أي موقع لشيوخ التعليم في المدرسة الجديدة؟ بدأ الحديث عن هذه الفئة من رجال ونساء التعليم، في سياق الترقي المهني عبر الدرجات، والسلم 11 خصوصًا، تحت مسمى "ضحايا النظامين". الذين لم تسعفهم الإقامة الطويلة في الفرعيات الجبلية والسهلية، الجافة والشديدة البرودة عبر جغرافيا المغرب العميق، لنحت الحروف وترصيص الأفكار، في الظفر بغنيمة الترقي إلى الدرجة الأولى. ومع مرور الزمن، حيث تم تشبيب القطاع بشكل كبير، وظهور الفارق الكبير بين أجيال من الأساتذة على أكثر من مستوى: نمط التفكير والمهارات، كذا القيم، التي من سننها التغيير والتبدل مع الزمن. ثم توسعت الصفة لتشمل موصوفين طال بهم أمد معانقة الطبشورة والسبورة، مهما كان ترتيبهم في سلالم الأجر. الممارسة التربوية في عاصفة التغيير: وتبعًا لقدمهم في أسلاك المهنة، خاضوا غمار نماذج بيداغوجية وإصلاحات تربوية التي خضعت لها المنظومة ولا زالت. ولم تكن كفاءة الأستاذ يومًا محط تساؤل، ولا تلكؤه في الانخراط الفعال في كل تجربة جديدة محل تشكيك أو تبخيس. فقدرتهم البيداغوجية جاهزة، والخزانة المعرفية ثرية، يغني هذا وذاك التجربة العملية، والحس الوطني العالي الذي يتحلون به، فلقد آمنوا أن التعليم رسالة وفعل نضالي، قبل أن يكون مصدر رزق وكفى. وكان يمثل في حينها رصيدًا كافيًا للنجاح المهني، وقيادة الأجيال نحو النجاح والتألق. قبل أن تجري سيول "النت" فتعصف بهذا السمت المهني، وتجرفه بعيدًا عن دائرة القرطاس والقلم، بظهور جيل جديد، اتخذ النت الوسيلة الأولى للتعليم والترفيه والعمل و... ومن نافلة الإشارة، إلى ما يتطلبه الأمر من قدرة على ترويض الأزرار، وإتقان فن الانزلاق على الشاشات. وهي مهارات تحتاج إلى دربة، وطراوة ذهن. وهكذا أصبحت التقنية الطريق السيار نحو المعرفة، والعمود الفقري للممارسة المهنية بشكل غير مسبوق. وستبلغ القطيعة مداها مع المألوف والموروث المهني، في المدرسة الجديدة. حيث اعتماد الرقمنة شكلاً ومضمونًا، الأسلوب البيداغوجي المعتمد. إعدادًا وتقديمًا للحصص الدراسية، وتقويمًا ومسكًا للنتائج. الشيء الذي طرح تحدّيًا لم يكن مألوفًا حِينًا من الدهر، ففتح كتاب، واحتضان ورقة وقلم، عدة كافية للاعتكاف لتحضير الدرس، ثم معانقة السبورة والطبشورة لتقديمه. مسلَّمة درج عليها الأستاذ منذ أن كان متعلِّمًا، وذاكرته تحتفظ بالكثير من الممارسات الأستاذية، يستلهم المشرق منها، ويبذل قصارى الجهد حتى لا يكون نسخة للكالح مهما قل. فما العمل حينما سيتم الانقلاب على كل هذا؟ العقيدة البيداغوجية التقليدية تحت القصف الرقمي: شكلت طفرة الانتقال من الورقي إلى الرقمي، حاجزًا حقيقيًّا للانخراط بسلاسة وأريحية في البيداغوجية الجديدة. فمن تيسرت له سبل تجاوز هذا التحدي بمجهوده الشخصي وإمكانياته الذاتية، فهو ينتظر مقدم يوم تقاعده على أحر من الجمر. ليتخلص من عبء المقارنات بين الأمس واليوم، فالذاكرة مثخنة بتاريخ من الممارسات المهنية، لم يشفع الجديد في إقناعه بانتهاء صلاحياتها، بل تزيد من تشبثه بكل القديم الذي ورثه. ولا يفتأ يضرب المثل في فعاليته في ترويض الحرف والكلمة وبناء النص المحكم البنيان. وقدرته على إكساب المتعلم نصيبًا معرفيًّا وافرًا، وقناعات قيمية لا تخطئها عين كل متتبع، يلاحظ مدى المعاناة التي تُكابد لتحقيق الحد أدنى من مبادئ القراءة والكتابة والحساب. هي تعلمات أصبحت رهان منظومة تُضرب في سبيل اكتسابها أكباد الإبل، وتسخر في سبيلها أحدث العتاد، بمبالغ مرتفعة العدد. إن المسألة لا تتعلق فقط بتغيير أدوات الاشتغال، وإعادة تأويل المهام التربوية خارج المألوف، بل تغيير عقيدة بيداغوجية نُسجت مبادئها على قاعدة "الأستاذ سيد قسمه"، ومستقل في تدبير تفاعلاته المعرفية والعاطفية، واختيار المضامين، وانتقاء الأساليب الموصلة إلى المقصود، في إطار نسق منضبط ومستقر. اكتسب أبجدياته الأولى من أدبيات فلسفة التربية وعلومها التي فتح عينيه المهنية عليها. هي عقيدة أصبحت الآن موضع مساءلة بل إلغاء، حيث المطلوب الاستعداد الدائم للانتقال من طرح بيداغوجي إلى آخر، خارج الأنماط الموروثة، على مستوى السلطة التربوية، الزمن البيداغوجي، تعدد الإيقاعات، مع صعوبة الضبط والتوقع، ... في زمن أصبحت المنصات الإلكترونية والفضاءات الافتراضية مهوى الأفئدة، وملجأ كل طالب لمعلومة أو مهارة. ولم تنج الممارسة التربوية والتعليمية من قبضة سطوتها. فقد مضى زمن المراسلات الورقية، والمذكرات التي يحملها الحارس إلى القسم للاطلاع على مستجدات المهنة. والمرجع الديداكتيكي الحامل لكل التوجيهات البيداغوجية، والأرضية المثلى لإعداد الدرس وتخطيط الأنشطة. فحل بدل ذلك كله، النقر والتحميل و("ميز أجور") و"الوورد" و"الباوربوينت" ... إلى "شات جي بي تي" و"جيمينين" ... والمستقبل ما فتئ يبشر بمزيد من فتوحات 0 و1. الشيء الذي يفقد الممارسة التربوية والتعليمية «اعتمادها الحصري على الحضور الجسدي، ... لتُقاس بقدرة المدرس على التكيف مع إيقاعات زمنية متشظية، ومنطق تقييم شبه خوارزمي، يغلب سرعة الاستجابة وتواتر التفاعل على منطق المعالجة». على سبيل الختم: إن التكيف مع الجديد، قرار لا يُتخذ، إلا إذا حاز الوضع الجديد كل شروط المشروعية، ودواعي الضرورة المبررة لتنزيله، الكفيلة ببث الثقة، والانخراط بحماس يليق بضمان نجاحه. والحال أن الفئة المتحدث عنها، قد عاصرت تقليعات إصلاحية، اللاحقة تنسف السابقة، وإن لم تخضع لتقييم، وبعضها لم يصل إلى منتهاه، بل لم يبرح منصة إقلاعه. الشيء الذي ورَّث ثقافة الشك في الجديد، وأنه مجرد موجة وسيخمد زبدها بعد حين، كما كان الحال مع بيداغوجيا الإدماج، ولا زال الأمل معقودًا في أن تلقى المدرسة الجديدة نفس المصير لدى عدد غير قليل. الذين وجب التفكير في تخفيف العبء عنهم، وتكليفهم بمهام خارج الفصل الدراسي، رحمة بهم، وضمانًا لنجاح مشروع لم يستشاروا في التخطيط له وإقراره.