جسامة المسؤولية التي تنتظر الحكومة المقبلة    23 شتنبر: بداية رهان التغيير مع الاتحاد    مصادر خاصة: زيادة درهمين في اسعار المحروقات قد تشعل موجة غلاء واسعة    مقتل فلسطيني إثر صاروخ في أبوظبي    مطار دبي يستأنف الرحلات تدريجيا    دوري أبطال أوروبا.. سيتي بحاجة إلى معجزة أمام ريال وسان جرمان وبايرن في وضع مريح        رشق سيارات بالحجارة يورط 12 شخصا    النقابة الوطنية للصحة تدعو لإنزال وطني بطنجة احتجاجاً على أوضاع القطاع وتطالب بتنفيذ اتفاق 23 يوليوز    طقس بارد في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب        المطالبة باعتماد ساحة البريجة مصلى لصلاة العيد بالجديدة . .    جوزيب بوريل: منارة أوروبا الأخلاقية دُفنت تحت أنقاض غزة    تعادل إيجابي يحسم مواجهة الوداد وأولمبيك آسفي في ذهاب ربع نهائي "الكاف"        الأمن يقبض على متحرش في مراكش    البيان الختامي لملتقى الأخوة الإنسانية    الدوري البلجيكي: زكرياء الواحدي يمنح جينك الفوز أمام سانت تروند (1-0)    تفاهة الشر وعالم يتعلم القسوة    إفطار جماعي وأمسية روحانية لفائدة نزيلات المؤسسة السجنية تولال    الانتخابات البلدية الفرنسية.. تقدم ملحوظ لليمين المتطرف قبل الانتخابات الرئاسية السنة المقبلة    نتانياهو يسخر من "شائعات تصفية"    الدار البيضاء.. فاطمة الزهراء اليومي تفوز بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم لفائدة أبناء وأيتام أسرة الأمن الوطني    ميناءا طنجة والدار البيضاء ضمن أفضل الموانئ العربية في الربط الملاحي العالمي    شركات النفط في المغرب تبدأ موجة زيادات جديدة على خلفية ارتفاع البرميل إلى 100 دولار    الرئيس ترامب يستبعد أي إمكانية لوقف إطلاق النار مع إيران في هذه المرحلة    كرة القدم .. تعيين المغربية لمياء بومهدي مدربة للمنتخب الأردني للسيدات    البوليساريو ودعم الجزائري والاتهامات والارتباط بإيران... كيف بدأ الكونغرس الأمريكي التحرك لفرض عقوبات على الجبهة؟    ميزان الحسيمة يكرم نساء رائدات في أمسية رمضانية عائلية    شكايات حول مبيدات مغشوشة بحقول الشمال تدفع وزارة الفلاحة إلى التحقيق    الجيش الملكي ونهضة بركان يفشلان في استغلال عاملي الأرض ويعقدان مهمتهما قاريا    استحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    رحيل الإعلامي جمال ريان بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود    الكتابة الإقليمية بالمحمدية تحتفي بالمرأة الاتحادية وتناقش آفاق هيكلتها التنظيمية    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    تأجيل سباق قطر للدارجات النارية بسبب الصراع في الشرق الأوسط    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    لقاء يحتفي ب "صمود المرأة القصرية"    ارتفاع نسبة ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        من إيران إلى الجزائر... كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟    قراءات قانونية في الاعتقال الاحتياطي    في حضرة "البام".. مهنيون يفككون واقع وأعطاب المنظومة الصحية بالمغرب    لا صيام بلا مقاصد    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عصر العقل أم عصر الخرافة؟
نشر في هسبريس يوم 17 - 10 - 2010

كانت مهمة السفسطائيين في اليونان القديمة تعليم الطلبة ( من يستطيع الدفع منهم طبعا) طرائق الإقناع وبلاغة الإفحام الموصلة لمناصب النفوذ في الدولة، وكانت الدعوى موضوع الإقناع ثانوية في تدريسهم، والمهم هو الكيفية المناسبة لبناء الحجة و إحكام الاستدلال ولف حبل الإفحام على عقل المستمع، أو الالتفاف على رقابة هذا الأخير. في اعتقاد السفسطائي كل الأفكار سواسية وكلها يمكن الإقناع بها إذا استعملت الحجج المناسبة للجمهور المناسب، بل إن آية التمكن من الخطابة هي قدرة الطالب على الإقناع بالفكرة ونقيضها، فالهدف هو دفع السامع إلى تبني الموقف الذي يريد، وليس إلى "كشف" الحقيقة .هذه "الثغرة" الأخلاقية في تعاليم السفسطائيين كانت وراء زوالهم على أيدي من يهددون نفوذهم، كما بالقدر الباهرة التي كانت عند واحد منهم والذي استطاع بمهارته في السفسطة أن يكشف خطورة منزعهم وعبثيته، كان ذلك سقراط. وقد نجح في "محو" أثرهم الفكري بل وجعل اسم مذهبهم سبة يتبرأ منها كل مفكر "محترم". وفي الأزمنة المتأخرة تمت تبرئة السفسطائيين وإعادة الاعتبار لتراثهم بعد انتعاش الدراسات الحجاجية والبلاغية، وبعد أن تبين أن الخطاب الطبيعي ليس مكان الحقيقة المطلقة، إنما ملتقا للتفاوض والتشاور والتراضي، لأن الاجتماع البشري تلزمه توافقات آنية ليستكمل مساره لا أن ينتظر الحجة المفحمة للجميع، والتي لن تاتي حتى لو أتى "غودو" بيكيث.
أهمية السفطائيين لا تكمن فقط في تعليم الإقناع ولكن في التدريب على تمييز الخبيث فيه من الطيب، وهي من المهارات الأكثر راهنية في عصر السفسطة الجديدة.
السفسطائيون الجدد أقوام محترمون يتخرجون ويعملون في جامعات محترمة وفي حقول معرفية "نافذة" كالتداوليات واللسانيات وعلم الأعصاب وغيرها، ونظرة سريعة في الموضوعات المطروقات في الحقول المعرفية المذكورة تكشف عن الغرض الكامن وراءها، وهو التحكم في قناعات الناس واختياراتهم والتعرف على الآليات المؤثرة في السلوك والمغيرة للقناعة والمحددة للرأي، عضوية كانت أو لسانية، لتوظيفها في تشكيل الرأي العام و"إنتاج" المواطن المناسب للبضاعة المناسبة، سواء كانت سلعة معروضة أو رئيسا حاكما.
ومن التقنيات التي "طورها" السفسطائيون الجدد بعد اكتشافها عبر رصد آثارها المذهلة: تقنية "سرد الحكاية" the storytelling ، وحاصلها أن القصة الجيدة و المحكية بالطريقة المناسبة لها قوة إقناعية تفوق وبكثير تلك التي للحجاج والاستدلال. ومن قوتها أنها ليست في حاجة لتحديد المطلوب منك، فأنت من سيستخرج العبرة من بين السطور، كما أنها لا تحتوي استدلالا يستثير الحاسة النقدية، بل تشتغل مباشرة على العاطفة وتوّلد الشعور المنتظر لحظة الاستماع.
في الانتخابات قبل الأخيرة في الولايات المتحدة، أي سنة 2004 وفوز بوش أمام كيري، صرح استراتيجي شهير شارك في إدارة حملات كل من كلينتون وآل كور وكيري وهو ستان غرينبيرغ بأن ما كان ينقص كيري هو قصة جيدة ، كما أن مهندس الحملة الناجحة لكلينتون جيمس كارفي قال :" أعتقد أن بالإمكان انتخاب أي ممثل من هوليود إذا كان لديه سرد يحكي من خلاله للناس عن ماهية البلد و وكيف يرونه". تحولت تقنية "السرد الحكائي" إلى هدف مهم عند الشركات الكبرى وأضحت تنظم بشأنها تكوينات مستمرة للمدراء و المهندسين وغيرهم، وهذا أحد كبار المنظرين لهذه التقنية في مجال التسيير والإدارة ومدير سابق في البنك الدولي ومكون يجوب العالم لإلقاء محاظرات في "السرد الحكائي" ستيفن دينينغ Stephen Denning يقول في كتابه الصادر في 2007 " اللغة السرية للزعامة": لا نستطيع أن نقرر ما سنقوم به ما لم نقرر أي قصة أو قصص نرى أنفسنا داخلها. وإذا أردنا أن نغير الطريقة التي يسلك بها الناس علينا أن نغير هذه القصص" (ص 105). وليس غريبا أن يكون الرئيس جورج بوش "الأصغر" من أكثر الرؤساء توسلا "بالسرد الحكائي" فهو خريج مدرسة للتسيير وإدارة الأعمال، ومباشرة بعد دخوله البيت الأبيض يسحب التقنية الجديدة من قبعته، ويقدم مكتبه للصحافة قائلا:"لكل واحد منهم قصته الفريدة، وتحكي هذه القصص مجتمعة ما يمكن وينبغي أن تكونه أمريكا"
بدأت "قصة" هذه التقنية في ثمانينيات هذا القرن مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وفي خطابه حول حالة الأمة سنة 1985 يقول:"قرنان من تاريخ أمريكا كان عليهما أن يعلمانا ألا شيء مستحيل. قبل 10 سنوات، تركت فتاة مع أهلها الفيتنام وهاجروا إلى الولايات المتحدة بلا متاع ودون معرفة بالإنجليزية...والآن تتخرج من الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت، قلت في نفسي إنكم قد تحبون الالتقاء ببطلة أمريكية اسمها جين نغويين" وتقوم الفتاة من مكانها وتنطلق التصفيقات. بعد ذلك ومع كلينتون يصبح "للسرد الحكائي" مسشارون في البيت الأبيض ويتحول إلى صناعة تخترق السياسة والإشهار وعلم الإدارة.
ويبقى سؤال ساذج هنا حول أصالة القصة، هل على القصة أن تكون حقيقية؟ الجواب من الواقع العملي هو النفي، ونختم المقال بمثال، لكن من فرنسا التي "استوردت" التقنية في السنوات الأخيرة. في حوار تلفزي بتاريخ 26أبريل2007 أي قبل أن يفوز ساركوزي بالانتخابات الرئاسية صرح الأخير بأن الوجود العسكري في أفغانستان كان ضروريا ولم يعد الأمر كذلك اليوم. ثم مباشرة بعد انتخابه يقرر دعم الوجود العسكري الفرنسي في أفغانستان وحجته قصة يرويها في لقاء تلفزي بتاريخ 24أبريل2008، يقول: "ليس لنا الحق في أن نرجع أشخاصا يقطعون يد امرأة لأنها صبغت أظافرها" وفي 20غشت2008 يتحدث عن قطع يد طفلة لأنها صبغت أظافرها، ثم في 4سبتمبر2008 وفي لقاء تلفزي يتحدث وزيره في الدفاع إيرفي موران عن قطع رؤوس أنامل بنات صغيرات لأنهم صبغن أيديهن.
والرئيس الفرنسي هنا لم يستورد التقنية فقط وإنما استورد القصة كذلك، فقد استعملتها لأول مرة عقيلة الرئيس بوش في إطار تعبئة الرأي العام وٌناعه بضرورة الإسراع بغزو طالبان وكان الاتفاق يقضي بالتركيز على قضية تحرير المرأة الأفغانية، ثم روت القصة حرفا بحرف بعد ذلك عقيلة توني بلير في محاضرة أمام نساء أفغانيات، وبعد الغزو طويت قضية تحرير المرأة إلى إشعار آخر.
وحقيقة القصة أربعة أسطر وردت في تقرير لمنظمة العفو الدولية بصيغة تمريض:"في حالة واحدة على الأقل في أكتوبر1996 قد تكون (aurait ) طالبان قطعت طرف إبهام امرأة لأنها صبغت أظافرها"، والتقرير يتحدث عن حالة واحدة وبصيغة تمريض وعن طرف إبهام وبلا شهود عيان، لتتحول القصة بعد ذلك إلى إحدى الدعامات الأساسية المبررة لغزو دولة واستمرار احتلالها.
لقد ابتعدنا كثيرا جدا عن السفطائيين اليونان وحجاجهم الذي على الأقل كان يستثير العقل ويحفز حاسة النقد، لنجد أنفسنا في عصر التسويق الذي يتحدث عن البيع في كل مناحي الحياة: بيع سلعة، بيع منزل, بيع رأي , بيع رئيس لناخبين. في عالم تحكمه هذه المفردات تصبح الغاية فيه استقطاب الزبون لا إقناع القرين، ويصبح الشعار: "الغاية تبرر الحكاية".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.