أن يصل الاهتمام بكرة القدم إلى ما وصله اليوم، وأن يبلغ بوار الكتب ما بلغه اليوم، فهذا أمر أتفهمه. وأن تتعطل الدراسة وتتوقف الإدارة ويعلق الإنتاج وتفرغ الشوارع والأزقة من البشر بسبب مباراة في كرة القدم، فهذا أمر أتفهمه خاصةً وأننا هنا بصدد الحديث عن الاستثناء وليس القاعدة. وأن تهيمن كرة القدم بشكل مطلق على باقي الرياضات إلى درجة التهام الأنشطة المرتبطة بها لمعظم ما يخصص للقطاع الرياضي من ميزانية، فهذا أمر أتفهمه على اعتبار أن الإثارة التي تخلقها المناورات الكروية غير قابلة للمقارنة مع الأجواء المرافقة لمنافسات حمل الأثقال أو كمال الأجسام مثلاً. وأن يصبح رئيس "الفيفا" بنفس درجة أهمية الأمين العام للأمم المتحدة، وأن يُخصص له استقبال الملوك ورؤساء الدول أينما حلَّ وارتحل، فهذا أمر أتفهمه. وأن تعادل مداخيل لاعب كبير واحد ميزانية بلدية محترمة، وأن توضع أمام وجهه عشرات الكاميرات وأمام فمه عشرات الميكروفونات لا لشيء سوى لإطلاع الجمهور على ملابسات إضاعته لإحدى الركلات الترجيحية، فهذا أمر أتفهمه. وأن تحلق أمة بأكملها في العلياء فرحاً بتلقيها خبر الموافقة على احتضانها لحدث دولي محترم من حجم "مونديال كرة القدم" أو "كأس أفريقيا للأمم" أو "كوباأمريكا"، وأن تعتبر نفسها محظوظة بسبب ما يعنيه ذلك من تشريف لها واعتراف بمكانتها بين الأمم، فهذا أمر أتفهمه. وأن تتجند الدولة التي رسا عليها الاختيار بمعظم مؤسساتها لتنظيم هذا الحدث بكل تفاصيله المالية واللوجستية والإدارية والتقنية والأمنية والإعلامية والرياضية وحتى التنشيطية ولو على حساب أولويات أخرى، فهذا أمر أتفهمه. وأن يكون المحتضنون على قناعة تامة بأن هذه فرصة إضافية ثمينة لتلميع صورة الوطن في عيون العالم ولتسويق رصيده الثقافي والحضاري، فهذا أمر أتفهمه. وأن يجتهد المنظرون في إفهام الناس بأن للساحرة المستديرة دوراً في تعزيز رمزية التلاحم بين أفراد الشعب ومنتخبهم الوطني، وبأنها أضحت رافعة من رافعات التنمية الشاملة وجسراً سحرياً ما فتئ يقرب الشعوب من بعضها البعض، وبأن دحرجتها والجري وراءها من شأنهما تعزيز سبل التعاون الدولي وإرساء قواعد السلم والمحبة بالقارات الخمس، فهذا أمر أتفهمه. وأن تُصرف أموال عمومية طائلة على التنفيذ والتسيير وعلى بناء ملاعب جديدة وتأهيل ملاعب قائمة إضافة إلى إحداث بنيات تحتية أخرى ذات الصلة، فهذا أمر أتفهمه خاصةً إذا ما علمنا بأن كل ما تم تشييده أو هو في طور التشييد سيشكل لا محالة إرثاً مادياً لا يُستهان به للأجيال القادمة. وأن تصل أثمان تذاكر ولوج الملاعب المحتضنة للمباريات المبرمجة إلى مستويات خيالية أحياناً، فهذا أمر أتفهمه على اعتبار أن ثمة دائماً جيوباً قادرة على مواجهة هذه التكاليف ما يفسر الحضور المكثف للجماهير في الكثير من المقابلات. وأن يُطلب من الشعوب المضيفة بكل فئاتها بأن تساعد على إنجاح الدورة من ساعة الترحيب بالمشاركين والزوار إلى حين توديعهم، فهذا أمر محمود ومعقول وأتفهمه. لكن ما لن أتفهمه ولن أفهمه ولن أستسيغه ولن أتقبله ما حييت هو حرمان أفراد الطبقات الفقيرة والمعوزة من إمكانية متابعة المباريات ببيوتهم دون قيد أو شرط كما كان عليه الأمر في السابق. أليس من الظلم أن نهيئهم للتظاهرات الكبيرة ثم نخذلهم في آخر لحظة بأن نبين لهم بأن المشاهدة حكر على من يدفع فقط بطريقة أو بأخرى؟ هل هذا هو جزاؤهم بعد سنوات من الانتظار؟ هل يعقل أن نمنعهم من الانغماس كلياً في الأعراس الكروية وخاصة عندما تقام هذه الأعراس على أرضهم؟ بأي منطق نحجب عنهم صور المقابلات – بما فيها المقابلات التي تكون فيها منتخباتهم الوطنية طرفاً – ونجعلهم يكتفون بمتابعة تغطية إعلامية فضفاضة لا تسمن ولا تغني من جوع أو نقترح عليهم جلسات شفوية مرتبطة بالحدث غالباً ما يؤمن تنشيطها محللون لا يجيدون غير شرح الواضحات؟ هل من المستساغ أن تكون من بين المدعوين إلى حفل زفاف لكن يُحظر عليك الاستماع إلى الموسيقى ولمس الحلويات والمأكولات والمشروبات ... وربما حتى النظر إلى وجه العروس؟؟؟ هل لكل شرائح المجتمع القدرة على مواجهة تكاليف الاشتراك في خدمات البث التلفزيوني المؤدى عنها أو على الأقل القدرة المادية على متابعة المباريات بالمقاهي أو من خلال شاشة الهاتف المحمول؟ وهل للجماعات الحضرية والقروية القدرة على إقامة "فان زون" في نهاية كل شارع أو في قلب كل قرية؟ وحتى إذا ما كان هذا ممكناً هل للجميع الاستعداد البدني لمتابعة المباريات في وضعية وقوف؟ ولكم طبعاً أن تتصوروا ما يخالج صدور الكثيرين من أحاسيس عندما يعلمون بأنه في الوقت الذي يسبح فيه المحظوظون في أجواء الإثارة الحقيقية وفي ظروف مريحة لا تجد القنوات الرياضية البائسة ما تقدمه لهم غير لقطات جد محدودة من نزالات انتهت ونشرت نتائجها سلفاً أو تسجيلات قديمة وبلا معنى لمباريات في كرة السلة أو كرة الماء أو لمسابقات في المسايفة أو الجيدو!!!! المشهد العام ينطوي على الكثير من الغبن وذلك منذ أن طفت إلى السطح في تسعينيات القرن الماضي (مع "الجزيرة الرياضية" بمنطقتنا على الأقل) فكرة بيع المباريات إلى جهة أو جهات ناقلة بإمكانيات مالية ضخمة على أن تتولى هذه الجهات مهمة بثها بوسائل جد متطورة على مختلف أنواع الشاشات المتوفرة اليوم وذلك مقابل اشتراك منتظم من غير المضمون انخراط الجميع فيه، وهذا إجراء إقصائي صارخ كان له ما بعده. هكذا إذن سرقت العديد من الاتحادات الكروية الوطنية والقارية الفرحة من وجوه عشاق الكرة البسطاء موقعة بذلك على سقوط إنساني مدوٍّ وارتماء غير مبرر في أحضان الرأسمالية المتوحشة بعدما نجحت ولمدة طويلة في تبني سياسة ديمقراطية واشتراكية بأن جعلت التقاط المباريات على شاشة التلفزيون في متناول الجميع مع التعويل في تغطية نفقاتها في المقام الأول على الدعم العمومي الوطني أو الدولي وإيرادات شبابيك التذاكر والدعاية التجارية لعشرات السلع والخدمات. حتى جهاز "الفيفا" لم يتردد في الانضمام إلى هذه الصفقة اللاأخلاقية. ففي عرف القائمين على شؤونه الاستجابة لمطامع المتاجرين بالأفراح أكثر مردودية من إسعاد ذوي الدخل المحدود علماً بأنه ليس في حاجة إلى تبني هذا الخيار اللاشعبي لكي يستمر في الوجود. الكُل اليوم في انتظار انطلاق صافرة "مونديال 2026′′، لكن هل سيكون للفقراء نصيب من أفراحه؟ أستبعد ذلك، وأقصى ما يمكن توقعه – كما جرت العادة – هو إقدام البلدان المشاركة على شراء حقوق بث مباريات منتخباتها الوطنية فقط ... اللهم إلا إذا ضغطت حكومات العالم على إمبراطورية إنفانتينو حتى تعود إلى رشدها وتضع بالتالي حَداً لهذه المهزلة التي لا شيء يثبت دورها في تطوير كرة القدم كرياضة. بهذه الكيفية إذن تحولت معبودة الجماهير إلى "بيزنس" في "بيزنس" ولا شيء غير "البيزنس"... ولولا الألطاف الإلهية لحُرم الكثير من المغاربة من أفراح "كان 2025′′، ذلك أن قرار شروع "الرياضية الأرضية" المغربية في بث ما تبقى من مباريات لم يصدر إلا بعد انطلاق منافسات الدورة التي سبق الإعلان عن بيع حقوق بثها لجهة ناقلة معروفة وبشكل حصري. إضافة ختامية: قام أحد صناع المحتوى قبل مدة بإنجاز شريط فيديو في غاية الظرف والسخرية والذكاء أظهر من خلاله حديقة افتراضية مجهزة بمجموعة من الكراسي الطويلة الثابتة والافتراضية أيضاً. المثير للانتباه أن سطح كل كرسي مزود بمسامير برؤوس علوية حادة وبالتالي لا يمكن الجلوس عليها من أجل الاسترخاء والاستمتاع بمكونات الحديقة إلا بعد اختفاء المسامير وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا بعد إقحام قطعة نقدية بثقب بآلة مثبتة بجانب كل كرسي!!!! وشخصياً لا أستبعد، إذا ما استمرت هذه المقاربة في التجذر واتسع نطاق تطبيقها، أن تعمد بعض الدول مستقبلاً إلى بيع الأوكسجين المتضمن في الهواء إلى شركة أو شركات متخصصة على أن تقوم هذه الأخيرة ببيعه للناس. إنها مقاربة الرأسمالية والرأسماليين لكل ما هو مجاني.