هل تقاوم الجزائر إغراء المبادرة الأطلسية؟ يتجه العالم نحو توازنات جديدة، تُعاد فيها هيكلة العلاقات الدولية، سياق يتميز بتنافس متزايد حول مناطق النفوذ ومصادر الثروة. يأخذ هذا التنافس أحياناً طابعاً حاداً، حيث تسعى قوى كبرى، في مقدمتها "أمريكا الترامبية" إلى توسيع نطاق نفوذها في مناطق استراتيجية مثل غرينلاند. في المقابل، انخرطت روسيا، بصفتها وريثة الاتحاد السوفياتي، مبكراً في حرب توسعية تقوم على فكرة المجال الحيوي. أما الصين فتواصل تسربها الاقتصادي الهادئ، باعتباره مدخلاً لرسم خريطة النفوذ السياسي والمعادلات العسكرية الجديدة. غرب إفريقيا.. بوابة خلفية للمحيط الأطلسي أدى الحضور المتنامي للصين وروسيا، بثقلهما الاقتصادي ومقارباتهما البراغماتية، إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ التقليدية داخل القارة الإفريقية، ما دفع القوى الغربية، وعلى رأسها الولاياتالمتحدة، إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في القارة. وقد تُرجم هذا التحول، خلال المرحلة الترامبية، إلى سياسيات استنفار استراتيجي تهدف إلى تطويق النفوذ الصيني المتنامي، وتوسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل المواقع الاستراتيجية ومناطق الثروات الطبيعية حسب منظور الإدارة الأمريكيةالجديدة. يحتل غرب إفريقيا موقعاً مركزياً ضمن اهتمامات القوى الكبرى، باعتباره مجالاً أطلسياً مفتوحاً على القوى الأطلسية الغربية، كما يضم الإقليم دولاً حبيسة غنية بالموارد الطاقية والمعدنية، الشيء الذي يعزز الأهميته الاقتصادية والجيوسياسية للإقليم، بشكل يستدعي الاستثمار في منصات دولية لتصدير هذه الموارد. يتطلب استثمار استراتيجي بهذا الحجم توفر دولة مستقرة وموثوقة، مندمجة في النظام الاقتصادي العالمي، يتوفر المغرب، إلى حد كبير، على هذه الشروط، غير أن استمرار النزاع الإقليمي حول الصحراء، يظل عاملاً معيقاً لاستكمال هذا الدور الإقليمي. الحركات الانفصالية.. من إقليم الصحراء إلى إقليم أزواد أمام هذه التحولات الكبرى والحسابات الجيوسياسية، تبرز المبادرة الأطلسية، التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2023، كخطة استراتيجية تسعى من جهة إلى تنظيم التنافس الدولي حول الموارد والمواقع الإفريقية، وتُساهم من جهة ثانية في فك العزلة الجغرافية لدول الساحل عبر ربطها بموانئ أطلسية آمنة، ويرتبط تنزيل هذا المشروع بإيجاد تسوية لملف الصحراء المغربية أو ما يُعرف أمميا ب"الصحراء الغربية". وفق المنظور البراغماتي، تبدو مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، الخيار الأكثر قابلية للتنفيذ في السياق الدولي الراهن، وذلك لسببين أساسيين؛ الأول هو الاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي الذي يميز المغرب وقدرته على تشبيك العلاقات الدولية مع ضمان توازن المصالح الدولية. أما السبب الثاني فيتمثل في اعتبار فصل المغرب عن الصحراء، مغامرة سياسية لها عواقبها الأمنية والاقتصادية، إذ تُظهر بعض التجارب الدولية مثل السودان، أن تقسيم الدول لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار السياسي المأمول، بل يمكنه أن يكون منطلقا لحركات انفصالية جديدة بدول مجاورة. تطالب "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، باستقلال الإقليم عن مالي، حدوث ذلك يمكن أن يؤدي إلى اشتعال حدود دول الساحل والصحراء بشكل أشد مما هي عليه الآن، وطبعا ستعيق هذه التوترات الأمنية تنزيل الطموحات الجيواستراتيجية لدول المنطقة ولشركائهم الجدد، واقع قد يخلق بيئة أكثر هشاشة تسمح بتمدد الجماعات المسلحة العابرة للحدود، والمهددة لحقول النفط والغاز والمناجم. يُحتمل أن يؤدي "انفصال أزواد عن مالي" إلى إعادة تشكيل التحالفات الإثنية في المنطقة، وربما يُحفز قادة "الطوارق" على التفكير في جمع الشتات الإثني خلف الحدود، وهكذا يمكن أن تبرز مشاكل حدودية جديد بين الكيان المستقل وجواره، لأن هذه المجموعة الإثنية لا تمتد بشكل مستقيم، كالحدود الموروثة عن الاستعمار، بل تمتد وفق منطق الترحال التاريخي والاستقرار المتأخر. يمتد الطوارق بشمال مالي، غرب النيجر وجنوب الجزائر أيضا، وهذا هو الأساس الذي يدفع الجزائر للدفاع عن وحدة الأراضي المالية، التي ستصبح مُهددة إذا نجح كيان مجاور "جبهة البوليساريو" في تحقيق مشروعه الانفصالي. تقرير المصير.. من الحق في الاستقلال إلى الحق في التنمية تفرض القراءة الاستشرافية للتحولات الدولية الراهنة تغليب منطق البراغماتية الاقتصادية والواقعية السياسية والاستراتيجية، موقف يؤمن بتكامل المصالح وفرص الرخاء المشترك، ينظر للدولة كامتداد تاريخي ومجال مستقر أمنيا يسعى لتحقيق تنمية عابرة للحدود، وليس توترات سياسية عسكرية شاملة للحدود. تُرجم هذا الموقف الدولي في اعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 يوم 31 أكتوبر 2025، الذي يمثل تطورا هاما ومنعطفا نوعيا في مسار ملف الصحراء، حيث نص القرار بوضوح على أن "الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية" يُشكل الخيار الأكثر واقعية ومصداقية، وبالتالي نحن أمام خارطة طريق واقعية، تحظى بدعم متزايد داخل المنتظم الدولي، ولعل موقف الأخير للاتحاد الأوربي (27 دولة)، خلال الدورة 15 لمجلس الشراكة المغربية الأوربية، يعبر بوضوح عن أهمية القرار ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي. انطلاقا مما سبق، يمكن اعتبار أن القرار الداعم لمغربية الصحراء هو بمثابة إشارة أممية حمراء لكل الحركات الانفصالية ومشاريع إعادة تقسيم الدول، وبذلك يؤكد المنتظم الدولي أن خطاب تقرير المصير في طريقه للانتقال من الحقل السياسي، أي حق تأسيس دولة مستقلة، إلى الحقل الاقتصادي أي الحق في التنمية. هل تستمر الجزائر في تجاهل المصالح الدولية ضمن هذه الدينامية الدولية، تتمسك الجزائر وفق خبراء، بمشاريع سياسية تشكلت ضمن سياق الحرب الباردة، أظهرت التجارب عجز هذه المشاريع على تحقيق السلم الإقليمي والنمو الاقتصادي. يُسهم هذا التوجه وفق مراقبين، في عرقلة جهود إحياء الاتحاد المغاربي، ويحد من فرص تعزيز التعاون الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا. أثر هذا الموقف الرافض للشرعية الدولية، على طبيعة عمل الديبلوماسية الجزائرية، التي دخلت نفق الانفعال السياسي، باتخاذها إجراءات أحادية الجانب – رود فعل متسرعة، من فرنسا الشريك الاقتصادي الأول، جراء دعمها للمبادرة المغربية، وبنفس حدة الانفعال تلقت الموقف الإسباني الجديد. أدى هذا التوجه إلى تزايد العزلة السياسية للجزائر، التي يبدو أنها تُفضل المغامرة بمكانتها الإقليمية واستقرارها السياسي، على مراجعة حساباتها الاستراتيجية وفق منطق المصالح المشتركة. إذا عُدنا لجذور قضية الصحراء، سنجد أن للجزائر مبرراتها السياسية وتخوفاتها الترابية، حيث ترتبط هذه القضية بشكل عميق ومتشابك، بأزمة الحدود بين الجارين، خصوصا وأن فجر الاستقلال شهد مطالب ملحة من طرف المغاربة، لاسترجاع ما يسمى بالصحراء الشرقية التي اقتطعتها فرنسا خلال فترة الاستعمار من التراب المغربي وضمتها إلى "الجزائر الفرنسية آنذاك"، وتشمل منطقة واسعة تضم تندوف، وبشار، والقنادسة، وتوات. قابلت الجزائر الفتية تلك المطالب بالوعود قبل الاستقلال وبالرفض بعد تحقيقه، ما أدى إلى اندلاع حرب الرمال سنة 1963، حرب لم تؤثر على الخريطة السياسية المغاربية. جعل هذا الصراع الحدودي من قضية الصحراء جبهة صدامية أولى بالنسبة للجزائر، يُمكن أن تُقبر مطالب المغرب بأراضيه التاريخية، وهي استراتيجية منطقية لإدارة صراع مزمن، تغذى على التحفيز الخارجي بشكل دائم، حيث كانت مصالح القوى الكبرى ترتبط باستمرار الصراع، لكن هذه الاستراتيجية تتحول إلى عبء سياسي وسوء تقدير اقتصادي، أمام تحول القوى الداعمة للانفصال والمتلاعبة بمسار الصراع، إلى داعمة للسلام المغاربي، ومدافع عن وحدة التراب المغربي. صفقة كبرى محتملة تضمن المبادرة الأطلسية الانفتاح التجاري لدول الساحل الحبيسة، وتُشكل أيضا منفذا أطلسيا لجنوب الجزائر الصحراوي، وبالتالي يمكن اعتبار أن ولوج الجزائر للمحيط الأطلسي، هو بمثابة تعويض عن المكاسب المرتبطة بإنشاء دولة تابعة لها بالصحراء ويعني ذلك تحقق الهدف الأول من قضية الصحراء، وفق المقاربة البراغماتية. أما بالنسبة للهدف الثاني والذي يتعلق بالتخلص من مطالب المغرب بالصحراء الشرقية، فسيكون إطلاق حوار ثنائي برعاية ترامبية وضمانات أمريكية، كفيل بالتوصل لتسوية نهائية لمشكلة الحدود، خصوصا وأن الملك محمد السادس أظهر بشكل مستمر استعداد المغرب للحوار ومعالجة كل الملفات العالقة والشائكة. مقابل ما تحدثه الوساطة الأمريكية من ضغوطات على الجزائر، وما تقدمه المبادرة الأطلسية من مكاسب لها، يظل موقف داعمة جبهة البوليساريو، مُترددا ومقاوما للتحولات المتسارعة الذي يشهدها العالم. يتجاهل هذا الموقف الواقعية السياسية والبرغماتية الاقتصادية، كما يتجاهل المصالح المتنامية للقوى العظمى بمنطقة الساحل والصحراء، تجاهل سلبي ظهرت تكلفته الديبلوماسية الباهظة على يد الحليف الاستراتيجي للجزائر ويتعلق الأمر بروسيا الاتحادية، ويُحتمل أن تزداد هذه التكلفة ثقلا على يد الولاياتالمتحدةالأمريكية، إذا ما استمرت الجزائر في التمسك بمواقفها الرافضة للتفاوض حول الملفات الثنائية وخصوصا أزمة الحدود، وحول " مبادرة الحكم الذاتي" المدعومة أمميا، هذا الرفض هو تردد أمام فرصة تاريخية للسلام المغاربي.