التعليم أو الأزمة التي لا تنتهي: قد لا يبالغ من يصف شأن التربية والتعليم عندنا ب "الرجل المريض". لكن الفارق بين مرضٍ عابر ومرضٍ مزمن، أن الأول تُداويه فتتعافى، والثاني يُنهكك لأنه يتعوّد على "العمليات الجراحية" دون أن يلتئم الجرح. ولهذا لا يغضبني التشبيه بقدر ما يغضبني ما وراءه: أن تتحول المدرسة إلى سؤالٍ يوميٍّ داخل بيوت المغاربة، وأن يصبح القلق على مستقبل الأبناء واقعا مريراً. وأكتب هذه الكلمات لا لأجل النقد من أجل النقد، ولا لأجل "ذرّ الرماد في العيون" بكلامٍ مُنمّق. أكتبها كمواطنٍ عاش المدرسة العمومية في زمنٍ كان للمدرسة فيه مذاقٌ وهيبة، ثم دخل القسم أستاذًا في بداية مساره، وعرف الإدارة التربوية من الداخل حين تحمّل مسؤولية الكتابة العامة للمدرسة العليا للأساتذة بالرباط. وأكتب اليوم أيضًا كجدٍّ يرى أحفاده يحملون حقائب تكاد تقصم ظهورهم الصغيرة... بينما ما يرسخ في الأذهان من تعلُّماتٍ أساسية يبدو أخفَّ من تلك الحقائب. فالكم موجود والكيف مفقود... وهذا تشخيصٌ يفرض نفسه، لا لأنه "حنينٌ مجاني"، بل لأنه وجعٌ يوميٌّ مشترك. ولعل أول ما يذكّرنا بقداسة العلم أن أول ما نزل من الوحي كان أمرًا بالقراءة: "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم." هذه الآيات حجة على أمّة تضع "اقرأ" في صدر رسالتها ثم تتعثر في تعليم القراءة نفسها... أليس في الأمر مفارقة محبطة؟ بين الميزانية والنتيجة ومن الطبيعي أن يستفزنا مشكل التعليم، نظرا لأهميته وخطورته في حياة الإنسان بصفة عامة، وفي حياة الشعوب التي تتوق إلى الرقي والازدهار بصفة خاصة. لذلك، من حق المواطن أن يسأل: كيف يمكن لقطاعٍ تُرصد له اعتمادات ضخمة أن يظل عاجزًا عن تحويل الإنفاق إلى أثرٍ ملموس داخل الفصل؟ فوفق معطيات مشروع قانون المالية لسنة 2026 تُقدَّم ميزانية التربية الوطنية كإحدى أكبر ميزانيات الدولة، حيث تناهز حوالي 97 مليار درهم كما نُشرت في الوثائق المرافقة. والسؤال هنا ليس: "هل أنفقنا؟" بل: "هل أنفقنا بذكاء؟" ما معنى أن نرفع الاعتمادات ثم نرى طفلًا في سنٍّ مبكرة يتعثر في قراءة جملة بسيطة، أو يرتبك أمام أبسط مسائل الحساب؟ ثم هناك مرآة لا تعرف المجاملة: سوق الشغل. حين تقول المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة استقر في حدود 13% خلال سنة 2025، وأن بطالة الشباب (ما بين 15–24 سنة) ما تزال هي الأعلى، فهذا ليس رقمًا محايدًا؛ إنه رسالة قاسية تقول أن المدرسة لا تزال تُخرج، في حالات كثيرة، من لا يجد مكانه في الاقتصاد ولا في المجتمع. فهل الخلل في المناهج وحدها؟ أم في التوجيه؟ أم في علاقة المدرسة بالمحيط الإنتاجي؟ أم في الحكامة التي تجعل المشاريع تتناسل بينما الأثر يتأخر؟ ولأن الكلام لا ينبغي أن يبقى عاطفةً فقط، تكفي مرآتان إضافيتان لا تجاملان أحدًا: الأولى مرآة الرقابة والمساءلة. وخير مثال هو تجربة "البرنامج الاستعجالي" 2009–2012 التي عُبئت لها اعتمادات كبيرة، ثم خلصت تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى اختلالات في الحكامة والتتبع والبرمجة. والسؤال الذي يردده المغاربة بلسانٍ بسيط لكنه عميق: أين تتسرب النفقات حين لا يتحول الإنفاق إلى أثر؟ والثانية مرآة المقارنة الدولية، حيث أبرزت نتائج PISA 2022 فجوةً مقلقة في التعلمات الأساسية، بأداءٍ أدنى بكثير من متوسط دول OCDE. كما تداولت تقارير صحفية، استنادًا إلى نتائج مؤشر المعرفة العالمي، أن تموقع المغرب يظل ضمن مراتب متأخرة قياسًا بحجم الانتظارات والإمكانات. هذه المؤشرات لا ينبغي النظر إليها بإحباط، بل لقياس المسافة بين "مدرسة نريدها" ومدرسة نعيشها. إرادة في القمة... وتعثر في التنزيل إن صاحب الجلالة، نصره الله وأيده، يقر صراحة في أكثر من مناسبة بأزمة التعليم في المغرب مؤكدا أن المنظومة التربوية لم تعد تلبي طموحات المغاربة وتواجه تحديات كبرى وفي مقدمتها جودة التعليم، وملاءمة التكوين لسوق الشغل، والاختلالات المنهجية. فلقد أكد في خطاباته بشكل واضح على أن "إصلاح التعليم هو قضية المجتمع بمختلف مكوناته، من قطاعات حكومية وجماعات ترابية ومجالس استشارية ومؤسسات وطنية وفاعلين جمعويين ومثقفين ومفكرين..". وهذا ما يستوجب ضرورة إحداث ورش حقيقي، جدي وفعال للإصلاح يستهدف بناء مدرسة منتجة للكفاءات من أجل تحقيق تنمية شاملة.. مدرسة حديثة مع الحفاظ على مقومات البلاد وثوابتها، عوض الخوض في تجارب ارتجالية لا تؤدي سوى إلى تراكم الإخفاقات وهدر المال العام.. المشكلة إذن ليست في غياب الوعي أو الإرادة في أعلى الهرم، بل في تعثر ترجمة التوجيهات إلى نتائج. وهنا يبدأ النقاش الحقيقي: أين تنقطع السلسلة؟ في التخطيط؟ في التنفيذ؟ في الموارد البشرية؟ في التتبع؟ في تضارب الاختصاصات؟ أم في "منطق المواسم" الذي يجعل كل إصلاح يبدأ بصفحة بيضاء وكأن ما قبله لم يكن؟ حلقة الإصلاح المفرغة بيت القصيد أن العطب ليس "تقنيًا" فقط، بل هو مؤسساتيّ وسياسي في جوهره: تتبدّل البرامج بتبدّل الوجوه، وتُطوى مشاريع بمجرد تغير الحكومة أو الوزير، لا لأنها فاشلة بالضرورة، بل لأنها لا تحمل توقيع الفريق الجديد. فنبدأ كل مرة من الصفر، ويتعلم الحجامة في رؤوس اليتامى: عناوين براقة، قاموس حديث، عروض منمقة... ثم يعود الواقع فيُحرج الورق. فلقد تعاقب على وزارة التعليم أكثر من 30 وزيرا منذ بداية الاستقلال إلى الآن بمختلف ألوانهم وانتماءاتهم.. وكل وزير رحل، يترك لخلفه إرثا ثقيلا.. كما خضعت الوزارة إلى العديد من التغييرات في تسمياتها وصلاحياتها، كان آخرها "وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة".. ما قدو فيل زدناه فيلة... ولقد اعتاد عموم الناس على تحميل مسؤولية النجاح أو الفشل للوزير وحده في تدبير وزارة معينة، علما بأن الوزير ما هو إلا عضو يخضع للسياسة العامة للدولة وللبرنامج الحكومي، والحكومة نفسها تخضع للرقابة البرلمانية.. لكن الوزير يمكن أن تكون له بصمة إيجابية في حسن التسيير والتدبير إذا كان مؤهلا وشجاعا في اتخاذ القرارات.. الإصلاح لا يدبَّر بعقلية "الموسم السياسي". الإصلاح نفس طويل: استمرار، تصحيح تدريجي، بناء على المعطيات، لا بناء على الرغبة في إعلان "ولادة جديدة" كل خمس أو ست سنوات. وهنا يأتي السؤال الذي لا بد منه: من يملك الشجاعة ليقول للناس "لن نبدأ من جديد... سنُكمل ونُحسن ونُصلح ما انكسر" بدل أن نهدر الزمن في تغيير اللافتات؟ ثم يتعقد الأمر حين تتحول الحكامة إلى هرم إداري ضخم: مديريات، مصالح، أكاديميات، لجان، مجالس، وكالات، هيئات تخصص لها ميزانيات ضخمة دون أثر حقيقي على أرض الواقع... فلا يشعر المواطن أن هذا التضخم الإداري يترجم إلى حل ملموس داخل القسم. فينطق المثل الشعبي: "ألمزوق من برا... آش خبارك من داخل؟" وهنا يحقّ لنا أن نُصعّد السؤال درجة أخرى، لا بدافع التشكيك، بل بدافع الإنصاف: حين يتعدد المتدخلون وتتقاطع الاختصاصات، من يملك سلطة الحسم؟ ومن يملك سلطة إيقاف العبث إذا تعارضت المصالح، أو إذا تاهت المسؤوليات بين المكاتب واللجان والتوقيعات؟ والأخطر من التضخم: المساءلة. الإصلاح الحقيقي لا يكتفي بترتيب الوثائق، بل يربط كل خطوة بسؤال قاسٍ: من المسؤول عن التعثر؟ من الذي يُحاسَب؟ ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟ ولماذا؟ وكيف نصحح دون أن نكسر ما يعمل؟ لأن غياب هذا السؤال يحول التقويم إلى "أرقام بلا أثر" و"تقارير بلا قرار". دعونا نتفق على شيءٍ بسيط: الإصلاح ليس بيانًا صحفيًا ولا عرضًا جميلًا في شاشة. الإصلاح تفاصيل يومية تُقاس ولا تُخمن: من يحضر فعلا إلى القسم؟ من يدرّس؟ كيف يُدرّس؟ من يواكب؟ من يقيّم؟ ومن يصحح المسار حين يختلّ؟ لأن أي إصلاح لا يهبط إلى هذه التفاصيل، يبقى معلّقًا في الهواء... ويظل الطفل وحده يدفع ثمن التجريب. مرآة الزمن حتى تكون لنا نظرة شاملة على الموضوع، لابد من استعمال مرآة الرؤية الخلفية للإطلالة على جانب من الماضي وربطه بالحاضر لكي تتوفر لدينا صورة واضحة على المستقبل.. حين أستحضر المدرسة القديمة لا أفعل ذلك هربًا إلى الماضي، ولا تمجيدًا لكل ما كان فيه. نعم، كانت هناك صرامة مفرطة أحيانًا وصلت إلى عقوبات جسدية نرفضها اليوم لأنها تمس كرامة الطفل وتشوّه معنى التربية. لكن لا يمكن أيضًا أن نكذب على أنفسنا: كان هناك احترام للقسم، واعتراف بقيمة الأستاذ، وضبط للزمن المدرسي، ووضوح في الأساسيات. حين كنا نلتحق بالمدرسة الابتدائية لأول مرة، فإن أول ما كان يثير انتباهنا هو ذلك الشعار المكتوب على الجدار الأمامي للمؤسسة بخط ساطع، وبحروف غليظة تجلب الأنظار: العلم نور والجهل عار. إنها كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، تلازمها طقوس تغذي نفس المتعلم منذ الوهلة الأولى وتنمي لديه الشعور بالمسؤولية وتزرع فيه الروح الوطنية، كاصطفاف التلاميذ مثلا أمام الأقسام بنظام وانتظام، وترديدهم للنشيد الوطني في كثير من المؤسسات.. ومباشرة بعد ولوجهم إلى القسم، يجدون المعلم في انتظارهم، بشخصيته المهيبة، وببذلته الأنيقة، حليق الذقن ومرتب الشعر؛ فيقفون احتراما وتبجيلا للمعلم، ولا يجلسون إلا بعد أن يأمرهم بالجلوس... فهكذا كانت تصنع الأسس التربوية المتينة من أجل تحصين الأجيال من الانزلاقات.. كانت المقررات تستجيب لمتطلبات الأمة التي تعتمد أساسا على التربية موازاة بالتعليم، فالتربية تعتبر هي الإناء، والعلم محتوى.. أتذكر كتاب العربية "اقرأ"، وأتذكر كتاب الفرنسية بعنوانه المحفور بذاكرتنا الجمعية: Bonjour Ali, Bonjour Fatima. ... كنا نحتفظ بهذين الكتابين مع دفترين داخل خزانة القسم في آخر النهار حتى لا نثقل بها كاهلنا ذهابا وإيابا بين المنزل والمدرسة، وكنا نكتفي بالدروس التي نتلقاها في الأقسام دون الحاجة إلى دروس التقوية أو دروس إضافية. وحتى في زمنٍ كانت فيه ظلال الحماية الثقافية حاضرة، ظل في تفاصيل المدرسة شيء من المغرب: أسماء مغربية، وملامح محلية، وإحساس بأن التعلم لا يعني أن نفقد أنفسنا. كان التعليم يومها أقل تضخمًا في الورق، وأكثر تركيزًا على الأساس. واليوم نرى مفارقة جارحة: حقيبة أثقل، وجدول زمني أطول، ومقررات متشعبة... ثم تلميذ يتعثر في القراءة، ويهرب من الحساب، ويخجل من التعبير. كأننا نعطيه أحمالًا أكثر مما نعطيه أدوات. صحيح أن لكل زمان جيله الذي يخضع لبيئة وظروف خاصة به. وقد سبقنا إلى هذه الحقيقة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بقوله:" لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم". لكن كل جيل مطالب بالاجتهاد والابتكار والعمل الصالح من أجل تطوير حياته والرقي بها إلى الأفضل لا العكس. ولن يتأتى له ذلك إلا عبر التعليم الجيد القائم على أسس التربية والمعرفة الصحيحة كوسيلة أساسية لتحصيل العلم النافع الذي يخدم الفرد والمجتمع بدل العلم من أجل تحصيل معارف عقيمة. الهجرة القروية... مدرسة تُهجِّر الناس ينص دستور المملكة المغربية لعام 2011 في فصليه 31 و32 على مجانية التعليم، خاصة في مراحله الأساسية. فإذا كان المبدأ هو المجانية بالنسبة للتعليم العمومي، فإن الآباء يتحملون وزر المصاريف الخاصة بالتسجيل، وشراء الكتب وجميع اللوازم المدرسية، بالإضافة إلى مصاريف النقل المدرسي وغيرها.. إن قصة المصاريف الدراسية ترجع بنا إلى بداية الاستقلال، وخاصة بعد التعميم والمغربة. حين أصبح المغاربة واعين بأهمية التعليم. فمن زوايا الأزمة التي لا ينبغي أن تُختزل في "المنهاج" وحده: الهجرة القروية منذ الاستقلال. كثير من الأسر باعت أرضها أو شدّت الرحال نحو هوامش المدن لأن المدرسة كانت ولا تزال بوابة الأمل الوحيدة، حيث أن الدراسة آنذاك كانت تضمن الترقية الاجتماعية بالتوظيف في مناصب إدارية وسياسية وعسكرية محترمة أعطت أفواجا من الأطر العليا ساهمت في بناء المغرب الحديث.. كما كانت هناك هجرة عكسية من نوع آخر: هجرة رأس المال التجاري والعقاري من المدن للاستثمار الفلاحي بالعالم القروي كلفته قليلة بفضل الإعفاء الضريبي. لكن هذه الهجرة صنعت مفارقة مزدوجة: قرى تُفرَّغ من شبابها وخدماتها تدريجيًا، ومدن تنتفخ بأحياء هامشية تضغط على المدرسة وتخلق اكتظاظًا وتفاوتًا في الولوج والجودة. تقارير المندوبية السامية للتخطيط نفسها تشير إلى دينامية قوية للهجرة الداخلية وآثارها الاجتماعية. فكيف نصلح المدرسة دون أن نصلح شروط العيش التي تجعل المدرسة سببًا للهجرة بدل أن تكون رافعة للاستقرار في المجال القروي؟ العالم القروي... والقسم البعيد من عاش العمل الجماعي في العالم القروي يعرف أن المدرسة ليست جدرانًا فقط. هي طريق، ونقل، وطقس، ومسافة، وكلفة صامتة، وخوف أمٍّ على طفلها وهو يقطع العراء. لهذا لا يكفي أن نتكلم عن "منهاج" دون أن نتكلم عن شروط الوصول إلى المدرسة، وعن الإنصاف بين طفل يخرج من باب بيته إلى باب مدرسته، وطفل يبدأ "الدرس" قبل أن يصل إلى القسم بساعتين من المشي أو الترحال. وفي موضوع الهدر المدرسي تحديدًا، لا معنى للإنكار... حيث تُظهر المعطيات الرسمية المتداولة في السنوات الأخيرة حجمًا مقلقًا للانقطاع السنوي، مع تباينات مجالية واجتماعية واضحة. نعم، توجد مجهودات وتحسنات في بعض البرامج، لكنها تظل غير كافية ما دامت المشكلة "منظومية": فالهدر ليس قرار تلميذ فقط، بل نتيجة فقر، وبعد، وتكرار تعثر، وضعف دعم، ومدرسة لا تلتقط الإشارة في الوقت المناسب. التعليم الخاص... السوق الذي يبتلع المدرسة والآن إلى الملف الذي لا يحب كثيرون الاقتراب منه: التعليم الخصوصي، شأنه شأن المصحات الخاصة، والتي تستدعي مقالا آخر بدورها. لقد بدأت بوادر تدهور التعليم العمومي تطفو على السطح منذ أن بدأ المعلمون والأساتذة يحثون التلاميذ، جهرا أو إشارة، على اللجوء إلى دروس التقوية، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى العمل بالمدارس الخصوصية خارج جداولهم الزمنية على حساب الجودة والمردودية في عملهم الأصلي، وذلك أمام أعين المسؤولين على شؤون التربية والتعليم والصمت السلبي للمؤسسات النقابية والسياسية والمجتمع المدني.. مما أعطى فرصة للتعليم الخصوصي في كسب سمعة خاصة بالجودة والتفوق للمتمدرسين به على مستوى النتائج بفضل نسب النجاح التي يحققونها. وهذا ما دفع كثيرا من آباء وأولياء التلاميذ إلى التهافت على تسجيل أبنائهم بالمدارس الخصوصية رغم ما يتطلبه الأمر من تضحيات مالية، ورغم كون أغلب الآباء لا يحققون الدخل الكافي لذلك؛ مما قد يدفع البعض إلى البحث عن وسائل أخرى كيفما كان مصدرها لتحقيق هذا الغرض. فلا نستغرب إذا أصبح الفساد منتشرا في البلاد على أكثر من صعيد، حيث "كاد الفقر أن يكون كفرا".. صحيح أن الدولة أصبحت غير قادرة لوحدها على تحمل العبء الثقيل للإنفاق على قطاع حساس وكبير مثل قطاع التربية والتعليم، لذلك من حقها أن تلجأ إلى حلول أخرى، وأسهلها هي خوصصته تدريجيا.. فلسنا ضد مبدأ الخوصصة إذا كان مبنيا على أسس موضوعية، قائمة على دراسات معمقة وعلى شروط معقولة، تأخذ بعين الاعتبار الحاضر والمستقبل القريب والبعيد للبلاد؛ وذلك بتوسيع رقعة نطاق التشاور على جميع المستويات، بشكل يجمع الخبراء وممثلي الأمة وكل من