تشهد واشنطن حراكًا متسارعًا على صعيد العلاقات الدولية، حيث تعيد وضع العالم في صدارة أولوياتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تتجاوز الولاياتالمتحدة هذه المرة أدوات الضغط التقليدية المتمثلة في العقوبات، لتفتح آفاقًا جديدة تتمحور حول مبادرات وصفقات اقتصادية محتملة، قد تُسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية على نطاق واسع. وفي مشهد يعكس تداخل المصالح الجيوسياسية مع عقلية إدارة الأعمال، تبرز ملامح مرحلة جديدة من الهيمنة يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تتحول طموحات التوسع وأوهام "الزعيم الأوحد" إلى منظمة دولية مثيرة للجدل تُدعى "مجلس السلام العالمي" (Board of Peace). هذا الكيان، الذي أطلقه ترامب من منتدى "دافوس" الاقتصادي، لا يبدو مجرد مبادرة دبلوماسية، بل هو محاولة صريحة لخصخصة السلام العالمي وتحويله إلى "بيزنس" سياسي نفعي. هيكلية شركة لا منظمة دولية: يرتكز "مجلس السلام" على فلسفة مفادها أن السلام شأنٌ يخص رجال الأعمال لا الدبلوماسيين؛ فالقرار لا يُصنع في أروقة الأممالمتحدة، بل في "مجلس إدارة" يمتلك فيه ترامب حق النقض المطلق ورئاسة مدى الحياة. إنه مبادرة شخصية فردية للرئيس الأميركي المهووس بالنزعة التوسعية وأسلوب الصفقة في إدارة أعمال العلاقات الدولية، وبالتالي فهو ليس منظمة دولية وفقًا للمفهوم المتعارف عليه في أدبيات القانون الدولي، حيث ان المجلس يفتقر الى الأجهزة والهياكل وعنصر الديمومة والاستمرار. وتكشف آليات عمل المجلس عن طابع استثماري نفعي بحت؛ حيث يتطلب الحصول على مقعد دائم دفع "اشتراك" سنوي قدره مليار دولار، مما يحوله إلى نادٍ حصري للأثرياء، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدول التي تفتقر لهذه السيولة على حماية سيادتها أو إسماع صوتها. كما يطرح سؤال حول قدرة المجلس على تحقيق أهدافه، في ظل غياب دول كبرى وازنة مثل إسبانيا وبريطانيا وكندا عن حفل التوقيع، في حين جرى تهميش السلطة الفلسطينية وسط غموض حول طبيعة التفويض. تقويض الشرعية الدولية: بينما يروج ترامب لهذا المجلس كبديل فعال للأمم المتحدة ومنظمات مثل "ميركوسور" والاتحاد الأوروبي، فإنه من الناحية الواقعية لا يعدو أن يكون سوى أداة لتعميق الهيمنة الأمريكية. تفويض المجلس سيظل محصورا بملف غزة فقط وينتهي عام 2027، وذلك خلافًا لما روّج له ترامب عن كونه بديلاً دائمًا للأمم المتحدة. فالمجلس يتبنى "الوصاية" على الدول المستفيدة، تماماً كما تتدخل مجالس إدارة الشركات في استراتيجيات فروعها. ويظهر هذا بوضوح في ملفي غزة وأوكرانيا؛ حيث يسعى المجلس لإعادة صياغة هذه الأزمات خارج إطار الشرعية الدولية، وبعيداً عن قرارات مجلس الأمن (مثل القرار 2803)، مما يخدم مصالح الممولين والوسطاء المنصبين ذاتياً. مخاطر "السلام كسلعة": تقوم عقيدة ترامب على مبدأ ومفهوم الصفقة في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية، ويرتكز على أن حجم انخراط أمريكا في قضايا العالم، ومنطقة الشرق الأوسط تحديداً، سوف يرتبط بمقدار ما تحققه من منافع اقتصادية للولايات المتحدة، خصوصا في ظل سعي واشنطن على البحث عن المعادن النادرة ولو كان ذلك على حساب السيادة الوطنية للدول (غرينلاند وفنزويلا) وبالتالي تتلخص توجهات الرئيس الأمريكي في عبارة "التعامل مع السياسة كبيزنس" دون أي احترام للقواعد المعيارية التي أساها القانون الدولي. إن الامتحان الحقيقي لهذا الكيان سيكون في قدرته على تحقيق استقرار دائم، وهو أمر مشكوك فيه؛ إذ إن السلام في منظور هذا المجلس هو "ميزان قوى" مستقر لصالح القوي، وليس تسوية عادلة لصالح الشعوب. فالدول الأعضاء ستطالب حتماً ب "عائد على الاستثمار" مقابل خدماتها، سواء عبر مكاسب ترابية، أو احتكار أسواق إعادة الإعمار، أو مكاسب معنوية كالسعي خلف جائزة نوبل للسلام. في الختام، يضعنا "مجلس السلام" أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن الوثوق بجهة تهين قواعد القانون الدولي وتنسحب من المعاهدات والاتفاقيات الدولية لتقود السلام العالمي؟ إن الفجوة بين "صنع السلام عبر التجارة" وبين "تحويل السلام إلى تجارة" هي الفجوة ذاتها التي تهدد بانهيار ما تبقى من نظام دولي قائم على العدالة والسيادة، ليحل محله نظام "الدركي المستثمر". – أستاذ العلاقات الدولية، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب