ميناءا طنجة والدار البيضاء ضمن أفضل الموانئ العربية في الربط الملاحي العالمي    قاطرات صينية جديدة تعزز السكك الحديدية المغربية... تحديث أسطول الديزل وتطوير خط فاس–وجدة    نتانياهو يسخر من "شائعات تصفية"    الدار البيضاء.. فاطمة الزهراء اليومي تفوز بالجائزة الأولى للمسابقة الوطنية لحفظ القرآن الكريم لفائدة أبناء وأيتام أسرة الأمن الوطني    الرئيس ترامب يستبعد أي إمكانية لوقف إطلاق النار مع إيران في هذه المرحلة    شركات النفط في المغرب تبدأ موجة زيادات جديدة على خلفية ارتفاع البرميل إلى 100 دولار    إبراهيم دياز يحتفل بمباراته ال150 مع ريال مدريد    البوليساريو ودعم الجزائري والاتهامات والارتباط بإيران... كيف بدأ الكونغرس الأمريكي التحرك لفرض عقوبات على الجبهة؟    كرة القدم .. تعيين المغربية لمياء بومهدي مدربة للمنتخب الأردني للسيدات    زيادات تصل إلى درهمين في اللتر.. أسعار المحروقات ترتفع بالمغرب    ميزان الحسيمة يكرم نساء رائدات في أمسية رمضانية عائلية    رحيل الإعلامي جمال ريان بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود    850 قتيلا في لبنان منذ اندلاع الحرب    شكايات حول مبيدات مغشوشة بحقول الشمال تدفع وزارة الفلاحة إلى التحقيق    استحقاقات 2026 لحظة سياسية حاسمة لتقييم المسار التنموي وتصحيح اختلالاته    الجيش الملكي ونهضة بركان يفشلان في استغلال عاملي الأرض ويعقدان مهمتهما قاريا    اجتماع فريق عمل المكتب السياسي بالجهة والكتابة الإقليمية بالجديدة نقاش استراتيجي وترتيب للأولويات    نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    السماح لمعتقل حراك الريف محمد حاكي بحضور جنازة والده بالحسيمة    الكراهية تتحدى المجتمع الدولي    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    مكناس…لقاء بمكناس حول"التجربة المغربية في العمل التطوعي"    أهمية تدريس اللغة الأمازيغية داخل صفوف الجالية المغربية في بلجيكا    أفورار..توزيع 4160 وجبة افطار للصائمين المحتاجين وعابري السبيل وذوي الاحتياجات الخاصة    تأجيل سباق قطر للدارجات النارية بسبب الصراع في الشرق الأوسط    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    لقاء يحتفي ب "صمود المرأة القصرية"    الملك محمد السادس يجدد تضامن المغرب مع الإمارات ويدين الاعتداءات الإيرانية    الجامعة الملكية المغربية للرياضة للجميع تنظم ندوة حول الرياضة في خدمة القضايا الوطنية " وتحتفي بثلة من الإعلاميين والرياضيين.    المغرب يسعى إلى ضم موهبة الريال    ارتفاع نسبة ملء سدود المغرب إلى أكثر من 71 في المائة    وزارة الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 10 مسيرات في منطقتي الرياض والشرقية    قابلات مستشفى تيزنيت يطالبن بفتح تحقيق في تدبير الحركة الانتقالية داخل مصلحة الولادة    صداقة الأطفال مع الذكاء الاصطناعي .. متى تصبح مقلقة؟    تواصل القصف على إيران في الأسبوع الثالث من الحرب وإسرائيل تعلن بدء "مرحلة حاسمة"    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        حادثة سير خطيرة بطريق بطنجة تعيد دق ناقوس الخطر بشأن الدراجات النارية        من إيران إلى الجزائر... كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟    قراءات قانونية في الاعتقال الاحتياطي        في حضرة "البام".. مهنيون يفككون واقع وأعطاب المنظومة الصحية بالمغرب    مدرب الوداد: مواجهة آسفي صعبة    لا صيام بلا مقاصد    وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    الحسيمة.. إسدال الستار على الأمسيات الرمضانية للمديح والسماع وتكريم حفظة القرآن        أزولاي يستحضر بإشبيلية الجذور التاريخية لاحترام الاختلاف بالمغرب والأندلس    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    ترجمات القرآن -19- ترجمة ريتشارد بيل للقرآن.. السجع والترتيب والتاريخ!    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاستدلال الرياضي في التاريخ*
نشر في هسبريس يوم 02 - 08 - 2016


تقديم المترجم :
كتاب " الاستدلال الرياضي في التاريخ" من بين المراجع الهامة والناذرة التي تتناول مسألة البرهان الرياضي من منظور تاريخي، حيث يعمل المساهمون في الكتاب، عَبْر مُسَاءلَة التاريخ من زوايا مُختلفة، على محاولة فهم الكيفية التي تَطَوَّر بها الفكر الرياضي بِهَدف الاستفادة منها في مجال التَّدْريس. ويتضمن الكتاب، أشغال الندوة السابعة بين "مَعَاهِد البحث في تدريس الرياضيات" التي أقيمت بمدينة Besançon الفرنسية يومي 12 و 13 ماي 1989، والتي تُنَظّمُها على رأس كل سنتين مَجْموعة البحث حول تاريخ وإبستمولوجية الرياضيات ... ونظرا لأهمية الكتاب، فقد ارتأينا تقديمة للقارىء المهتم بمجال الرياضيات والديداكتيك لكل غاية مفيدة ... وقد عملنا في هذا الإطار على ترجمة التقديم الشامل للكتاب، والذي قامت به الباحثة Evelyne Barbin التي كانت في نفس الوقت من بين المساهمين في الكتاب والساهرة على إدارة أشغال التنشيط خلال الندوة المذكورة سابقا.
تقديم عام للمؤلف :
انصب اهتمام الندوة التي أقيمت بمدينة Besançon، بين معاهد البحث في تدريس الرياضيات على تاريخ البرهان الرياضي. والسؤال المطروح هو؛ لماذا نُسَائِلُ هذا التاريخ؟ الجواب البديهي، هو أن وضع البرهان في سياقه التاريخي وسيلة جيدة للتفكير حول مكانة البرهان في تدريس الرياضيات.
يُختزل مفهوم البرهان، في تدريس الرياضيات، عموما في الاستدلال الاستنتاجي، الذي تدعو البرامج الى تقديمه بشكل تدريجي لتلاميذ المدرسة الإعدادية. منذ ذلك الحين، أصبح هاجس تدريس الاستدلال الاستنتاجي لهؤلاء الفتيان، يحجب إدراك المشاكل الابستملوجية والديداكتيكية الأساسية للبرهان.
الاستدلال الاستنتاجي لا يُدَرَّس انطلاقا من ذاته مستقلا عن إنشاء فضاء رياضي ذي دلالة بالنسبة للتلميذ، وإعداد البرهان ليس هو الاستنتاج فقط. بل كذلك وفي حركة واحدة بناء أدوات رياضية جديدة وتشييد العقلانية(Rationalité) الرياضية نفسها.
البرهان ليس هو المعرفة فقط، لكنه كذلك إرساء هذه المعرفة على بر اليقين. حيث نتمكن من إدراك الأسباب التي تدفعنا الى طلب هذه المعرفة، ومن التعرف على كيفية التوصل إليها. إن اختزال البرهان في الاستدلال الاستنتاجي يمحو أي أثر للتساؤلات ومَواطِن عدم التّوازُن المعرفي، ولا يترك أي مجال للتَّوتّرات الذّهنية التي تعتبر المُمَهّد الأساسي للرغبة والحاجة للبرهان.
حتى نتمكن من التّعَرّض ثانية لصورة تكررت عدة مرات في هذا المؤلف، نقول أن البرهان، قبل أن يكون ذلك الطريق النَّيرْ الذي لايعرف الشك ويُبْرِزُ اليقين، فإنه المسلك الذي يصطدم بالشكوك، فيهدّىء من روعها ويخلق شروط اليقين، بشكل تدريجي. بخصوص مينون Ménon ، الذي تمت دراسته وفق ثلاث وجهات نظر مختلفة في المؤلف، لم يكن سقراط يهتم بالمسالك بل كان يهتم بالطريق. ألم يحاول مُدَرس الرياضيات في مناسبات عدة الاهتداء بطريق سقراط ؟
هكذا يتبين أن البرهان لم يكن ذلك الطريق السهل، الذي رُسِمَت معالمه الى الأبد. إن وضع البرهان الرياضي في إطاره التاريخي هو أيضا حماية من " الغلط" المؤدي للإعتقاد بأن البرهان مُحَدّد بنفس المعنى في مختلف أشكاله، وهو الذي يحتم علينا أن نفكر في تَعَدّدِ أنواعه. إن أسُس البرهان تَتَحَول (se transforment) ، ومَعْناه يتبدل (se modifie) ، وأشكاله تتغير (changent) ، والشعور بالبداهة يتطور (varie) مع التاريخ.
الجوانب التاريخية والابستملوجية والفلسفية للبرهان الرياضي، غالبا ما يتم تناولها بجرأة في مختلف المساهمات التي يتألف منها هذا الكتاب. حيث قمنا بتنظيم هذه المساهمات في أربعة أجزاء كبرى تتقاطع فيها القضايا المُثَارة في هذا العرض. الجزء الأول يدرس مسألة البرهان الرياضي، ويهتم بتلازم بلورة البرهان وبناء الكائِنَات الرياضية. الجزء الثاني مخصص لتطورات شكل البرهان الرياضي. الجزء الثالث، تحت عنوان " تطور و جدال حول البرهان " يأخذ تنوع البرهان كموضوع للبحث والتفكير. الجزء الرابع يهتم بالعلاقة بين تاريخ البرهان وتدريس الرياضيات.
وهكذا تكون الطريق مُعَبّدة. لكن على القارىء أن لا يتردد في ان يتجول داخل مسالك الكتاب حسب التساؤلات أوالشكوك او القناعات التي يحملها هو نفسه.
لماذا نبرهن؟ ما ذا يعني إنجاز برهان ؟ إذا أجبنا عن هذين السؤالين، بالقول أن الهدف من البرهان هو جلب معلومة أو معرفة حول الكائنات الرياضية، سنجد أنفسنا فورا في مواجهة سؤالين جديدين: بأي شكل من المعلومات وبأي نوع من المعارف يتعلق الأمر؟ وماهي هذه الكائنات الرياضية؟ الأمور بدأت في التعقيد بجدية، لأن نوعية معلوماتنا ومفهومنا للكائنات الرياضية كلاهما تمت بلورته انطلاقا من البرهان. وهكذا نسقط في قلب إشكالية أساسية: ممارسة البرهان الرياضي مرتبط تماما ببناء الكائنات الرياضية، وبصفة عامة مرتبط بدور الرياضيات.
انطلاقا من الذكاء الكامن في الوضعيات ووصولا الى النسق معطيات – استنتاج، فحص Nicolas ROUCHE مراحل البرهان، وربط كل مرحلة من هذه المراحل بتغيير معين في طبيعة الكائنات الرياضية. بخصوص فرضية أن البرهان يتأسس على قانون الصدق ، فقد فحصت Jacqueline GUICHARD التصورين المتقابلين والحاضرين في الفكر الفسلفي : الصدق هو تعرية الواقع أم الصدق هو بناء الفكر. وبينت أن التصور الأخير، يقود الى الاعتقاد بأن البرهان مكتشف و مُبدع لأدوات رياضية جديدة.
تجسد مقالات كل من Evelyne BARBIN و Norbert MEUSNIER و Michel GUILLEMOT ، إشكالية البرهان هذه انطلاقا من لحظات محددة من تاريخ الرياضيات، ويوضحون من خلال مقالاتهم، كيف يتم في آن واحد إنشاء المفهوم وإعداد البرهان الرياضي، وكيف يمكن لبرهان معين أن يُفْسِحَ المجال لِتَشَكل فضاء جديد للمعرفة، وكيف يمكن لِمُتَطلبات تحديد معنى للبرهان أن يخلق مفاهيم جديدة في الرياضيات.
جاء تأمل Gonseth لتوسيع الاشكالية المطروحة في هذا الجزء، ذلك أن هذا التأمل يبين أن النظرية الإعدادية لبناء علم معين، تبنى في الواقع في نفس الوقت مع العلم التي خُلِقت من أجل تأكيد مصداقيته، وعليه فإن هذه الأخيرة لا تصير إعدادية بالفعل إلا بعد ذلك ! وكما يؤكد Rudolf BEKKOUCHE ، فإن النشاط البرهاني ليس تطبيقا ليقين محدد سلفا، لكنه الفضاء الذي يبنى فيه هذا اليقين.
أشكال البرهان الرياضي :
يُؤدي طرح سؤال أشكال البرهان الرياضي الى التساؤل أولا حول مُتَطَلبات الشكل الاستدلالي (forme disscursive) لهذ الأخير. في هذا الإطار تدعونا الرياضيات الصينية الى الوقوف عند هذا الاستفهام، إذ تدفعنا الى التساؤل حول مشروعية اعتبار les « monstrations » الصينية، وهي عبارة عن أشكال هندسية دون تعاليق او رموز توضيحية، لكنها تساعد على رؤية وإدراك النتيجة، اعتبارها برهانا رياضيا (Démonstration) ؟ . يجيب Jean Claude MARTZLOFF بالإيجاب، مبينا أن الرياضيات الصينية، تقوم على ترسانة من الأساليب (procédés) البارعة التي تشكل " جسرا هندسيا" حقيقيا. بالاضافة الى هذا، يبقى لزاما على مؤرخ الرياضيات أن يختبر هذه الأساليب اختبارا حقيقيا، حتى يتمكن من تثمين العلاقة الموجودة بين le « montrer » ، الذي هو إخراج معين لبديهيات بصرية، وبين " البرهان" ( le « démontrer ») ، الذي هو سلسلة متتالية من البديهيات العقلية.
مجموعة "تداخل المواد" (Inter-dissiplinaire) التابعة لمعهد الأبحاث في تدريس الرياضيات بمدينة Rouen (فرنسا)، تدرس هذا الانتقال (Passage) في الرياضيات الإغريقية، وتحلل بعد ذلك مختلف أشكال البرهان الإغريقي. وقد تبين أن البراهين الموظفة في عناصر أقليدس، تحترم تعاليم آرسطو وتقوم على الاستدلال الاستنتاجي، لكنها مع ذلك تشكل عائقا كبيرا يتمثل في عدم التعرض لأي شيء يُوَضحُ كيفية ابتكار هذه البراهين. وهكذا يبقى على ورثة أقليدس أن يولوا عناية خاصة للتمييز بين مسارين: التحليل الذي يؤدي الى إيجاد البرهان، ثم التركيب الذي يهدف الى إقامة البرهان على الشكل الاستناجي.
في مقالة مخصصة لأعمال أرخميدس، يُمَيز Bernard BETTINELLE بين هذين المسارين، بمقارنة الطريقة "الميكانيكية" مع البرهان بالاختزال المزدوج بالخلف، في حساب المساحات. كما يوضح Jean Pierre LEGOFF ، أن مؤرخ الرياضيات؛ إنما يسمي هذا الشكل الأخير من البرهان ب " البرهان الكامل" عن خطأ. حيث يعود هذا المصطلح الى Grégoire de saint vincent الذي طور البرهان الأرخميدسي بعمق خلال القرن السابع عشر: فبينما يبذل البرهان المزدوج بالخلف كل جهده لتلافي اللانهاية، نجد ان برهان Grégoire de saint vincent الشجاع يقوم على اعتبار متسلسلة لانهائية من المثلثات.
يمكننا أن ننتبه الآن، وخلال لحظات أخرى من تاريخ الرياضيات، أن قانون اللانهاية في الرياضيات يلعب دورا مهما في تبرير شكل من أشكال البرهان. وهكذا يقترح Claude MAKKER قراءة براهين Euler " المدهشة"، التي باعتمادها على استدلال بالمماثلة (Raisonnement Analogique) ، تفترض أن اللانهاية تتمتع بنفس خاصيات النهاية. كما ان الجدال العصري بين الإثبات البنائي (Preuve constructive) و الإثبات الكنطوري (Preuve Cantorienne) تشمل كذلك، كما يوضح Henri LOMBARDI ، معالجتين مختلفتين للانهاية : فبينما نجد للانهاية طَابَع سلبي عند Brouwer ، فإنها تتمتع بكامل أهمية اللانهاية كما نعرفها اليوم في جنة Cantor .
استقطبت المنهجية التحليلية، بشكل قوي، اهتمام المختصين في الهندسة خلال القرن التاسع عشر بحكم تحمسهم للبحث حول "طرق الاستكشاف". وهكذا فإن الطريقة الديكارتية التي تُحَول المسائل الهندسية الى حَل المعادلات الجبرية، ستمثل شكلا جديدا للبرهان، وسيلعب هذا الشكل الجديد دورا مهما في القرنين المواليين. ويَتخِذ الحلم الديكارتي اليوم، شكلا محسوسا بفضل قدرات الحاسوب الخارقة. كما يشهد على ذلك البرنامج المعلوماتي الذي قدمته COSTE ROY Mari Françoise ، وهنا نتساءل ألا يمثل هذا البرنامج شكلا جديدا للبرهان؟
تطور و جدال حول البرهان :
غالبا ما يكون تاريخ الجدال والتطور الذي أتاحهما البرهان الرياضي، غنيا بالدروس حول الكيفيات المختلفة، في التاريخ، لتصور شكل مقبول للبرهان، ولتصور الكائنات الرياضية المَعْنِية، بل ولتصور المعرفة الرياضية نفسها. يُبَين تاريخ المؤلف le traité des porismes d'Euclide ، الذي قدمه Danis LANIER ، أن هذا المؤلف المفقود قد أتاح، على مدى ثلاثة قرون، بناءات وتأسيسات جديدة يعود إليها الفضل بالخصوص في إتمام التصورات المنهجية لواضعيها. فيما يخص ثنائية الحدود (formule du binôme) ، فقد عرفت ما بين 1736 و 1821 نحو خمسين برهانا، ويبين لنا Michel PENSIVI بأن كل انتقال من برهان لآخر، كان يكرس أحد الاتجاهين، إما فرض شكل من أشكال البرهان وإما أخذ مُتَطَلب جديد على مستوى المعرفة الرياضية بعين الاعتبار. وكان الدافع هو الرغبة في تعميم هذه الصيغة حتى تصبح معاملاتها أعداد حقيقية (Réels) .
وغالبا ما كانت الرغبة في التعميم وراء التخلي عن شكل معين للبرهان لصالح شكل آخر. وهو ماحدث بالنسبة لقاعدة الإشارات (Règle des signe) ، كما يشير الى ذلك Jacques BOROWCZYK ، لكن الانتقال من شكل لآخر كان يتطلب أيضا ، إنشاء مفاهيم جديدة أحيانا. في هذا الاطار يبين Jean Pièrre FRIEDELMEYER ، أن تعميم صيغة ثنائية الحدود الى حدودية لا نهائية أدى ب Arbogast الى ابتكار حساب الاشتقاق.
يقدم تاريخ الرياضيات ظواهر ذات طابع تكويني، حيث يمكن لبرهان جديد أن يُحْدثَ انقلابا في أهمية النتيجة وقوة تأثيرها، أو أن يحدث تغييرا في معاني البراهين السابقة. وهكذا فقدت صيغة ثنائية الحدود أهميتها في مجال التحليل، بعد أن تمت البرهنة عليها من طرف Cauchy ، وتحولت الى مجرد لَازِمَة (Corollaire) لصيغة Taylor ، ويؤكد Gilbert FEROL، بأن براهين "خاصيات المستحيل" (théorème d'impossibilité) التي تخص إجراءات التجميع قد أحدثت معنى آخر مع تدخل المقاربة الدلالية (sémantique).
