يتقدمهم عامل الاقليم.. ساكنة مدينة الناظور تؤدي صلاة الإستسقاء طلبا لغيث السماء    بعد الزلزال السياسي.. رئيس الحكومة يصدر قرار بالعزل في حق "بلمختار" من هذا المنصب    بالفيديو.. السعودية تسمح لصحافية بالتصوير داخل الفندق الذي حجزت فيه الأمراء    بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات المحلية..لاشئ تغير في الجزائر!    زيدان يستبعد حكيمي من التشكيلة التي ستواجه مالاجا    رونار صانع المعجزات    الفرقة الوطنية تعتقل كولونيل في الدرك وفر له مسؤول بارز الحماية    إلياس ضربها بتسافيرا لفرنسا مع اتهامه ب "التآمر على الملك"    فضيحة .. مستشفى يعطي موعد لمريض لإجراء اختبار بعد سنة    المنع يهدد التمديد لبنكيران    رئيس مجلس الأمن: قطعنا نصف خطوة في قضية الصحراء    النجم الأرجنتيني "ميسي" يتسلم الحذاء الذهبي كأفضل هداف في أوروبا    القديوي يفسخ عقده مع الرجاء ويوقع لهذا الفريق    الملك يعزي السيسي ويدين الهجوم الإرهابي البشع في سيناء    بن سلمان: 95% من متهمي الفساد قبلوا بإعادة الأموال    سيدي ايفني : إعتقال " حراك" وبحوزته مخدرات    مقال/فيديو: إطلاق خدمة الخط (19) الخاص بتلقي شكايات المواطنين بالصخيرات تمارة    رئيس زيمبابوي الجديد يتعهد بإعادة بناء البلاد وخدمة الجميع    كريستيانو يُسجل الأهداف في 10 مباريات ضد ملقا    أخنوش يعلن برمجة 110 مشروعا سنة 2018 ضمن مخطط "المغرب الأخضر"    تلاميذ يزورون الأستاذة التي تعرضت لاعتداء من طرف زميلهم وهذا ما قالوه لها    بيونسيه أغنى فنانة لعام 2017    "العين الحمرا"..جديد الفنان المغربي "مسلم"    المستشارين يصوت الإثنين على ملتمس لمساءلة الحكومة حول فاجعة الصويرة    بسبب "دُونور" والمونديَاليتّو".. ديربي الوداد والرجاء يَسير نحو التأجيل!    عاجل.. شرطة لندن تتعامل مع حادث في محطة القطار على أنه "إرهابي"    الحكومة تتجه نحو فرض ضريبة جديدة على الوداديات السكنية    بعد ديجون نادي فرنسي اخر يريد وليد ازارو    ميناء طنجة المتوسط 1 يحقق رقما قياسيا في معالجة الحاويات خلال أكتوبر الماضي    مندوبية التامك: 164 حالة اعتداء نفذها سجناء في حق الموظفين    توقعات "الأرصاد الجوية" لطقس يوم غذ السبت 25 نونبر    افتتاح ثاني مركز ثقافي لمؤسسة علي زاوا بحي بني مكادة في طنجة    في الحاجة "للحكيم عبد الله بها"    وزارة التربية الوطنية تدعو لتعبئة مجتمعية لمواجهة العنف بالمدارس    خلال ترؤسه للمجلس الإداري ل"دار الصانع".. ساجد يدعو لاعتماد التكنولوجيا الرقمية في الترويج للصناعة التقليدية    المغرب بلد "مستقر" إقليميا من شأنه المساهمة في تعزيز الأمن    حكم بسجن روبينيو 9 سنوات في قضية اغتصاب    دراسة: 71 في المائة معدل الولوج للخدمات البنكية.. وشباك لكل 5500 مغربي        بنكيران يقترح "المعتصم" رئيسا لمؤتمر الحزب و"البجيديون" يوافقون عليه بالاجماع    داء "الليشمانيوز" يصيب عشرات التلاميذ بزاكورة.. والصحة توضح    بسبب السب والوشاية الكاذبة.. القضاء يدين قياديا بارزا في حزب بنكيران بالحبس والغرامة    جودة العمل والعدالة الاقتصادية والاجتماعية لمواجهة التخلف    فرنسا.. ستة أشهر حبسا نافذا لشرطي صفع مهاجرا    الريسوني ينضاف إلى اللائحة السوداء لأعضاء المنظمات المحرضة على الإرهاب    "حياة الإدريسي" تستحضر ذكريات الطفولة بصورة قديمة – صورة    المهرجان الدولي لمدارس السينما في يومها الثالث    بشرى للنساء.. فوائد غسل الأواني وطي الملابس    بيع روبو بان فأفلام الخيال العلمي بأكثر من خمسة ملايير!!    "نيتو وصوبيخانو" يستعرضان الريادة الإسبانية في هندسة المتاحف    دراسة. يلا ولدتو ولادكوم على التوالي غايجيهوم التوحد    وجدة.. مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بإحداث وتنظيم معهد التكوين في مهن الطاقات المتجددة    رفع الحظر عن جمع وتسويق الصدفيات بتطوان    تحف نادرة تسافر بزوار الدار البيضاء عبر تاريخ المملكة العريق    لماذا لا يستيقظ الإنسان على صوت شخيره المزعج للآخرين؟    شرطي مغربي يبدع في تجويد القرآن الكريم – فيديو    شهيدات الدقيق: من المسؤول عن مآسي نساء بوالعلام؟    أحكام صلاة الاستسقاء وصفتها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قصة قصيرة: طيف ملائكي
نشر في بيان اليوم يوم 03 - 10 - 2010

الحائط المطلي هو الحائط، والنافذة المشرعة تغالب أصوات المارة المرتفعة ككرنفال حاشد، والغرفة المكعبة الغائرة في فوضى ثيابها الشاحبة المغبرة، ودفة الباب التي تحمل على ظهرها ملابس قد طالها النسيان، والستار المنسدل كأوراق الخريف، نصفه المطرز معلق والآخر يتأرجح كعنقود العنب أيام الخير والحبور، يحادي حصير «السطوان» الغير مزلج، وسط الدار الشاحب طلاؤها، وما خلفته عوامل الرطوبة من بقع على السقف، تشبه في شكلها الدائري برك المدينة المنتشرة على مر الطريق، وسجادة الصلاة الحمراء المزركشة المطوية على كرسي المكتب بعناية، والنباتات الموردة من البلاستيك تتسلق الجدران، وبلغة العرس الصفراء جنب حذائها الأسود الملمع، والحقيبة اليدوية تتدلى من على المشجب الشاخص كصليب الكنائس، و(حنان) في استلقائها شاردة ممددة تنظر إلى جدران حجرتها الباردة، تتأملها في صمت وخشوع، تذرف الدموع ثم تتبسم كملاك أسطوري، راسمة في مخيلتها صورا مرمرية لطَيفها الضائع، كأنها لم تَحتم تحت دفئها من هبوب الصقيع ودخان معمل الأرز، وحمأة الظهيرة، كأنها لم تعش فيها هناء الطفولة ودغدغات الحلم المزيف.
على الطاولة الحديدية رزمة من ملابس الغسيل مرمية فوق آلة الخياطة الكهربائية في انتظار طيها أوكيها، وعلى يمين الخزانة الخشبية المزينة آيات من الذكر الحكيم منمنمة على ثوب أخضر لامع.
تتقلب ببطء ودلال، ثم تتمدد، تتنفس همسا، تزفر بغيظ، تزيح عن جسدها النحيف الملاءة المتوارية بين ثناياها، شاردة تتمعن، لعلها تبحت بجد عن بؤرة للعزاء تنسيها عناء اللحظات، تفصلها عن حاضرها المرير.
دوما يغمرها الإحساس بأن الانتظار موت بطيء، انبعاث للركون والهوان، انتحار للنفس، سلوك نزق يربك أفق التمني والأحلام، كم تستهويها هذه الكلمة: (الأحلام)، تتساءل كيف يتبخر الحلم ويذوب كحفنة ملح؟!
تسحب هزال جسدها إلى شرفة البيت، تفتح نصفها المتكسر فتلذغها هبات نسيم منعش، تتنفس بعمق، ترفع عينيها الذابلتين، ترى السماء في عنفوانها تنذر بليلة ممطرة، تخفض جفنيها في تثاقل وعياء فتصطدم بركام النفايات المتناثرة على الإسفلت المحفور منذ الانتخابات الفائتة.
عند مفترق الطرق الذي يبدو كمتاهة العابر بلا هوية ولا انتماء، تشيح بوجهها المكتنز لتختلس نظرة عجلى جهة رأس الدرب، لتتمعن في مشهد عاشق مرتعش يعاكس فتاة أمام الملأ، تتورد وجنتاها، تخفي لهفتها المكبوتة، ترتمي على سريرها الشاحب منكسرة، تضع بين يديها غليان رأسها تريد أن تنام أو تغفو، لعل النوم ينقذها من براثن هذا الأسى تثبت ذبول وجهها في زوايا الغرفة، تلتهب أعماقُها، تناجي أحلامها التائهة تتجه صوب المرآة فتنفش شعرها، وتخضب وجهها، ثم تبكي، قبل أن تخبو تماما..
تذكره كلما لملمت انشطار ماضيها الموغل في دوامة الحيرة والأوهام، حينما عاد قبل رحيله يشتاط غضبا مساء ليلة مشؤومة، لم تر بهجة النور بعدها، لم يلق السلام، ولم يداعب أرجوحة الوليد المنتظر، كان يسرع الخطو إلى غرفة النوم ويوصد الباب خلفه ثم يغط في نومه، كانت ترمقه والفزع يراقص قلبها المنفرط، أراد أن يفرج عن ضجره ويكشف مكنون حزنه، غير أن الحروف استعصت وانحبست داخل جوفه كنقطة ماء بعد ظمأ، رفع وجهه المعتصر ليبدد مخاوفها رأفة بها، لكن الدموع كانت أقوى من أن تعود إلى محاجرها أو تقاوم، سألته مندهشة و الذهول يكتنف ملامحها: - «ما بك يا عبد الحميد. أراك على غير عادتك . ما بك أيها الزوج الحبيب. لقد أخفتني ؟!» غالبته سحابة كثيفة من دموع سائبة ساخنة، لم يتمالك نفسه، كطفل ارتمى في أحضانها يندب تعاسة حظه ويتمتم:
- «قلت لك لن تكوني زوجة سعيدة معي فالحظ العاثر يتعقبني. يلازمني. يترصدني.
ثم ارتفعت نبرة صوته:
- «كم مرة هممت لأرحل عن هذه البلاد. لماذا لم تتركيني وشأني؟ لماذا. ها النتيجة. قد قد رفضوني من العمل.»
لم تستوعب كلامه فأكمل مزبدا والشرر يتطاير من وجهه:
- «أبناء الكلاب. أرادوا أن أشاركهم وقاحتهم. وعندما رفضت. (يقهقه بهستيرية). أبناء الزنا، أستغفر الله العظيم. وعندما رفضت، لفقوا لي تهمة الرشوة والتزوير. حسبي الله ونعم الوكيل.
لكنني لست لصا حتى أقعد بينهم، وليس أبي وزيرا أو برلمانيا حتى أقايضهم. أولاد الحرام.»
وفجأة تملص منها ووقف حتى بدا كطود عظيم معلنا بحروف متقطعة لا تبرح حلقه المبحوح:
- «سامحيني لن أقرفص جنبك أولول كالنسوان. سوف. سوف أرحل. نعم لقد قررت. وداعا».
كم مر على فقدانه؟!
- «العمر كله»
تجيب نفسها والحجرة في شحوبها قابعة تتبخر، كم أحسست بألمه وانكساره، وحدها الآن تجوب شوارع المدينة المتعفرة، تبحث بين الدروب عن سرابه الهيولي، تتجرد من ضجيجها إلى لغة الصمت، تقود أشجانها إلى هاوية سحيقة، تردد حائرة سؤالها المرعب:
- «من أنا دونك؟!»
تجر أذيال خيبتها إلى ضفاف الشاطئ، تخط على فتات الرمال المبللة لهيبها المتأجج، تستحضر كلامه:
- «ليت لي عصا موسى حتى أشق في هذا البحر طريقا يوصلني إلى الضفة الأخرى. أريد أن أحقق ما أحلم به. أنظري هناك. أترين الأفق الرحب، هناك، حيث تغيب الشمس لتشرق مرة أخرى، فثمة السعادة. ثمة الحياة صدقيني. هناك!
تجري مسرعة. تخور قواها، تشم على التراب موطئ أقدامها، من هنا مرا يلامسان عبق الصخور، هنا التقيا أول مرة، هنا جلسا يتعاهدان، كلما اشتبكت أيديهما بعناق أبدي، تنهض وتجري في كل اتجاه، كمن أصابها مس، تقترب من الأمواج، تبلل شعرها المتفحم، والأفق يتلألأ أمامها، يغريها، تنظر وراءها حيث المباني كأشباح الظلام، تخطو، والموج يريد أن يلفظها من جوفه، لكنها صممت، وتصرخ:
- «انتظرني يا عبد الحميد. لن تخوض المستحيل وحدك. قد تواعدنا أتذكر. يا عبد الحميد. يا عبد..».
تخطو، ترتمي، تغوص في لجج الماء المتلاطم كفراشة تذروها الرياح، والبحر يمتد ثم يتراجع في سمفونية متناغمة، والطيف على التراب لا يزال منحوتا لم تبتلعه الأمواج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.