د.محمد كرواوي الأربعاء 17 شتنبر 2025 - 18:27 ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا: من الإرث التاريخي إلى شراكة الأطلسي لم يعد موضوع ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا مجرد ملف تقني يدار في كواليس اللجان المختصة أو في مكاتب الدبلوماسيين، بل أصبح نافذة تطل على رهانات جيوسياسية كبرى، تكشف موقع البلدين في خارطة الأطلسي وتوازناته المستقبلية. فالمسألة، في جوهرها، ليست نزاعا على بضعة أميال بحرية أو ثروات طبيعية محتملة، وإنما هي اختبار لقدرة المغرب وإسبانيا معا على الانتقال من منطق إدارة الأزمات المتكررة إلى منطق بناء الشراكة الاستراتيجية المتوازنة. ومنذ استعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية سنة 2022، بدا واضحا أن مدريد لم تعد تنظر إلى الجنوب باعتباره هامشا مقلقا، بل شريكا وازنا في معادلة الأمن والهجرة والطاقة، فيما المغرب لم يعد يتعامل مع الجار الشمالي باعتباره مجرد قوة استعمارية سابقة، بل بوصفه بوابة أوروبية لا يمكن تجاهلها في مشروعه الأطلسي الصاعد. وإذا كانت الخلافات حول الحدود البحرية، وخاصة قرب جزر الكناري، قد غذت في السابق توترات إعلامية وسياسية، فإن الدينامية الجديدة التي دشنتها الرباطومدريد أظهرت أن النزاعات يمكن أن تتحول إلى فرص متى وضعت في إطار رؤية متقدمة تعترف بالمصالح المشتركة وتبني الثقة المتبادلة. اليوم، أمام البلدين فرصة تاريخية لترجمة خطاب الشراكة إلى واقع ملموس، عبر آلية ترسيم حدود تراعي القانون الدولي من جهة، وتستجيب لرهانات التنمية المشتركة من جهة ثانية. فالمغرب الذي أطلق مبادرة الأطلسي من أجل ربط إفريقيا بالضفتين الأوروبية والأمريكية، لا ينظر إلى هذه الحدود كبعد دفاعي فحسب، بل كبوابة لاندماج اقتصادي أطلسي واسع، فيما إسبانيا ترى في هذا التعاون سبيلا للحفاظ على دورها الاستراتيجي في ضوء تحولات الاتحاد الأوروبي وأزماته الداخلية. إن النقاش حول الحدود البحرية، إذن، يكشف لنا كيف تنتقل الجغرافيا من كونها عامل انقسام إلى كونها أداة لبناء التوازن، وكيف تتحول الخلافات إلى محك لاختبار نضج الدول وقدرتها على التكيف مع متغيرات الإقليم والعالم. فكما نجحت تجارب دولية عديدة، من النرويج وروسيا في بحر بارنتس، إلى مصر والسعودية في البحر الأحمر، في تحويل ملفات ترسيم الحدود إلى رافعة للاستقرار والتعاون، فإن المغرب وإسبانيا مدعوان اليوم لكتابة تجربة خاصة بهما، قوامها الاعتراف المتبادل، والتدبير المشترك للثروات، وحماية الممرات البحرية التي تمثل شريانا رئيسيا للتجارة الدولية. وعليه، فإن ملف الحدود البحرية لم يعد شأنا تقنيا أو قانونيا محضا، بل بات تعبيرا عن خيار استراتيجي أوسع: إما أن يظل مجالا للتجاذب والريبة، أو أن يتحول إلى إشارة لنقلة نوعية في العلاقات المغربية الإسبانية، من إرث التوترات إلى أفق الشراكة الأطلسية. وهنا تتجلى اللحظة الراهنة بكل ثقلها: فرصة تاريخية لترسيخ المغرب كقوة أطلسية صاعدة، وإسبانيا كجسر أوروبي منفتح على الجنوب، في معادلة رابحة للطرفين إذا ما توافرت الإرادة السياسية والقدرة على تجاوز حسابات الماضي. أولا، في حدود البحر وحدود السيادة لم يعد النقاش حول ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا مجرد تفصيل قانوني أو تقني، بل أصبح اليوم مرآة تكشف طبيعة العلاقة بين بلدين يفصل بينهما مضيق صغير وتاريخ كبير. فمنذ أن بادر المغرب سنة 2020 إلى توسيع نطاق حدوده البحرية واعتماد قانونين لترسيمها في البرلمان، بدا أن الأمر يتجاوز التقنية إلى السياسة، ويتجاوز الجغرافيا إلى السيادة. وقد كان ذلك الترسيم بالنسبة إلى الرباط خطوة ضرورية لحماية مجالها البحري الغني بالثروات، من الصيد إلى المعادن النادرة التي تختزنها أعماق الأطلسي، خصوصا قرب جزر الكناري. لكن هذه الخطوة، التي رآها المغرب امتدادا طبيعيا لسيادته، قرأتها مدريد بعين الريبة، معتبرة أنها تهديد محتمل لامتيازاتها التقليدية في المنطقة. هنا انطلقت شرارة جدل لم يخمد بعد، عنوانه المعلن الحدود البحرية، لكن مضمونه العميق هو إعادة توزيع النفوذ والسلطة في فضاء إقليمي دقيق. لقد سعت إسبانيا إلى تصوير الموقف المغربي كأنه نوع من التوسع أحادي الجانب، لكنها تغاضت عن حقيقة أن القانون الدولي للبحار، وبخاصة اتفاقية مونتيغو باي لعام 1982، يعطي لكل دولة ساحلية الحق في إعلان منطقتها الاقتصادية الخالصة بامتداد 200 ميل بحري. المشكلة الحقيقية ليست في إعلان الحق، بل في كيفية تطبيقه حين تتقاطع المساحات مع دول مجاورة. فالمغرب، وهو يرسم حدوده، لم يكن ينطلق من فراغ، بل من منطق قانوني ثابت، بينما إسبانيا كانت تخشى على جزرها القريبة من السواحل المغربية أن تفقد بعض امتيازاتها التقليدية. وهكذا تحول النقاش إلى لعبة شد وجذب، فيها يرفع كل طرف لواء القانون الدولي، لكن خلف اللواء تتخفى حسابات الثروات البحرية والجيواستراتيجيا. وفي قلب هذه المواجهة برزت قضية جزر الكناري كرمز للتعقيد. فهذه الجزر، رغم كونها إسبانية من الناحية السياسية، إلا أنها لا تبعد سوى بضع عشرات الكيلومترات عن السواحل المغربية. لذلك فإن تطبيق قاعدة خط الوسط سيعطي المغرب مساحات واسعة من البحر كانت مدريد تعتبرها ضمن مجالها الحيوي. هنا برزت المفارقة: هل السيادة تقاس بالبعد الجغرافي وحده أم بالسيطرة التاريخية والسياسية؟ المغرب يرى أن الجغرافيا لا تمحى، وأن منطق القرب يفرض احترام حقه في البحر، بينما إسبانيا تريد أن تبقي على منطق الاستثناء الذي يجعل جزرها قاعدة لتوسيع مجالها البحري. وهكذا أصبح الصراع على المياه مرآة لصراع على تعريف السيادة نفسها: هل هي امتداد طبيعي للأرض القريبة أم امتياز تاريخي ممتد عبر الزمن؟ لكن، خلف هذه التفاصيل القانونية، تكمن قصة أعمق: فالمغرب لم يعد يقبل أن يعامل بوصفه "الجار الضعيف" الذي يكتفي بما تسمح به مدريد أو بروكسل. اليوم يطرح نفسه طرفا كامل السيادة، يفاوض من موقع الندية، ويستند إلى أوراق قوة جديدة: حضوره المتنامي في إفريقيا، مشاريعه الإستراتيجية في الطاقة والربط البحري، ورؤيته الأطلسية التي تحول حدوده البحرية إلى ركيزة لمشروع جيوسياسي واسع. وإسبانيا، من جهتها، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع مغرب جديد لم يعد يكتفي برد الفعل، بل يبادر ويرسم ويعلن. من هنا فإن النقاش حول الحدود البحرية ليس سوى عنوان لصراع أعمق: صراع بين من يريد أن يحافظ على توازنات قديمة تضمن له الامتياز، ومن يريد أن يؤسس لتوازن جديد يضمن له الإنصاف. ثانيا، القانون الدولي بين النصوص والمصالح حين ننظر إلى خطاب مدريد حول ترسيم الحدود البحرية، نجد أنه يستند في ظاهره إلى القانون الدولي، لكنه في جوهره يخفي قلقا استراتيجيا من تحولات ميزان القوى في المنطقة. فإسبانيا تتحدث عن "ضرورة التشاور" و"التوافق المشترك" لتطبيق اتفاقية مونتيغو باي، وتلوح بمخاطر ما تسميه القرارات الأحادية. غير أن هذا الخطاب يغفل حقيقة أساسية: أن نفس الاتفاقية تمنح الحق لكل دولة ساحلية في إعلان منطقتها الاقتصادية الخالصة إلى حين التوصل إلى اتفاق مع الجار المعني. بمعنى أن الخطوة المغربية ليست خروجًا عن النصوص، بل هي انسجام معها، وأن مسؤولية إيجاد صيغة نهائية لتقاسم المجال تقع على الطرفين معا. لكن مدريد، وهي تدرك أن التوازن الجغرافي يميل لصالح الرباط، تخشى أن يقود أي تفاوض جاد إلى تقليص مجالها البحري حول جزر الكناري، فتفضل التلويح بالتحذير بدل الدخول في تفاصيل تسوية متوازنة. هذا التناقض بين النصوص والمصالح ليس جديدا في العلاقات الدولية. فالتجارب الكثيرة لتسوية الحدود البحرية بين الدول تكشف أن القانون الدولي لا يقدم حلولا جاهزة، بل إطارا عاما يترك للتفاوض أن يصوغ التفاصيل. ففي النزاع بين النرويج وروسيا في بحر بارنتس، استغرق التفاوض أكثر من أربعة عقود قبل أن ينجح الطرفان سنة 2010 في رسم خط وسط منصف. وفي حالة البحر الأسود، احتكمت رومانياوأوكرانيا إلى محكمة العدل الدولية سنة 2009 لحسم نزاعهما حول جزيرة الأفعى، فجاء الحكم وسطا أعطى كل طرف ما ينسجم مع موقعه الجغرافي. هذه الأمثلة توضح أن النزاعات البحرية لا تحسم بالصوت المرتفع أو الضغط الإعلامي، وإنما بالمثابرة على التفاوض أو الاحتكام للمؤسسات الدولية. لكن إسبانيا، في تعاملها مع المغرب، لا تتصرف كدولة تبحث عن تسوية قانونية، بل كدولة قلقة من فقدان امتياز تاريخي. فهي تدرك أن موقع جزر الكناري، مهما كانت أهميته، لا يلغي حقيقة قرب السواحل المغربية، وأن أي خط وسط عادل سيمنح المغرب حقا واسعا في ثروات الأطلسي. ومن هنا نفهم إصرار بعض النخب الإسبانية على تصوير الخطوة المغربية كأنها "تهديد" أو "استفزاز"، في محاولة لتحويل قضية قانونية إلى ورقة ضغط سياسية. وهكذا يصبح القانون مجرد أداة خطابية تستعمل حين تخدم المصالح، وتهمش حين تكشف الحقائق الجغرافية حدود الامتيازات القديمة. إن ما يغيب عن هذا الخطاب الإسباني هو أن المغرب لا يطرح نفسه خصما، بل شريكا في صياغة نظام بحري جديد يقوم على التوازن والاعتراف المتبادل. فالرباط لا تسعى إلى إقصاء مدريد من الأطلسي، بل إلى وضع العلاقة على أسس من الإنصاف، بحيث تحترم قاعدة القرب الجغرافي وتراعى مصالح الطرفين. وإذا كانت إسبانيا ترى