لم تعد الملكية المشتركة في المغرب تحتمل مزيدًا من التشخيص النظري أو المجاملات القانونية. فالقانون 18.00 موجود منذ سنوات، والنص معروف، والمشاكل متكررة، والنزاعات تتضاعف، والبنايات تتآكل، والثقة تتراجع. لذلك فالأزمة لم تعد في فهم المشكل، بل في الجرأة على بناء آليات تنزيل حقيقية توازي حجم التحولات العمرانية والاجتماعية التي عرفها المغرب؛ لذا لم يعد كافيًا الاستمرار في الحديث عن "حسن النية التشريعية" أمام واقع يثبت يوميًا أن غياب أدوات تنفيذ صارمة ومنظمة هو أصل الداء. وبالرجوع إلى الواقع الميداني، فكثير من الملاك يتخلفون عن أداء واجباتهم لسنوات طويلة، ومع ذلك يطالبون وكيل الاتحاد بتقديم الحسابات أو يلجأون إلى القضاء لطلب خبرة محاسبية دون أي التزام بتسوية المتأخرات. وفي الاتجاه المعاكس، يمتنع بعض الملاك عن الأداء، ويضطر الوكيل لمتابعة مسطرة قضائية تستنزف وقت الاتحاد وميزانيته، بينما يبقى المخالف قليل الكلفة. كذلك، نصاب الحضور ونصاب التصويت المنصوص عليهما في المواد 18 و20 و21 و22 من القانون 18.00 للجموع العامة نادرًا ما يتحقق، حيث يُحدد القانون أحيانًا بنسبة 75 أو 100٪، بينما لا يتجاوز الحضور غالبًا 30٪، ما يؤخر اتخاذ القرارات ويزيد النزاعات، دون ترتيب أي جزاءات عن المتخلفين عن الجموع العامة. وأخيرًا، التفسير المتباين للنصوص القانونية يظهر في رفض طلب أمر بالأداء من المحكمة الابتدائية بسلا لعدم سلوك مسطرة الصلح والوساطة المنصوص عليها في المادة 13 من القانون 18.00، رغم وضوح الحق القانوني للوكيل والملاك الملتزمين. هذه مجرد أمثلة فقط من واقع أوسع. ولهذا، فإن أول مدخل حقيقي للإصلاح يبدأ من توحيد القوانين الداخلية للتسيير. لا يمكن أن يستمر كل اتحاد ملاك في اختراع نظامه الخاص، بصياغات متباينة، وثغرات متفاوتة، وتأويلات مفتوحة. المطلوب اليوم قانون داخلي موحد وطنيًا، يُعتمد كمرجعية ملزمة، مع هامش محدود جدًا للتعديل يراعي خصوصية كل إقامة دون أن يمس الجوهر التنظيمي. توحيد النظام الداخلي يعني توحيد المرجعية، تقليص النزاعات، إنهاء فوضى الصياغات، ومنع التحايل باسم "الخصوصية". بدون هذا التوحيد ستظل كل إقامة جزيرة قانونية مستقلة، وكل نزاع يبدأ من نقطة الصفر. ولا معنى لأي تنظيم داخلي دون منظومة غرامات موحدة وواضحة وصريحة. المماطلة في أداء الاشتراكات ليست مخالفة أخلاقية فقط، بل إخلال مباشر باستقرار البناية وسلامة قاطنيها. كما أن امتناع بعض الوكلاء عن عقد الجموع العامة السنوية أو ارتكاب خروقات في الاستغلال أو التدبير لا يمكن أن يبقى بلا أثر زجري حقيقي. الغرامات يجب أن تكون وطنية، موحدة، محددة سلفًا، وقابلة للتنفيذ دون تعقيدات مرهقة. لا يمكن أن يستمر نظام يجعل الالتزام خيارًا شخصيًا بدل أن يكون واجبًا مضبوطًا بجزاء واضح. غير أن التوحيد والغرامات وحدهما لن يكونا كافيين ما لم يُدعما بأداة مركزية للتتبع والمراقبة. اقترحنا المنصة الوطنية للملكية المشتركة، ليست ترفًا رقميًا، بل ضرورة تنظيمية. نحن أمام قطاع يمس عدة وزارات ومصالح، من الداخلية إلى العدل إلى السكنى إلى المالية، ولا يمكن أن يظل مشتتًا بلا قاعدة معطيات موحدة. منصة وطنية للتتبع والمراقبة والزجر الآلي ستنهي حالة العشوائية، وستجعل كل اتحاد وكل وكيل وكل مالك جزءًا من منظومة شفافة يمكن رصدها وتحليلها ومحاسبتها. الرقمنة هنا ليست شعارًا، بل أداة لضبط المساطر، توثيق القرارات، تتبع الاشتراكات، مراقبة انعقاد الجموع، وتفعيل الجزاءات بشكل منظم وسريع. لدينا اليوم دراسات شبه جاهزة ورؤية واضحة لكيفية تنزيل هذه المنصة على المدى القصير، بما يضمن انتقالًا تدريجيًا دون صدمات، ويخفف بشكل ملموس أغلب الإشكاليات التي تعاني منها الملكية المشتركة. الاستمرار في تدبير هذا القطاع بآليات ورقية متفرقة في زمن التحول الرقمي ليس تأخرًا تقنيًا فقط، بل تقصير تنظيمي مكلف. ثم إن الحديث عن الآليات لا يكتمل دون معالجة جانب التدخل الميداني. كثير من النزاعات داخل الإقامات لا تتفاقم بسبب غياب النص، بل بسبب غياب جهة واضحة تتدخل في الوقت المناسب لفرض احترام النظام العام الداخلي. خلق شرطة جوار محددة الاختصاصات في مجال الملكية المشتركة، مع تحديد مسؤولياتها بدقة وإمكانية تدخلها في حالات معينة دون إذن مسبق عندما يتعلق الأمر بحماية السلامة أو النظام المشترك، سيشكل نقلة نوعية في تنزيل القانون. الملكية المشتركة ليست فضاءً خارج التنظيم، ولا ينبغي أن تبقى رهينة شكايات متبادلة وانتظار مساطر طويلة بينما تتكرر المخالفات. الإشكال اليوم ليس في أن القانون 18.00 يفتقر إلى المبادئ، بل في أن الدولة لم تُحط هذا القانون بالبنية التنفيذية التي تضمن فعاليته. لا نظام داخلي موحد، لا غرامات وطنية مضبوطة، لا منصة مركزية شاملة، ولا جهاز تدخل ميداني متخصص. في ظل هذا الفراغ، يصبح من الطبيعي أن تتكرر النزاعات، وأن يشعر الملتزم بالإجحاف، وأن يتحول التدبير إلى معركة يومية بدل أن يكون إدارة منظمة. الملكية المشتركة قطاع استراتيجي يمس ملايين المواطنين واستثمارات ضخمة وبنيات عمرانية تتطلب صيانة مستمرة. الاستمرار في إدارة هذا القطاع بأدوات تقليدية ومقاربات مجزأة لم يعد مقبولًا. المطلوب اليوم قرار مؤسساتي واضح: الانتقال من قانون مكتوب إلى منظومة تنفيذية متكاملة، تدمج التوحيد، الزجر، الرقمنة، والتدخل الميداني ضمن رؤية واحدة. أما الاكتفاء بتكرار أن "القانون موجود" فذلك لم يعد يقنع أحدًا. القانون بلا آليات تنزيل صارمة وعصرية يبقى نصًا محترمًا... لكنه عاجز. والوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الأعذار. -باحث ميداني ومؤلف كتاب "الملكية المشتركة للعقارات المبنية: من التسيير إلى الحلول القانونية والمحاسبية"