بعيدا عن نتائج المباريات التي عرفتها دورة الكان التي نظمت ببلادنا...وبعيدا عن الخطط والتكتيكات التي اعتمدها كل مدرب لتحقيق الانتصار أو للخروج بأقل الخسائر...وبعيدا عمن فاز بالكأس، ومن خسر النهائي... ومن الفائز الحقيقي... إن ما استوقفني هي تلك الثنائية الأبدية الأزلية: ثنائية الخير والشر...بين عالم الحقيقة والعالم الآخر... كان المغرب الحالم حاث السير بلا كلل من أجل الرقي بصورة القارة الإفريقية، والعالم العربي من خلال إنجاز منشآت رياضية بمعايير دولية...بنية تحتية تجاوزت المألوف في القارة الإفريقية...فنادق ووسائل نقل ذات جودة استثنائية...شعب مغربي مشبع بالتقاليد والقيم المغربية الأصيلة... حسن استقبال وضيافة...جمهور عاشق لكرة القدم...طاقات بشرية مؤهلة وذات تكوين عال رسمية ومتطوعة جندت، ليل نهار، لضمان حسن تنظيم هذه التظاهرة القارية... النتيجة لم تخرج عن المألوف...إشادة دولية واسعة بالمجهود الكبير لمغرب حالم...مغرب يقود القارة الإفريقية إلى مصاف الأمم الراقية ...مغرب النجاحات المتواصلة على جميع المستويات اعتمادا على رأسماله البشري...بقيادة ملك مشهود له ببعد النظر، وعالم بمآلات الأمور... النتيجة احترمت أيضا ثنائية الخير والشر...عالم آخر بل عوالم أخرى هذه المرة ...بألوان مختلفة ...منها الداكنة ومنها المائلة للسواد، وأخرى مغرقة في السوداوية ... عوالم أخرى ولدت في لحظة سهو من ضمائرها من قران شيطاني غير مبارك...تناسلت بسرعة البرق مشكلة جحافل جراد مسعورة مستعدة لقضم كل ما هو جميل فيك يا وطني... كنا نعتقد -قبل الكان-أن هذه العوالم الأخرى اللقيطة تملك عقلا تميز به بين القيم النبيلة والدناءة...بين الحق والباطل...بين الشهامة والنذالة...بين الرفعة والوضاعة...لكنها غيرت لون جلدها كحرباء ماكرة ألفت العيش في مستنقع القاذورات... انطلقت مباريات الكان...فكان ما كان...ولي العهد الأمير مولاي الحسن يعطي انطلاقة المسابقة في مشهد مبارك بأمطار خير جاد بها رب العالمين على هذا البلد الأمين...وانتصار على جزر القمر...واحتفالية شعب مضياف ...فكان العالم لحظتها خير شاهد على ما حققه المغرب الحالم... كنا نعتقد أن البطولة ليست مجرد مجموعة من المقابلات في كرة القدم تنتهي بفوز فريق بكأس وحفنة نقود ويضاف أمام اسم المتوج رقم جديد في لائحة المتوجين... كنا نعتقد أن البطولة حفل تكريم رمزي للقارة الإفريقية بأكملها...لمن حضر ولمن غاب عن هذه الدورة... كنا نعتقد أن المغرب الحالم حرر شعوب إفريقيا للمرة الثانية من نظرة الدونية التي التصقت بهم منذ زمن الرق الأول، مع شعوب الهكسوس مرورا بآل عثمان، جبابرة الأناضول، وصولا إلى غزاة أوروبا المتحضرة كنا نعتقد أن المغرب الحالم فتح قلبه الكبير لاحتضان آلام وآمال شعوب إفريقيا، عربها وعجمها، وخفف من مرارة شعورها الدائم بالغبن والدونية... لكن رسائل البريد السريع جاءتنا من بعض أسواق النخاسة...لم يتمالك القوم أنفسهم من حجم استثمارات المغرب الحالم التي شملت البشر والحجر...قيم وشيم ...رقي وحضارة...ومنشآت تبهر الناظر...فتبولوا في المدرجات من عوراتهم بلا حياء، كما تبولوا من أفواههم بعبارات قبح على قنواتهم الرسمية... واستمرت الجهالة مع صاحب السبع... حفيد آل فرعون...أرعد وأزبد وقال كفرا...القطر والناموس والبنسيون هم من سجلوا أهداف الخسران المبين في مرمى أم الدنيا... واستمرت النيران الصديقة موجهة للمغرب الحالم من كل حدب وصوب...فحاولوا إفساد مباراة النهاية...أمام العالمين...غير آبهين بمن حضر من رموز المملكة المغربية الشريفة، ومن مسؤولي كرة القدم على المستوى العالمي...معتقدين أنهم بذلك سيوقفون مسيرة المغرب الحالم ...ألا بعدا لهم... نلتمس لهم الأعذار ...فهم أقوام رفع عنهم القلم...ولا يعلمون علم اليقين أن المملكة المغربية الشريفة قادرة بقيادتها الحكيمة، وشعبها الوفي لمقدساته، ومؤسساتها القائمة على تدبير الشأن العام، على مواصلة رحلة تحقيق أحلامها...غير آبهة بنباح كلاب دولة الشرق الضالة...ولا بحقد حساد القارة... وفي الختام أعيد طرح سؤال الفيلسوف الأمريكي توماس ناجيل، الذي طرحه في سبعينات القرن الماضي، حول إشكاليات الوعي، والذي مفاده: كيف يكون الحال لو كنت خفاشا؟ ...نمشي حفاة على الجراح...وحين نتألم... يعلو صوت الوطن ...فنواصل...هنا وطن...