وأنا جالس في مقهى عمومي بمدينة مكناس أحتسي كأس شاي واتصفح بعض مواقع الاخبار، التقطت أذناي حوارا بين رجلين على الطاولة المجاورة. قال الأول بنبرة غاضبة: "جميع الأطباء لصوص، لا يفكرون إلا في المال". أوضح أنه قصد طبيباً خاصاً بسبب الم في جهازه الهضمي، وكانت قاعة الانتظار ممتلئة عن آخرها، واضطر إلى الانتظار أكثر من ثلاث ساعات قبل أن يدخل. ويقول آنه عندما حان دوره، لم يقضِ معه الطبيب أكثر من عشرة دقائق، وصف له أكثر من أربعة أدوية، وطلب منه أن يجري تحاليل دم ويعود بعد أسبوعين. سأله صديقه عن المرض الذي يعاني منه فأجابه أنه لا يدري لأن الطبيب، حسب قوله، لم يشرح او يوضح حالته. قال وهو يغلي غضبا ان بين اجرة الطبيب والدواء وتحاليل الدم دفع ما يقارب 2700 درهم. الرجل الثاني اكتفى بالاستماع، ثم شارك بدوره تجربته مع القطاع الحكومي. قال إنه منذ شهرين قصد مستشفى عمومياً بسبب مشكلة صحية لزوجته، لكن الإجراءات كانت طويلة، والتواصل مختصراً، ولم يشعر بأن أحداً أخذ الوقت الكافي لفهم حالتها أو شرح وضعها الصحي. ثم ختم حديثه بجملة لافتة: " أنا لم أعد أثق في الأطباء ولا في المنظومة الصحية برمتها". هذا الحوار العابر، لكنه صادق، يعكس مزاجاً عاماً متنامياً: تآكل الثقة بين المريض والطبيب في المغرب، في القطاعين الخاص والعام على السواء. في القطاع الخاص، يتغذى هذا الشعور حين تتحول الزيارة الطبية في نظر المريض إلى علاقة سريعة تتبع منطق الكمّ لا الكيف. الانتظار الطويل، التشخيص الخاطف، وصف أدوية متعددة، وطلب فحوصات متكررة، يترك انطباعاً بأن الربح أصبح أولوية على حساب صحة المريض، حتى وإن لم يكن هذا حال جميع الأطباء. ويزداد الإحساس بالشك حين يعلم المريض أن بعض الأطباء يستقبلون عشرات المرضى في اليوم الواحد. أخلاقياً ومهنياً، يصعب الدفاع عن ممارسة طبية بهذا الإيقاع، فالطب ليس خدمة سريعة، بل فعل إنساني وعلمي يتطلب الإنصات، والتشخيص الدقيق، وشرح الخيارات العلاجية. أما في القطاع العمومي، فالصورة تختلف في الشكل لا في الجوهر. هنا لا يتعلق الأمر بمنطق الربح، بل بانهاك المنظومة الصحية نفسها. اكتظاظ المستشفيات، نقص الموارد البشرية والتجهيزات، وضغط الوقت، كلها عوامل تجعل الطبيب عاجزاً عن تخصيص ما يكفي من الوقت لكل مريض، حتى مع الكفاءة وحسن النية. روى لي أحد الاشخاص قصة أخته، طبيبة في قسم المستعجلات بأحد المستشفيات العمومية، التي أصيبت بانهيار عصبي بعد فترة من العمل المتواصل، لأنها كانت تستقبل ما يقارب ثمانين مريضاً في اليوم الواحد في ظروف صعبة، وتحت ضغط نفسي هائل ومسؤولية ثقيلة تتعلق بأرواح بشرية. هذه القصة لا تبرر أي تقصير، لكنها تكشف الوجه الآخر للأزمة: طبيب مُنهك، يعمل في ظروف قاسية، يُطالَب بالكمال في واقع لا يسمح حتى بالحد الأدنى. غير أن ما يجمع بين القطاعين، أكثر من أي عامل آخر، هو ضعف التواصل بين المريض والطبيب. كثير من المرضى يخرجون من زيارة الطبيب وهم لا يعرفون طبيعة مرضهم، ولا سبب الأدوية، ولا مدة العلاج، ليس لأنهم غير مهتمين، بل لأن الشرح لم يكن كافياً أو لم يكن بلغة يفهمونها. يزداد هذا الضعف تعقيداً بسبب الحاجز اللغوي. التكوين الطبي في المغرب يتم أساساً باللغة الفرنسية، وهي لغة علمية دقيقة، لكنها ليست لغة التواصل اليومي لغالبية المواطنين. كثير من الأطباء يجدون صعوبة في ترجمة المفاهيم الطبية إلى العامية المغربية بطريقة مبسطة وواضحة، خاصة تحت ضغط الوقت وكثرة المرضى. ويتضاعف الإشكال حين يكون المريض لا يتقن لا الفرنسية ولا حتى العامية، كما هو الحال لدى بعض المرضى القادمين من مناطق ناطقة بالأمازيغية، فيصبح التواصل شبه منعدم، رغم حسن نية الطرفين. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن عدداً من المرضى يعانون من ضعف في المستوى التعليمي أو في الثقافة الصحية، ما يجعل فهم المصطلحات الطبية، حتى حين تُشرح، أمراً صعباً. هذا التفاوت المعرفي يخلق سوء فهم متبادلاً: طبيب يعتقد أنه شرح بما فيه الكفاية، ومريض يشعر بأنه لم يفهم شيئاً، فيغادر وهو محمّل بالقلق والشك. وقد بلغ انعدام الثقة في بعض الحالات مستوى أخطر، حيث لم يعد الشك مقتصراً على ضعف الشرح أو سرعة الفحص، بل امتدّ إلى جوهر القرار الطبي نفسه. كثير من المرضى باتوا يعتقدون أن طلب التحاليل، أو الفحوصات الإشعاعية، بل وحتى التدخلات الجراحية، لا تحكمه الضرورة الطبية، وإنما دوافع مادية. هذا الاعتقاد، سواء كان ناتجاً عن تجارب فردية أو عن تعميم مبالغ فيه، يعكس درجة خطيرة من القطيعة النفسية بين الطرفين، وقد يدفع المريض إلى رفض فحص أو تأجيل تدخل ضروري للحياة. وفي هذا المناخ، لم يعد التحليل أداة تشخيص، ولا الجراحة خياراً علاجياً، بل أصبح في نظر بعض المرضى دليلاً على الاستغلال. والأخطر أن تطبيع فقدان الثقة يُفرغ الممارسة الطبية من بعدها الإنساني، ويحوّل الطبيب إلى متهم دائم، والمريض إلى قلق دائم. ومع الزمن، لا يعود أي إصلاح تقني أو مادي كافياً، لأن ما انهار ليس فقط البنية أو الموارد، بل لغة الحوار نفسها. ختاما، إن إنقاذ الثقة اليوم لم يعد رفاهية أخلاقية، بل ضرورة صحية عاجلة. فإما أن يُعاد الاعتبار للتواصل، للشرح، وللاحترام المتبادل داخل العيادة والمستشفى، أو سنجد أنفسنا أمام منظومة علاجية قائمة شكلياً، لكنها فاقدة لروحها. وحين يفقد الطب روحه، يصبح المرض أكثر من مجرد خلل جسدي... بل أزمة مجتمع بأكمله. -أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي – معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة