تشهد الحالة الجوية في المغرب استمرار سلسلة من الاضطرابات الجوية المتتالية؛ وهي وضعية علمية دقيقة يفسّرها أكاديميون في علوم المناخ والأرض بأنها تأتي "بناء على تحركات الكتل الهوائية والضغط الجوي في المحيط الأطلسي والقارة الأوروبية"؛ فيما جاءت مدعومة بالمعطيات الإنذارية الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية، بعد زوال اليوم الأربعاء. وتوقعت المديرية استمرار الطقس المضطرب الموسوم بظواهر جوية متداخلة في أجواء المملكة، خاصة استمرار التساقطات المطرية القوية التي تتوزع على فترتَين رئيسيتين، على أن تصل ذروتها نهاية الأسبوع الجاري. وينتظر، من الأربعاء إلى الخميس، زخات تتراوح بين 30 و50 ملم تشمل أقاليم وعمالات العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم والحسيمة وتطوان وطنجة ووزان وتاونات؛ بالإضافة إلى مناطق الأطلس مثل إفران وخنيفرة وبني ملال. ويومي الجمعة والسبت (23-24 يناير)، يُنتظر تسجيل أمطار جد قوية تتراوح بين 70 و100 ملم في مناطق واسعة تشمل طنجة وتطوان والعرائش وشفشاون ووزان وتازة وتاونات ومكناس وإفران، وصولا إلى أزيلال. كما نبهت إلى "تساقطات ثلجية" بسبب التبريد القطبي، ستشهدها المرتفعات التي يتجاوز علوها 1600 متر، مع كثافة في سُمكها. ولفت محمد سعيد قروق، أستاذ علم المناخ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى "استمرار الاضطرابات الجوية في التوالي على المغرب، مدفوعة بهواء قطبي بارد قادم من كندا". وأضاف قروق، ضمن إفادات توصلت بها هسبريس بناء على قراءته خريطة التوقعات والنماذج المناخية الأوروبية أساسا، أن "ثمة منخفضا جويا عميقا يتشكل جنوبإنجلترا؛ مما سيزيد من حدة هذه الاضطرابات"، داعيا بذلك إلى "مزيد من الحيطة والحذر واليقظة". وفي تحليله العلمي للأسباب الكامنة وراء هذه الاضطرابات وتأثيراتها المتوقعة، فإن الأستاذ الجامعي المتخصص في علم المناخ أبرز أن هناك عوامل مناخية كبرى عديدة لتفسير قوة واستمرارية هذه الحالة الجوية؛ حيث يتسبب تدفق الهواء القطبي الكندي عبر كتل هوائية باردة جدا من أصول قطبية انطلاقا من كندا باتجاه المحيط الأطلسي، مسجلا أن هذا الهواء البارد يعمل كمحرك رئيسي لتغذية وتنشيط الاضطرابات الجوية عند التقائه بالهواء الدافئ نسبيا فوق الأطلسي. أما المنخفض الجوي العميق، فيظهر من البيانات المناخية أنه "يتشكل حاليا منخفض جوي عميق في منطقة جنوبإنجلترا"؛ ذلك ما يعمل على جذب وتوجيه التيارات الهوائية المضطربة نحو الحوض المتوسطي وشمال إفريقيا، مما يزيد من "حدة وفعالية" التقلبات الجوية الموجّهة للمغرب. وفق علي شرود، الأستاذ الجامعي في تخصص جيو-ديناميات الأرض والبيئة، تؤشر الحالة الجوية الراهنة في المغرب على تحول مناخي استثنائي ينهي سلسلة سنوات من الجفاف والحرارة المرتفعة، حيث تشهد المنطقة توالي منخفضات جوية عميقة ومؤثرة "تتجاوز في قوتها التقلبات العابرة". وأضاف شرود، ضمن تصريح لهسبريس، أن "هذه الاضطرابات تتنوع بين منخفضات أطلسية قادمة من الغرب، وأخرى شمالية باردة تعبر المتوسط انطلاقا من إنجلترا وفرنسا وشبه الجزيرة الإيبيرية؛ مما يتسبب في تساقطات مطرية وثلجية تفوق المعدلات المعتادة وانخفاض حاد في درجات الحرارة يشمل المغرب وجيرانه في أوروبا". ويعود أصل هذه البرودة القاسية، مجيبا عن أسئلة الجريدة، إلى "كتل هوائية قطبية حقيقية تندفع من القطب الشمالي وكندا، وتنتقل بسرعة كبيرة بفعل الرياح التي تقطع بها آلاف الكيلومترات لتصل إلى المغرب في غضون أيام قليلة". وزاد الأستاذ الجامعي في تخصص جيو-ديناميات الأرض والبيئة شارحا: "بينما يستغرق الهواء القطبي الكندي وقتا أطول للوصول إلى السواحل المغربية مقارنة بتأثيره المباشر على شرق أمريكا، فإنه يظل المحرك الأساسي لهذه التقلبات الجوية العميقة التي تفرض مستوى يقظة مرتفع نظرا لسرعة وقوة هبات الرياح المرافقة لها". وختم شرود متحدثا في سياق علمي "أوسع"؛ إذ يرتبط هذا الانخفاض الملموس في الحرارة ب"متغيرات كونية داخل غلاف الأوزون"، خالصا إلى أن "هذه السنة تمثل عودة فعلية لدورات مناخية باردة ورطبة افتقدتها المنطقة لسنوات طويلة. وعلى الرغم من أن هذه المنخفضات قد لا تصل إلى مستوى العواصف العنيفة التي تضرب أمريكا الشمالية، فإنها تظل ذات تأثير عميق ومباشر على المناخ المغربي، مدفوعة بمنظومة رياح عالمية تعيد توجيه الهواء القطبي نحو الحوض المتوسطي"، بتعبيره.