يمكن أن يكون الجدال بين الرياضيين، بخصوص برهان ما، غيرمستحق أو مزعج على مستوى الأشخاص، لكن يمكنه أن يلعب مع ذلك دورا إيجابيا وخصبا على مستوى التاريخ. بهذا الخصوص يوضح Jean Luc CHABERT ، بأن البرهان بالمماثلة الذي اقترحه Jean BERNOUILLI بخصوص la courbe brachistochrone ، كلفه مقاطعة تامة لأخيه Jacques، لكن جدالاتهم هاته أدت الى ميلاد حساب التغيرات (Calcul des variations) . كما أن برهان Jean بالمماثلة هو الذي ألهم أعمال كل من Broglie و Schrodinger. وفي نفس الاطار يعرض كل من Michel GUILLEMOT و Michel SERFATI ، الانتقادات الصارمة والمتشددة التي كان Zermelo عرضة لها عندما استعمل مبدأ الاختيار (Principe de choix) من أجل البرهنة على خاصية le bon ordre ، ويوضحان كذلك أن المشكل الذي تمت إثارته كان ذا صلة وثيقة بميلاد نظرية المجموعات.
تاريخ البرهان و تدريس الرياضيات :
يقدم تاريخ الرياضيات للتدريس مشهدا أقل صفاء من المشهد الذي يتخيله هذا الاخير. لا شيء يُوَضحُ بشكل قبلي، حيث أن البرهان والأدوات الرياضية تُشَيد في آن واحد. ولا شيء في المطلق، لأن أشكال البرهان تتغير في التاريخ. لامجال للشك في أن هذا الاختلاف هو الذي يشد إليه، أو لا انتباه المدرس الذي يواجَه مع التاريخ. في هذا الاطار ركز Denis DAUMAS و Pierre LAMANDE و Michèle GREGOIRE ، اهتمامهم هم الثلاثةعلى مختلف البراهين الموضوعة من أجل إثبات نفس النتيجة وحاولوا إدراك أهمية وقوة ومعنى كل برهان من هذه البراهين.
Michèle GREGOIRE و Denis DAUMAS، يقترحان على تلامذتهما الاشتغال على البراهين الموجودة في نصوص قديمة. لأن الأولى تريد ان تثير اهتمام تلامذتهما وتعتقد أن اختلاف المقاربات والطرق التي مارسها LEGENDRE في حساب حجم الهرم يمكن أن تؤدي بالتلاميذ الى الحساب التفاضلي (Calcul différentiel) ، أما الثاني فلأنه يرى في مسألة اللاجدرية (Irrationalité) محورا يمكن أن يفسح المجال لنشاطات بين مختلف المواد. إن توظيف المنظور التاريخي من طرف هذين الأستاذين سيقدم أيضا، دون شك،صورة أخرى عن مادة الرياضيات.
ليس هناك شك في أن الصورة التي يمكن التعبير عنها ب « sanctuaire – sanction » والتي تشكلت لدى المدرس عن البرهان، تدين بالكثير لأعمال أقليدس، حيث أنها كانت تشكل ، على مدى عدة قرون، أساس التقاليد الهندسية. من هنا تأتي إذن أهمية القراءة التي يقترحها Gilles ITARD ، للكتاب الأول لعناصر أقليدس: فهي تزعزع المقدس، هذا البناء الأقليدي العظيم، حتى يقدم لنا المفاتيح والسبل التي تتيح فهم تصميمه المعماري.
وكما كتب Gilles ITARD، " فإن على المدرس أن يعيد تناول المنظور بكامله، وأن يعيد مراجعة جميع العلامات الموجودة على الطريق، ومن أجل هذا عليه أن يحاول فهم كيفية وأسباب تشييد هذه الطريق النيرة، حيث أضحى من البديهي أنها كانت موضوع "تشييد" . هذه "البداهة" هي بكل تأكيد أجمل درس يمكن لتاريخ الرياضيات جلبه من أجل تعميق التفكير في مجال تدريس الرياضيات.
*ترجمة بتصرف
مفتش ممتاز للرياضيات بالتعليم الثانوي – سابقا
E-mail : [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.