لما بدأنا الولاية التشريعية، وهي ولاية تأسيسية بامتياز، ووجهنا بمشاريع قوانين تنظيمية باعتبارها مكملة للدستور كالقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، أو لجان تقصي الحقائق، أو التعيين في المناصب السامية، أو حق تقديم العرائض والملتمسات في مجال التشريع ... وأخرى عادية كمشروع قانون الكراء، والملكية المشتركة، والمحلات الآيلة للسقوط، وبيع العقارات في طور الانجاز... وبعضها له علاقة وطيدة بالحقوق والحريات بامتياز، ومقترحات قوانين صادرة عن الفرق البرلمانية. تم بذل مجهود جبار من أجل إعدادها وإحالتها على اللجان، لكن ونحن على مشارف نهاية الولاية، يتبين أن قوانين مهمة لم تعرض على البرلمان إلا في متم شهر يونيو الحالي كمشروع القانون رقم 10-16 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي. هذا القانون أثارت مسودته السابقة الكثير من الجدل ووصف بالماضوية والردة الحقوقية، وتمت تجزئته حسب القطاعات إلى قوانين متعلقة بمكافحة الإرهاب، وقانون مكافحة الاتجار في البشر الذي تم تقديمه من طرف وزارة الهجرة، وقانون الصحافة المقدم من طرف وزير الاتصال، ومشروع قانون محاربة العنف ضد النساء المتضمن لمادة واحدة تعرّف العنف متبوعة بمواد بمثابة تعديل وتتميم للقانون الجنائي قدمته وزيرة الأسرة والتضامن. بالإضافة إلى قانون المسطرة الجنائية الذي لم يعرض بعد، أو القانون التنظيمي بالغ الأهمية ذي العلاقة الوطيدة بالمحكمة الدستورية التي تمت المصادقة على قانونها التنظيمي سابقا، في حين بقي القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين عالقا، وستعرضه الحكومة إلزاميا على البرلمان داخل أجل هذه الولاية التشريعية بقوة الفصل 86 من الدستور. للإشارة لم تتم بعد المصادقة على مشروع قانون يتعلق بحق الوصول إلى المعلومة، وقوانين أخرى تم تقديمها ولم تناقش، خصوصا المقترحات، الشيء الذي جرد البرلمان من اختصاصه الرئيسي الذي هو التشريع. ولعل هذه الوقائع تدفعنا إلى تقييم الزمن التشريعي الذي استغرقته بعض التعديلات وما صاحبها من مزايدات، مثل الفصل 475 من القانون الجنائي المتعلق بتزويج القاصر من المغرر، والفصل 20 من مدونة الأسرة المتعلق بالاستثناء الوارد على الفصل 19 المحدد لسن الزواج بالنسبة للفتى والفتاة في 18 سنة، والذي ما زال في رفوف لجنة العدل والتشريع بسبب خلاف بين الفريق الديمقراطي وفريق العدالة والتنمية، وتمديد العمل بمقتضيات الفصل 16 من مدونة الأسرة المتعلق بالبينة الشرعية في ثبوت الزوجية. نستنتج من ذلك أن زمناً تشريعيا مهما أهدر هدرا في مزايدات وخلافات، واكبه إعراض وتغاض بيّن عن عرض مقترحات القوانين المقدمة، كمقترح قانون الهيئة العليا لقضايا الدولة، ومقترح قانون يتعلق بالمسؤولية الجنائية لأعضاء الحكومة، ومقترح قانون يتعلق بتجريم تشغيل القاصرين، ومقترح قانون يهدف إلى حذف الفصل 288 من القانون الجنائي المتعلق بعرقلة حرية العمل، ومقترح قانون يتعلق بتعديل المادة الثانية من الحقوق العينية، والعديد من المقترحات المتراكمة فوق رفوف اللجان، خاصة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. وما نستنتج من ذلك أن التوزيع غير العادل للزمن التشريعي جعل الاهتمام ينصب على جزيئات وقوانين طبعت بالمزايدات والخلافات وهدر الزمن التشريعي، في الوقت الذي هرعت فيه الحكومة بالقوانين المهمة ومشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين في الشهر الأخير من الولاية، الشيء الذي سيدفع اللجنة إلى برمجة مشروطة بتسريع الوتيرة على حساب جودة النصوص، والمصادقة على قوانين قد لا تتناغم مع دستور رفع سقف الحقوق والحريات ونص على ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، خصوصا وأن إحالة بعض القوانين المتعلقة بالحقوق والحريات على المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بصفته هيئة وطنية مستقلة وتعددية تعطي رأيها في كل ما يتعلق بالحقوق والحريات، ومواصلة والاستمرار في العملية التشريعية دون الاستئناس برأي المجلس، يجعل الإحالة عبثية لأن النواب لن يستفيدوا من رأي المجلس. كما أن بعض القوانين التي طرحت نقاشا في الفضاءات العمومية تدفع بالفرق البرلمانية إلى برمجة أيام دراسية بحضور الهيئات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء والأساتذة المهتمين، في إطار المقاربة التشاركية، وتقديم تعديلات مهمة ونصوص مجودة بدل تهريب القوانين، خصوصا إذا علمنا أنه مع اقتراب نهاية الولاية أصبحت المواظبة على الحضور في اللجان غير ما كانت عليه في السابق، وأن إرهاص الزمن أصبح هو المعيار بدل جودة نصوص تتعلق بقوانين مهمة. ألم يكن للحكومة الوقت الكافي لعرض مشروع القانون الجنائي والمسطرة الجنائية ومشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين حسب أجندة تشريعية معقلنة، ومنح لجنة العدل والتشريع الوقت الكافي، خلال خمس سنوات خلت، من أجل الدراسة والمناقشة المستفيضة، وتنظيم أيام دراسية وتقديم تعديلات مجودة والمصادقة على قانون تنظيمي، الذي هو الدفع بعدم دستورية القوانين، يرد لأول مرة في دستور 2011؟ أم إن عدم تناسب الزمن التشريعي مع أهمية بعض القوانين له دوافعه ومؤثراته وانعكاساته المستقبلية! * محامية - نائبة برلمانية بفريق الأصالة والمعاصرة - عضو مكتب لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان.