لتطلعات الشعب الفلسطيني، ولكن كل ذلك مرحلي، لأن موازين القوى غير ثابتة، وستستعيد القضية الفلسطينية حضورها وعافيتها، خصوصا أن أي طرف فلسطيني لم يتخل عن الحقوق الشرعية.
بالنظر إلى الواقع العربي المتشرذم والانقسام الفلسطيني، هل لاتزال هناك فرص للمقاومة وإحياء الانتفاضة في صورتها الأولى خصوصا، أم إن اتفاقات أوسلو نجحت فعلا في إقبار حركة الاحتجاج والنضال والمقاومة نهائيا؟
اتفاقية أوسلو كانت مراهنة من القيادة الفلسطينية على إمكانية أن يؤسس وجود سلطة فلسطينية منبثقة عن الاتفاق قيام دولة فلسطينية. كما جاءت اتفاقية أوسلو في وقت كانت فيه الثورة الفلسطينية ضعيفة ومحاصرة عربيا ودوليا بعد حرب الخليج الثانية، واتهامها بأنها تقف إلى جانب صدام حسين، كما كانت أوسلو مراهنة من الإسرائيليين والأمريكيين بأنها ستؤدي إلى إجهاض حركة التحرر الفلسطينية وتحويلها إلى سلطة تحت الاحتلال وخاضعة لشروطه. وللأسف، نجحت المراهنة الإسرائيلية الأمريكية، فيما وصلت مراهنة الفلسطينيين على قيام دولة مستقلة إلى طريق مسدود. ولكن هذا لا يعني نهاية القضية الفلسطينية، كما سبق وأن ذكرنا، حيث يمكن الفلسطينيين أن يقوموا بمراجعة استراتيجية، والتخلي عن اتفاقية أوسلو وملحقاتها، والعودة إلى حالة التحرر الوطني. وقد هددت القيادة الفلسطينية وكل القوى السياسية بالتخلي عن اتفاقية أوسلو وكل الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل في حال قيامها بضم أراضي الضفة.
هناك ملاحظة مفادها أن فلسطين كانت تخرج مئات الآلاف من العرب إلى الشوارع تضامنا أو احتجاجا. ما مدى حجية إخفاق ما سمي بالربيع العربي في تفسير خفوت الحماس العربي تجاه القضية الفلسطينية؟
القضية الفلسطينية اليوم ليست كما كانت قضية العرب الأولى، واليوم وبسبب فوضى وخراب ما يسمى الربيع العربي أصبحت المسألة الوطنية الداخلية، وحماية والحفاظ على الأمن الداخلي واستقرار الدولة هي القضية الأولى لكل دولة عربية. ولكن هذا لا يعني أن العرب وشعوب المنطقة تخلوا عن القضية الفلسطينية، ولكن طريقة التعبير عن هذا التضامن والتأييد لم يعد كما كان سابقا وبالحجم نفسه. ومن جهة أخرى، فإن ركوب جماعات الإسلام السياسي على موجة الحراك الشعبي أضر بالقضية الفلسطينية، كما أضر بالشعوب العربية، لأن هذه الجماعات في غالبيتها صناعة أمريكية لإثارة الفتنة أو «الفوضى الخلاقة» كما وصفتها وبشَّرت بها كوندوليزا رايس، ولأنها أيضا لا تضع قضية فلسطين على سلم اهتماماتها.
ألا يرجع الأمر إلى خفوت الوعي التحرري الذي رسخه اليسار والتيار القومي العربي منذ خمسينيات القرن الماضي، مقابل صعود التيار الإسلامي الذي يحول كل شيء إلى معركة دينية؟
صحيح، التحولات الفكرية والإيديولوجية لعبت دورا مهما. فعندما أسِّست منظمة التحرير وانطلقت الثورة الفلسطينية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، كانت المنطقة تشهد مدا قوميا عربيا ويساريا تحرريا، وكانت فلسطين عنوانا للعروبة ولقوى التحرر العربية والعالمية، وكان الاتحاد السوفيتي ودول عدم الانحياز تدعم فلسطين. ولكن المعسكر الاشتراكي انهار، كما انهار النظام الإقليمي العربي والمشروع القومي العربي مع حرب الخليج الثانية 90-91 ثم مع فوضى ما يسمى الربيع العربي لاحقا، وهذا أدى إلى فراغ ملأته جماعات الإسلاموية السياسية بدعم غربي، وهذه الجماعات لا تضع القضية الفلسطينية على سلم اهتماماتها، وقد رأينا كيف أنها قاتلت في كل مكان في العالم، وعملت على تخريب وتدمير دول وطنية، ولكنها لم تفكر بقتال إسرائيل، حتى حركة حماس، التي تعد جزءا من جماعة الإخوان المسلمين، لم تقاتل من أجل تحرير فلسطين، بل لصالح مشروع الإسلام السياسي الإخواني.
من جانب آخر، طفت في الآونة الأخيرة خطابات التطبيع في مسلسلات التلفزيون ومقالات الصحافة ومجالات أخرى. في نظرك، ما هي العوامل التي سمحت بظهور هذه الخطابات والمشاركات التطبيعية؟
حتى الآن، يبقى التطبيع حالات محدودة، والإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي ضخمتها، وهذا لا يقلل من خطورتها لأنها خروج عن وضع شعبي ورسمي عربي يرفض التطبيع، كما أنها تزامن خطوات تطبيعية مكشوفة، خصوصا من دول خليجية، حيث زار نتنياهو سلطنة عمان، وهناك زيارات واتفاقات متعددة بين إسرائيل والإمارات العربية والبحرين وقطر وربما العربية السعودية، ولو لاحظنا المسلسلات التطبيعية والمطبعين الذين يتحدثون عن التطبيع ويمدحون إسرائيل وينتقدون الفلسطينيين، لوجدناهم ينتمون غالبا إلى دول خليجية تطبع أو تريد أن تطبع مع إسرائيل، ولو كان الموقف الرسمي حازما، ما سمح لهذه الأصوات بأن تتحدث بهذا الشكل الاستفزازي عن التطبيع، أيضا بعض المطبعين ينتمون إلى أقليات عرقية وطائفية أو جماعات معارضة، وهي تستعمل ورقة التطبيع مع إسرائيل نوعا من المناكفة، أو لكسب ود إسرائيل في صراعاتها وخلافاتها الداخلية مع أنظمة عربية.
كتبت أخيرا أنك لا تخشى تطبيع الأنظمة الحاكمة، بل تطبيع الشعوب. عندما ينظر المرء إلى حالات محددة، مثلما ما يحصل في المغرب مثلا، حيث نظم الكيان الصهيوني زيارات لإعلاميين مغاربة، كما استدعى فنانين سينمائيين وتشكيليين للمشاركة في بعض «تظاهراته الثقافية والفنية»، وكذا إلى محاولة تشييد نصب «تذكاري» لما سمي ب«الهولوكوست» بنواحي مراكش، ألا ترى أن هذا الكيان شرع فعلا في اختراق الشعوب؟
ذكرت ذلك انطلاقا من التجربتين المصرية والأردنية، حيث لم يؤد التطبيع الرسمي إلى تطبيع شعبي إلا في أضيق الحدود، كما أن التطبيع الرسمي قد يكون لأسباب سياسية قاهرة، أو لخلل في الأنظمة السياسية وخضوعها لضغوط أو إغراءات أمريكية، ويبقى إجراء فوقيا، أما التطبيع الشعبي فهو تحول عميق في الوجدان والضمير الشعبي. وهنا تكمن الخطورة، حيث تبذل إسرائيل جهودا جبارة لاختراق الشعوب والأنظمة العربية. وقد أعلن نتنياهو، أكثر من مرة متباهيا، بأن عملية التطبيع مع الأنظمة العربية تسير بسرعة، لكنه ومعه مسؤولون آخرون اعترفوا بصعوبة التطبيع مع الشعوب.
ما يجري بالنسبة للمغرب ليس بجديد، نظرا إلى أنه كان يحتضن أعدادا كبيرة من اليهود المغاربة، وهناك حوالي مليون إسرائيلي من أصل مغربي يتواصلون مع المغرب ويحنون إليه، ودائما نجد بعض الأشخاص يقبلون بالإغراءات التي تقدمها إسرائيل، أو لهم وجهة نظر خاصة حول العلاقة مع إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام. لكن الوضع العام في المغرب والموقف الرسمي مازال مع القضية الفلسطينية وضد إسرائيل، ولو نظرنا إلى عدد المطبعين أو الذين زاروا إسرائيل، لوجدناهم قلة لا تذكر، مقابل مئات الآلاف بل والملايين من المغاربة الذين يخرجون بمظاهرات ومسيرات تؤيد الشعب الفلسطيني. كما أن غالبية المطبعين هم من المثقفين أو الفنانين الذين لا وزن لهم في الساحة المغربية. وهنا تقع المسؤولية على القوى الوطنية للدخول في نقاش عام مع المطبعين لكشف مخاطر التطبيع وأهداف إسرائيل الخبيثة، أما بالنسبة لمحاولة تشييد نصب للهولوكوست، فأعتقد أنها ستكون محاولة فاشلة.
في المقابل، بدأ أثر «الحركة الصهيونية» يخفت في الغرب، بفضل نضالات حركة «BDS» التي تدعو إلى مقاطعة هذا الكيان. هل يعني ذلك استفاقة الوعي الغربي، مقابل ضمور الوعي العربي، أم إن هناك تفسيرات أخرى لهذا التحول؟
ملاحظة صحيحة. قبل سنوات كانت الرواية الإسرائيلية هي التي تهيمن على الرأي العام في أوروبا وغالبية دول العالم، من خلال مزاعم بأن إسرائيل واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وأن الفلسطينيين إرهابيون ولا يريدون السلام. إلا أن العالم اكتشف الحقيقة؛ وهي أن إسرائيل تمارس الإرهاب والتمييز العنصري وجرائم حرب ضد الفلسطينيين، وأن هؤلاء الأخيرين ومعهم العرب مدوا أيديهم للسلام، وقدموا تنازلات كبيرة دون جدوى. وقد لعبت الBDS دورا في فضح المزاعم والأكاذيب الإسرائيلية. كما أن العالم يشاهد ويسمع ما يجري نتيجة الثورة المعلوماتية التي جعلت كل شيء متاحا، ومن هنا فإسرائيل تحارب حملة المقاطعة، وتعادي منظمات حقوق الإنسان التي تفضح الممارسات الإسرائيلية. ويمكن اعتبار ما يجري خطوة مهمة، وإن كانت متواضعة، لإعادة تصويب الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية.
أما بالنسبة إلى ضمور الوعي العربي، فالأمر في اعتقادي مؤقت، وإن كانت الأمور لن تعود كما كانت في زمن المد القومي والتحرري الثوري، وقد لعبت الجماعات الإسلاموية دورا في تشويه الوعي العربي وفي حرف الشعوب العربية عن القضايا الكبرى.
بناء على هذا، هل لاتزال هناك فرصة لإعادة بناء تحالفات قوية مع القضية الفلسطينية؟
لا شك أنه ليس للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الآن حلفاء استراتيجيون، كما كان الحال قبل سقوط الاتحاد السوفيتي وفوضى ما يسمى الربيع العربي، وأيضا قبل الانقسام الفلسطيني الذي أساء كثيرا إلى القضية وإلى الشعب، لكن، مادامت القضية الفلسطينية عادلة وغالبية دول العالم تعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، وقد رأينا كيف وقفت دول الاتحاد الأوروبي ضد سياسة الضم الإسرائيلي، فإن إعادة تصويب مسار القضية عربيا ودوليا أمر وارد، لكن على أرضية الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وأن الاحتلال الإسرائيلي يقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة، ولو لم يكن هناك مؤيدون وأنصار للشعب الفلسطيني، لكانت واشنطن وإسرائيل نفذتا صفقة القرن وسياسة الضم.
أخيرا، هل نتوقع من الفصائل الفلسطينية العودة إلى حمل السلاح ضد المحتل؟
العودة إلى ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو وإلى حالة المقاومة المسلحة، كما كانت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، أمر مستبعد الآن لعدة أسباب منها: الانقسام الفلسطيني وغياب استراتيجية ووحدة وطنية حول هذا الهدف، وغياب حليف دولي أو عربي يمكنه احتضان مقاومة مسلحة في فلسطين ويشكل لها حاضنة وقاعدة ارتكاز، كما أن غالبية دول العالم لم تعد تقبل العمل الفدائي أو المقاومة المسلحة وتخلط بينها وبين الإرهاب، لكن، في المقابل، فإن المقاومة ليست عملا عسكريا فقط، فهناك أشكال متعددة لها، ونذكر هنا أن الانتفاضة الأولى عام 1978 لم تكن مسلحة، بل كانت انتفاضة حجارة وحققت الكثير للفلسطينيين. وكما ورد سابقا، فإن حملات مقاطعة إسرائيل شكل من أشكال المقاومة، فالمقاومة الشعبية بكل صورها ستكون مجدية الآن أكثر من العمل العسكري، ولكن قد تكون هناك عودة إلى العمل العسكري إذا ضمت إسرائيل الضفة الغربية، وجرى حل أو إسقاط السلطة الفلسطينية، فآنذاك لن يكون أمام الفلسطينيين إلا العودة لمرحلة التحرر الوطني والعمل العسكري..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.