في ذلك تهديدا، فإنما لأنها لم تتعود بعد على التعامل مع مغرب يفاوض من موقع الندية، لا من موقع التبعية. وهنا يكمن جوهر التحول: أن البحر، الذي كان فضاء للتبعية في الماضي، أصبح اليوم ساحة لإعلان السيادة وإعادة توزيع النفوذ. ثالثا، الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية لحدود الأطلسي إن النقاش حول ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا لا يمكن أن يفهم فقط في إطار قانوني جامد، بل لا بد أن يقرأ من زاويته الاقتصادية والاستراتيجية، حيث تكمن جذور القلق الإسباني. فالأطلسي الجنوبي ليس مجرد فضاء مائي، بل هو خزان هائل للثروات الطبيعية، من مصايد الأسماك التي تشكل شريانا حيويا لاقتصاد جزر الكناري، إلى احتياطات الغاز والنفط والمعادن النادرة التي بدأت شركات الطاقة العالمية تترقبها بعيون مفتوحة. والمغرب، بإعلانه عن تحديد حدوده البحرية وفق منطق السيادة، إنما يبعث رسالة واضحة: إن ثروات الأطلسي لم تعد مجالا مفتوحا للاستغلال الأحادي أو للتنافس غير المتكافئ، بل أصبحت جزءا من معادلة التنمية الوطنية التي يصر على امتلاك زمامها. وهنا يظهر جوهر الصراع: ليس الخلاف على خطوط جغرافية مجردة، بل على من يملك القرار في إدارة مستقبل اقتصادي واعد. هذا البعد الاقتصادي يفسر أيضا حجم رد الفعل الإسباني. فمدريد تدرك أن أي اعتراف دولي بحق المغرب في بسط سيادته على مجاله البحري يعني تراجع نفوذها في إدارة ملف الصيد البحري، الذي ظل أحد أعمدة علاقاتها مع الرباط لعقود. ففي كل مرة كانت تنتهي فيها اتفاقيات الصيد بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، كانت مدريد تراهن على حاجة المغرب للدعم المالي الأوروبي، لتفرض شروطا تخدم أساطيلها. لكن الوضع اليوم تغير: المغرب لم يعد ذلك البلد الذي ينتظر الفتات، بل أصبح يمتلك استراتيجية بحرية متكاملة، واستثمارات ضخمة في الموانئ والبنية التحتية، ورؤية تنموية تجعله يتعامل مع البحر كرافعة سيادية، لا كفضاء للتبعية. وهذا التحول يجعل مناورات مدريد أقل تأثيرا، ويفرض عليها أن تدخل في مفاوضات حقيقية لا مجرد مساومات ظرفية. وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، يتقاطع ملف الحدود البحرية مع موقع المغرب المتنامي في المشهد الجيوسياسي العالمي. فالمغرب، عبر شراكاته الإفريقية والأطلسية، وعبر موقعه في مبادرة الأنبوب النيجيري المغربي، يسعى إلى تحويل مجاله البحري إلى جسر استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا، ويجعل من السواحل المغربية بوابة رئيسية للتجارة والطاقة. وهذا الطموح لا يمر دون إثارة مخاوف إسبانيا، التي ترى في نفسها منذ قرون الحارس الأول للبوابة الجنوبية لأوروبا. غير أن الواقع الجديد يفرض معادلة أخرى: المغرب لم يعد مجرد جار، بل فاعل صاعد يمتلك القدرة على صياغة مبادرات إقليمية ودولية، ما يجعل أي محاولة لتهميشه أو التقليل من موقعه محكومة بالفشل. ولعل النموذج الأقرب للمقارنة هنا هو التجربة التركية في شرق المتوسط. فأنقرة، حين أعلنت عن حدودها البحرية