يعنيهم الأمر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجال حيوي ومصيري كالتعليم. لا أهاجم القطاع الخاص لأنه "خاص". ولكنني أرفض أن يتحول إلى قدر اجتماعي: من استطاع دفع الثمن اشترى تعليمًا أفضل، ومن لم يستطع اكتفى بما يتبقى. وحين يتوسع هذا المنطق، تتحول المدرسة العمومية إلى مدرسة "الضرورة"، وتتحول العدالة إلى حكاية قديمة. ثم إن المشكلة ليست تربوية فقط، بل تنظيمية واقتصادية أيضًا. مجلس المنافسة أصدر رأيًا مفصلاً حول وضع المنافسة في قطاع التعليم المدرسي الخصوصي، ونبّه إلى أعطاب السوق والحاجة إلى تقوية التأطير والشفافية والمراقبة، لأن القطاع لم يعد هامشيًا. وهنا تخرج أسئلة من قلب الواقع لا من "كلام المقاهي": هل يُعقل أن نشتكي من ضعف المدرسة العمومية ثم نترك سوق التعليم الخاص يتوسع دون قواعد صارمة وشفافة للحقوق والواجبات والجودة؟ هل نملك "عقدًا اجتماعيًا" واضحًا مع هذا القطاع: بأي مقابل نُيسّر له الاستثمار؟ ما التزاماته تجاه الجودة؟ ما حدود الربح حين يتعلق الأمر بخدمة مصيرية؟ ما حقوق الأسرة؟ وما آليات التظلم والإنصاف؟ ثم سؤال آخر يحسّه المواطن البسيط قبل الخبير: هل السياسات الجبائية والتحفيزية منسجمة مع فكرة "تكافؤ الفرص"؟ حين تُطرح في النقاش العمومي أخبار عن إعفاءات أو تحفيزات هنا وهناك، وحين تقارن الأسرة بين ما تدفعه في العمومي وما يقال عن تسهيلات في الخاص، تتولد فجوة ثقة. المواطن البسيط يطالب فقط بما هو بديهي في دولة حديثة: وضوح القواعد، نشر المعطيات، وتفسير الاختيارات للناس بلغة بسيطة. والأخطر من الضرائب هو سؤال تضارب المصالح. في كل البلدان توجد لوبيات ضغط. لكن في قطاع حساس كالتعليم، يصبح الصمت خطيرًا حين تتقاطع المصالح الاقتصادية مع القرار التنظيمي. لا أريد أن ألجأ إلى لغة "المؤامرة". لكنني أود أن أطرح السؤال الذي يهمس به الناس: لماذا يبدو هذا الملف عصيًا على التنظيم الصارم كلما اقتربت منه إرادة الإصلاح؟ ولماذا تتوقف محاولات الضبط عند حدود معينة؟ هذه أسئلة مشروعة، حيث يكفي أن ترى حجم السوق وأن تقرأ توصيات الهيئات الرسمية لتفهم أن المسألة أكبر من "مدرسة هنا ومدرسة هناك". ثم لا ننسى آفة الدروس الخصوصية التي صارت في حالات كثيرة "تعليمًا موازيًا" يبتز زمن القسم ويستنزف جيب الأسرة. هنا يتحول التلميذ إلى زبون، والأب إلى ممول، والمدرسة إلى واجهة. وإذا لم نواجه هذه الظاهرة بحزمٍ ذكيٍّ وعادل، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: مدرسة عمومية تضعف ثم يقال إنها فشلت، فيقوى السوق الموازي والخاص... فتتسع الفجوة. التعليم العالي... حين يشتكي السقف من الأساس إذا كان التعليم المدرسي هو الأساس، فإن التعليم العالي هو السقف الذي يُفترض أن يحمينا من المطر... لكن ماذا لو كان السقف نفسه مُثقّبًا؟ ليس غرضي هنا هو جلد الجامعة العمومية، ولا إنكار ما فيها من كفاءات وأطر تشتغل في ظروف صعبة. لكنني، كمواطنٍ يرى أبناء هذا البلد يتخرجون ثم يتعثرون في أول امتحان اسمه "الواقع"، أجد نفسي مضطرًا لطرح السؤال الذي يتفاداه كثيرون: ما فائدة شهادةٍ لا تُترجم إلى مهارة، وما قيمة بحثٍ لا يلامس حاجة الوطن؟ ثم لننظر إلى المرآة التي لا تُجامِل. في تصنيفات دولية واسعة الانتشار مثل QS World University Rankings 2026، وTimes Higher Education، تظهر الجامعات المغربية في شرائح متأخرة. قد يقول قائل: "التصنيفات ليست قرآنًا منزلا." صحيح. لكنها جرس إنذار حول مشكلة مركبة: حكامة، تمويل بحث، إنتاج علمي، شراكات، جاذبية، وربط ضعيف بين الجامعة والاقتصاد. والإشكالية ليست في البرامج وحدها، بل في الأسئلة التالية: ماذا نُدرّس؟ ولماذا؟ ولمن؟ وكيف نُحدّث هذا كله في زمنٍ أصبحت فيه المهن تتبدّل أسرع من تبدّل الفصول، وأصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تُعيد تعريف المعرفة والعمل؟ ثم هناك ما هو أخطر من ضعف الترتيب: ضعف الثقة. فحين تهتز صورة الجامعة بسبب فضائح تمسّ النزاهة، من قبيل قضايا "الجنس مقابل النقط" التي وصلت إلى القضاء، أو ملفات أُثير حولها جدل واسع بخصوص الولوج إلى بعض المسالك، فإن الضرر لا يصيب مؤسسة بعينها فقط، بل يصيب فكرة الجامعة نفسها. لا أخلط بين حالات معزولة وأغلبية شريفة. لكنني أتساءل، وهذا حق المواطن: كيف نَحمي الشهادة من أن تتحول إلى سلعة، وكيف نحمي الأستاذ النزيه من أن يدفع ثمن صمت المنظومة عن القلة التي تُفسد؟ وفي قلب هذا كله تعود كلمة واحدة: الحكامة. حكامة الجامعة تعني استقلالا فعليا مقرونا بالمحاسبة، وتقييما شفافا للمسارات، وربطًا حقيقيًا بين التمويل والنتائج، ومنظومة نزاهة لا تكتفي بالشعارات: مساطر واضحة، تضارب مصالح مُعلن، عقوبات رادعة، وحماية للمبلّغين والضحايا. ثم تعني كذلك إعادة بناء الجسر بين الجامعة وسوق الشغل: شراكات فعلية لا صورا، تكوينا بالتناوب، مسالك مهنية محترمة لا "درجة ثانية"، ومراهنة على البحث التطبيقي في قضايا وطنية واضحة: الماء، الفلاحة الذكية، الصحة، الصناعة، الطاقات، والرقمنة... والأهم أن نفهم أن الجامعة لا تُصلح بعقلية ردّ الفعل وإطفاء الحرائق: قرار هنا لتسكين أزمة، وتوجيه هناك لاحتواء جدل... ثم نعود إلى نقطة البداية. الجامعة بطبيعتها مشروع طويل النفس، وإصلاحها يحتاج استقرارا في الاختيارات، وجرأة في التقييم، واستثمارا في البحث، قبل الاستثمار في الشعارات. وإذا كانت المدرسة تُؤسِّس للمواطن، فالجامعة تُؤسِّس للدولة الحديثة: دولة الكفاءة والمعرفة. لذلك لا معنى لإصلاح يشتغل على حلقة ويترك الأخرى تتآكل؛ فالتعليم عندنا سلسلة قيمة واحدة، إذا انقطع منها رابط تعطّل الأثر كله. من الحكامة إلى الثقة إذا كانت كلمة واحدة تفسر نزيف الإصلاح فهي: الثقة. والثقة لا تُستدعى بالخطب، بل تُبنى بالحكامة. والحكامة في التعليم ليست شعارًا؛ هي نظامُ التزام ومحاسبة: أن نثبت على الأولويات بدل أن نبدلها كل موسم، وأن نقيس التعلّمات بصرامة ونعلن النتائج كما هي، وأن نُحاسِب بذكاء: فلا نجلد الأستاذ، ولا نُبرّئ الإدارة، ولا ندفن الأخطاء تحت لغة الخشب. لكن اسمحوا لي أن أطرح السؤال بصيغته العارية: كيف نقنع أسرة تُرهقها المصاريف وتخنقها الدروس الخصوصية أن المدرسة العمومية ما زالت "فرصة للإنصاف"؟ وكيف نقنع شابا يحمل شهادة ولا يحمل مهارات بأن الخلل ليس قدرا؟ الإصلاح الحقيقي يبدأ من الفصل قبل العناوين، ومن الأستاذ قبل البلاغات، ومن الطفل قبل المذكرات... الإصلاح الحقيقي لا يقوم على إعلان برامج جديدة بقدر ما يقوم على فهمٍ عميق لتعقيد المنظومة التعليمية وتشابكها مع باقي السياسات العمومية، اعتمادا على خمس حقائق: أول هذه الحقائق: أن التعليم لا يُصلَح داخل أسوار المدرسة وحدها. فسياسات النقل والتجهيز والتنمية القروية والحماية الاجتماعية والتشغيل وغيرها كلها تتقاطع مع المدرسة بشكل مباشر. حين تغيب الرؤية المشتركة بين القطاعات، تتحول الاستراتيجيات إلى جهود متوازية لا تلتقي. لذلك فإن الإصلاح الجاد يقتضي تنسيقًا قبليًا في التخطيط، وتعاونًا فعليًا أثناء التنفيذ، وتقييمًا مشتركًا للأثر. الحقيقة الثانية: أن الإصلاح الذي لا ينطلق من الميدان يظل إصلاحًا نظريًا. فالمدرسة في التقارير ليست هي المدرسة في الواقع. هناك مسافات طويلة في القرى، وطرق وعرة، وأسر تخشى على بناتها من الإقامة بعيدًا عن البيت، وأساتذة يعملون في ظروف صعبة. لذلك فإن الإصلاح الناجح هو الذي يُصغي إلى من يعيشون المدرسة يوميًا: الأساتذة، المديرون، المفتشون، والأسر. الحقيقة الثالثة: أنه يجب أن نُفكَّر في البرامج الداعمة للتمدرس كمنظومة متكاملة لا كبرامج متفرقة. فالنقل المدرسي، والداخليات، والمطاعم المدرسية، والدعم المالي المباشر، والمدارس الجماعاتية... كلها أدوات لهدف واحد: إبقاء الطفل في المدرسة. غير أن النجاعة تتحقق حين يُوجَّه كل تدخل حيث يكون أكثر أثرًا، بناءً على معطيات دقيقة، لا على تقديرات عشوائية أو اعتبارات انتخابية. الحقيقة الرابعة: أن وضوح المسؤوليات وربطها بالمحاسبة شرط لأي إصلاح جاد. فحين يتعدد المتدخلون وتتداخل الاختصاصات دون تحديد واضح للمسؤوليات، يصعب معرفة من يملك القرار ومن يتحمل تبعاته. لذلك فإن الحكامة الجيدة لا تقوم فقط على التخطيط، بل على التتبع الصارم والتقييم المنتظم وربط المسؤولية بالمحاسبة. الحقيقة الخامسة: أن المدرسة يجب أن تبقى فضاءً للصالح العام لا مجالاً لتضارب المصالح. سواء تعلق الأمر بتوجيه بعض الخدمات أو بتدبير بعض الموارد، فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى قدر كبير من الشفافية والنزاهة، حتى تظل المدرسة مؤسسة للإنصاف لا ساحة لتقاطع الحسابات الضيقة. وأقولها بصراحة المواطن الذي يحب بلده: لا نريد سوادا مجانيًا، ولا تلميعا زائفا. نريد مدرسة تُعلّم فعلًا، وجامعة تُنتج معرفة وكفاءة ونزاهة. لذلك، حين نسأل: ماذا نريد من التعليم؟ لا نريد جواب "اكحل وابيض واهَا"... بل نريد جوابا يليق ببلد يريد أن ينهض: تعليم يحمي العدالة، ويصنع الكفاءة، ويعيد للمدرسة معناها. -كاتب وسياسي