وفق منطق السيادة، اصطدمت بخصومها الأوروبيين، لكنها في النهاية نجحت في فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه. والمغرب، وإن كان يعتمد خطابا أكثر اعتدالا، فإنه يسير في الاتجاه ذاته: تثبيت موقعه كدولة ساحلية كبرى لا تفاوض إلا من موقع الندّية. هذه الدروس المقارنة توضح أن ما يقوم به المغرب ليس استثناء، بل جزء من مسار عالمي تتبناه القوى الصاعدة لإعادة رسم الخريطة البحرية وفق منطق التوازن الجديد. وعليه، فإن معركة الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا ليست مجرد خلاف ثنائي، بل مرآة لصراع أوسع حول من يمتلك مفاتيح المستقبل في فضاء الأطلسي. رابعا. البعد الدبلوماسي وإدارة التوازنات الدولية في قلب الجدل القائم حول ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا، يبرز البعد الدبلوماسي باعتباره الحلقة الأهم في تحديد مسار النزاع أو تحوله إلى تفاهم استراتيجي. فالمغرب، بخطابه الواضح وثقته المتنامية، لم يعد يقبل أن يختزل في دور المتلقي أو الطرف التابع، بل يصر على أن يكون شريكا كامل السيادة في صياغة المعادلات الدولية. لقد عبر وزير الخارجية المغربي، في أكثر من مناسبة، عن أن الدفاع عن الحدود البحرية ليس مغامرة أحادية، بل امتداد لمشروع سيادي متكامل ينطلق من الدستور ومن القانون الدولي للبحار. بهذا المعنى، تتحول القضية من مجرد نزاع ثنائي إلى اختبار لمصداقية المغرب كفاعل دبلوماسي قادر على فرض منطقه بالحوار المتوازن والبرهان القانوني، لا بالتصعيد الفارغ. ومع أن مدريد تحاول أحيانا استثمار القضية كورقة داخلية، لإرضاء تيارات سياسية أو لتهدئة احتجاجات لوبيات الصيد البحري في جزر الكناري، فإنها تدرك أن استمرار سياسة المماطلة لن يخدمها على المدى البعيد. فالمغرب اليوم ليس هو المغرب الذي كان يدار بعقلية التبعية، بل أصبح طرفا يرتبط بشراكات متعددة مع قوى كبرى: من الولاياتالمتحدة التي دعمت سيادته على الصحراء، إلى الاتحاد الإفريقي الذي بات يعتبره قطبا للتنمية، مرورا بالتحالفات الأطلسية التي جعلت من الرباط شريكا أساسيا في الأمن الإقليمي. وهذه الأوراق الدبلوماسية تجعل إسبانيا تدرك أن التعامل مع المغرب بمنطق الوصاية القديمة لم يعد ممكنا، وأن الحل يكمن في التفاوض الندي الذي يعترف للمغرب بحقه السيادي الكامل. وما يزيد المشهد تعقيدا هو أن هذه القضية لم تعد محصورة في فضاء مغربي إسباني ضيق، بل باتت محل متابعة أوروبية ودولية واسعة. فالاتحاد الأوروبي، وهو يواجه تحولات الطاقة العالمية وضغوط الحرب في أوكرانيا، يدرك أن استقرار الأطلسي الجنوبي أمر حاسم لمصالحه. ومن هنا، فإن أي تصعيد بين مدريدوالرباط سيكون له انعكاس مباشر على مصالح أوروبية أوسع، من أمن الطاقة إلى تدبير الهجرة. ولعل هذا ما يفسر الحذر الأوروبي في تبني خطاب إسبانيا، إذ لا يمكن للقارة أن تغامر بخسارة شريك استراتيجي مثل المغرب، في وقت يتنامى فيه حضوره في إفريقيا ويقوى موقعه في خريطة المبادلات الدولية. وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح من الواضح أن معركة الحدود البحرية هي في جوهرها معركة دبلوماسية بامتياز، حيث يختبر المغرب قدرته على تحويل شرعيته القانونية إلى قوة تفاوضية، ويختبر إسبانيا قدرتها على التحرر من إرثها الاستعماري في التعامل مع جيرانها. والمستقبل لن يحسم بالخرائط وحدها، بل بالقدرة على إدارة التوازنات الدولية بذكاء: فالمغرب يملك فرصة تحويل هذا الملف إلى منصة لتعزيز موقعه كقوة أطلسية صاعدة، فيما إسبانيا تملك خيار الخروج من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة. وما بين الخيارين يتحدد شكل العلاقة المقبلة: إما نزاع متجدد يستنزف الطرفين، أو تفاهم تاريخي يعيد رسم الأطلسي الجنوبي كفضاء تعاون بدل صراع. إن ملف ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا ليس مجرد تفصيل تقني في خرائط الملاحة أو اتفاقيات الصيد، بل هو عنوان لصراع أعمق حول السيادة والاعتراف المتبادل ومكانة كل طرف في الإقليم الأطلسي الجنوبي. لقد أثبت المغرب، عبر خطواته الدستورية والقانونية والدبلوماسية، أنه لم يعد يقبل بمنطق التسويف أو التأجيل، بل يسعى إلى حسم مسألة ترسيم حدوده في إطار الشرعية الدولية وقواعد اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار. في المقابل، تجد إسبانيا نفسها في موقف معقد، بين إرثها التاريخي الذي يثقل علاقتها بالمغرب، وضغوطها الداخلية المرتبطة بجزر الكناري، والتزاماتها الأوروبية التي تفرض عليها مقاربة أكثر واقعية ومرونة. ومع ذلك، فإن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالتصعيد أو بالخطابات المتشنجة، وإنما بالاعتراف بواقع جديد: المغرب طرف مركزي في الأطلسي وإفريقيا، وإسبانيا شريك أوروبي لا غنى عنه في الجوار المتوسطي. إن تحويل النزاع إلى فرصة للتعاون المشترك في مجالات الطاقة والبحث العلمي والصيد المستدام يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للشراكة، بدل أن يبقى موضوع الحدود قنبلة موقوتة تعرقل مسار العلاقات الثنائية. إن التاريخ يقدم نماذج كثيرة لتسويات بحرية ناجحة أعادت صياغة العلاقات بين الدول، من الاتفاق النرويجي الروسي في بحر بارنتس، إلى التفاهم بين اليونان وإيطاليا في المتوسط. وهذه النماذج تؤكد أن التفاوض النزيه، المدعوم بالبرهان القانوني والمصلحة المتبادلة، كفيل بتحويل مناطق النزاع إلى فضاءات تعاون. والمغرب، وهو يعزز حضوره الدولي، يمتلك اليوم من الأدوات والشرعية ما يجعله قادرا على انتزاع موقعه في هذا المسار، لا كطرف تابع، بل كشريك كامل السيادة. وعليه، فإن الخلاصة الكبرى هي أن ترسيم الحدود البحرية ليس قضية تقنية ولا ظرفية، بل هو امتحان للقدرة على الانتقال من منطق الصراع التاريخي إلى منطق الشراكة المستقبلية. المغرب يضع نفسه في موقع من يسعى إلى بناء مستقبل أطلسي يقوم على التوازن والاعتراف المتبادل، وعلى إسبانيا أن تختار بين البقاء أسيرة الماضي، أو الانخراط في هذا الأفق الجديد الذي يجعل من الأطلسي الجنوبي فضاء للأمن والتنمية المشتركة. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة