بلال الخنوس يحرز هدفين أوروبيين    النيابة العامة تؤكد فرضية انتحار "ضيف" الفرقة الوطنية.. ووالداه يشككان في الرواية ويطالبان بكشف ملابسات القضية    إطلاق سراح الأمير أندرو بعد ساعات من التحقيق.. والملك يؤكد أن "القانون يجب أن يأخذ مجراه"    تشريح يؤكد وفاة بالقفز من مقر BNPJ    بنسعيد يعلن اعتماد صيغة جديدة لدعم المقاولات الصحفية    دعم أمني وطبي.. المغرب ينخرط عملياً في تثبيت الاستقرار بغزة        نصائح ابن حزم في "طوق الحمامة" للعشاق وحكاية ابن السراج والفاتنة شريفة        المجلس الوطني لحقوق الإنسان: تدبير فيضانات الغرب واللوكوس يؤسس لنموذج مغربي في مجال الجاهزية الاستباقية في تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية    مطلب برلماني لوزارة الداخلية بتعويض متضرري فيضانات الحسيمة    الحكومة تصادق على تعيين بنحيون عميدًا لكلية الآداب بتطوان    إحباط محاولة تهريب أقراص مهلوسة إلى المغرب عبر سبتة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    أحكام بسجن المشجعين السنغاليين في المغرب بين ثلاثة أشهر وسنة    أمريكا تمنح 10 مليارات لمجلس السلم    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات بأداء إيجابي    عن القلوب التي تواسي بلا حدود أو قيود    تقرير إسباني: ميناء طنجة المتوسط غيّر خريطة الموانئ في مضيق جبل طارق        الزلزولي: "أنصار ريال بيتيس الأفضل في "الليغا" ويذكرونني بجماهير المنتخب المغربي"    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    الذهب يرتفع مع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران وترقب بيانات تضخم أمريكية    عمالة إقليم العرائش .. كافة سكان مدينة القصر الكبير يمكنهم العودة إلى منازلهم ابتداء من اليوم الخميس    مكتب الصرف يطارد استثمارات "مخفية" لرجال أعمال مغاربة في الخارج    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج        انطلاق عملية الإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية بداية مارس المقبل    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    "الكونفدرالية" ترفض الإصلاح الحكومي الأحادي لأنظمة التقاعد وتحذر من المساس بمكتسبات الأجراء    نقابات الصيادلة تندد ب"الإقصاء" ومجلس المنافسة يؤكد شرعية إصلاح القطاع    شنغن تتجه لتمديد التأشيرات لأكثر من خمس سنوات    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان        بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء    إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجحيم للعرب بفصل رؤوس رواد الأدب
نشر في هسبريس يوم 23 - 02 - 2013

نتلقى ببالغ الأسى والأسف وبغضة شديدة في حناجرنا اليوم القطع الثاني بعد سابقه فما كان الأول سوى لرهين المحبسين بعد إلقاءه في حبس ثالث بقطع رأسه وهو الشاعر الأديب الصنديد أبي العلاء المعري ابن معرة النعمان، وهاهو في ظرف اقل من نصف شهر يقطع رأس عميد الأدباء العرب صاحب الرواية الشهيرة الغنية عن التعريف التي يفصل فيها ويجمل فيها أيامه البيضاء والسوداء والتي أحدث فيها ثورة على كساد الرواية العربية، وإننا نضع ثلاثة تصورات لهذا الفعل الهمجي التطرفي كالآتي:
التصور الأول: إما ان من فعل هذا الفعل الشنيع له معتقد متشدد خاصة إذا علمنا أن الأديبين معا نبذوا التطرف والتشدد باسم الدين في مختلف كتاباتهم وقصائدهم وجاهدوا من أجل هذا ، وإذا ما علمنا أن هناك ارتباطا بين طه حسين وأبي العلاء، فكما هو معلوم أن رسالة الدكتوراه للدكتور طه حسين كانت تحت عنوان "ذكرى أبي العلاء" والتي أثارت ضجة كبيرة ىنذاك في الأوساط المتشددة التي وصلت الدرجة فيها إلى اتهامه بالزندقة، ولعل أبناء أو حفدة هؤلاء يعودون من جديد لنسف الفكر والأدب الرائع.
التصور الثاني: قد يكون هؤلاء أيضا من المتشددين المتزمتين الذين لهم فكرة أن الصور والتماثيل في الدين الإسلامي حرام لكنهم لا يتراجعون هنيهة كلما سلطت عليهم الكاميرات والأضواء الصحفية العالمية ولهذا فهم متناقضون فقط مع أنفسهم فينبغي إلحاق أقصى العقوبات بهم.
التصور الثالث: لعلها العنصرية والطائفية سبب كل هذا فكما هو معلوم أن الأديبين معا من المكفوفين كليا، ولا يخفى على أحد ما يعانيه المكفوف والمعاق بالدول العربية قاطبة متناسين الفصل الكبير لهؤلاء على الأمة العربية جمعاء فهاهو طه حسين وأبي العلاء المعري والشيخ عبد الحميد كشك والإمام الشاطبي وغيرهم كثير من الرواد العظام الذين بصموا التاريخ الأدبي والديني بأروع ما يمكن وجوده اليوم يقبعون تحت ويلات القهر والظلم حتى وهم موتى فكيف ستتقدم هاته الأمة الجاهلة بالله عليكم؟
ومهما كان التصور فهو إما عنصري أو طائفي لابد من قطع جذوره بالحصادة، فعلا هي كبوات كثيرة يعيشها عالمنا العربي اليوم وإننا لفي غاية الأسى والأسف أن نرى هذا يحدث في دول يقال أنها حققت ربيعا عربيا على الدكتاتورية أو في طريقها، وما أراه سوى ربيع على السلطة خريف للحضارة والفكر والمعرفة بكل تجلياتها وشعبها وبهذا نكون قد أخلفنا الموعد مع التاريخ مع الدب مع المعرفة عامة وقد لا يعاد لنا يوما ونندب حظنا التعيس على التفريط فيه لأجيال لا يهمها سوى الحرب ضد الخبز وما بالخبز وحده يعيش الإنسان فأمة بلا ثقافة ولا حضارة ولا تاريخ لا معنى لوجودها فالطمر تحت غياهب الثرى خير من الطمر في غياهب الظلام ومقابر الجهل العقلي والروحي سواء؛ وهذا ما جعل الغرب يستفيد على ظهورنا ويستغل هاته الثغرة العميقة فينا لينسج على منوالها علما متقدما وأدبا راقيا، خاصة إذا علمنا أن بريطانيا العظمى ظلت ترزح تحت الجهل ومشكلة التعليم إلى أن أتى وزيرا مكفوفا هو من أنقذ التعليم فهاهي اليوم جامعتهم "كامبريدج" تصنف أول جامعة في العالم في آخر إحصاء متخطية "هارفارد" حسب تصنيف أفضل الجامعات العالمية الأميركي المعتمد على تصنيف «وورلد كيو إس»، ، ونحن لا نزال نأمل ونطمح ونتمنى فما ان نستيقظ من النوم حتى نشاهد فعلة شنعاء نكراء تخرج من بين ظهورنا وتتركها عارية منشقة قد تتفتح الشقة أكثر فأكثر فلا نجد معها يوما خيط جراح.
ولعل في قوله تعالى "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير" ألف عبرة لمن أراد أن يعتبر في مركز هؤلاء، وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثّوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"
وأخيرا لا يسع إلا أن نندد ونستنر بهذا الفعل الهمجي العنصري التطرفي الظلامي المشين ونترككم مع أروع القصائد التي خلدها أبي العلاء في ديوانه الشهير "اللزوميات" التي يندب فيها حظه - لعله كان على علم بما سيفعله السفهاء فيه وراءه –والتي كانت في الأصل رسالة وهو نفس عنوانها، قائلا:
نَزَلَ الأَسَى فَوقَ الأَسَى بِدِيَارِي
وَامْتَدَّ كَالطُّوفَانِ كَالإعْصَارِ
فَجَدَاوِلُ الدَّمْعِ الْغَزِيرِ كَثِيرَةٌ
تَجْرِي عَلَى الْوَجنَاتِ كَالأَنْهَارِ
وَبِكُلِّ عَينٍ عَينُ دَمْعٍ لَونُهَا
يُغْنِي عَنِ الإِعْلانِ وَالإِسْرَارِ
والْمَوتُ حَقٌّ، والْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ
مَهْمَا اسْتَطَالَتْ مُدَّةُ الأَعْمَارِ
والنَّاسُ تَلْهُو، أَو تُفَكِّرُ إِنَّمَا
حُكْمُ الْقَضَاءِ يُطِيحُ بِالأَفْكَارِ
ويُحَوِّلُ الْفَرَحَ الْمُغَرِّدَ مَاتَماً
يَرْمِي قُلُوبَ النَّاسِ فِي الأَعْشَارِ
ويُبَدِّلُ الَّلحْنَ الطَّرُوبَ مَنَاحَةً
ويُنَغِّصُ الأَفْرَاحَ بِالأَكْدَارِ
ويُكَابِدُ الآلامَ - في أَحْزَانِهِ -
مُتَضَارِبَ الأَفْكَارِ فِي الدَّوَارِ
عشْرُونَ عَاماً !! كَالطَّرِيدِ مُهَجَّراً
فِي عَالَمِ الْحَدَّادِ والْبِيطَارِ
لا أَسْتَطِيعُ زِيَارَةَ الْوَطَنِ الَّذِي
أَضْحَى ضَحِيَّةَ عُصْبَةِ الْجَزَّارِ
بَطَشَتْ بِشَعْبِهِ طُغْمَةٌ هَمَجِيَّةٌ
وتَبَجَّحَتْ بِفَظَاعَةِ الأَوزَارِ
سَجَنَتْ سُرَاةَ شُعُوبِنَا بِشُيُوخِهِمِ
وشَبَابِهِمْ فِي أَسْوَأ الأَوكَارِ
وتَفَرَّقَ الشَّمْلُ الْحَبِيبُ، وهَاجَرَتْ
- مِنَّا - الأُلُوفُ كَهِجْرَةِ الأَطْيَارِ
َكِنَّ بَعْضَ الطَّيرِ يَرْجِعُ حِينَمَا
يَاتِي الرَّبِيعُ بِحُلَّةِ الأَشْجَارِ
وتَمُوتُ آلافُ الطُّيُورِ - غَرِيبَةً !!
مَنْسِيَّةً - بِحَدَائِقِ الأَزْهَارِ
أَمَّا أَنَا فَقَدِ ابْتَعَدْتُ، ولَمْ أَمُتْ
لَكِنَّنِي كَالْغُصْنِ دُونَ ثِمَارِ !!
كَالْغُصْنِ والأَعْوَامُ تَنْشُرُ أَضْلُعِي
والْغُصْنُ لا يَقْوَى عَلَى الْمِنْشَارِ
فَرْداً حَزِنْتُ، ومَا فَرِحْتُ، ولا أَتَى
خَبَرٌ يُفَرِّجُ كُرْبَةَ الْمحْتَارِ
وغَرِقْتُ فِي الأَحْزَانِ -بَعْدَ تَفَاؤُلِي-
فَهَتَفْتُ بِالطَّبَّالِ والزَّمَّارِ :
كُفَّا فَمَا قَرْعُ الطُّبُولِ بِنَافِعٍ
- أَبَداً - ولا التَّزْمِيرُ بِالْمِزْمَارِ
إِنِّي سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ، ومَا بِهَا
مِنْ كَثْرَةِ الأَخْطَارِ والإِخْطَارِ
وفَقَدْتُ أُمِي نَائِياً، ومُهَجَّراً
فِي لُجَّةِ الإِحْبَاطِ والإِصْرَارِ
فَأَضَعْتُ بُوصِلَةَ النَّجَاةِ بِفَقْدِهَا
وفَقَدْتُ يَنْبُوعاً مِنَ الإِيثَارِ
ورَجَعْتُ كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ - مُوَلْوِلاً -
أَتَجَنَّبُ الأَمْوَاجَ كَالْبَحَّارِ
لَكِنَّ مَوجَ الْحُزْنِ أَغْرَقَ مَرْكَبِي
وتَحَطَّمَ الْمِجْدَافُ بَعْدَ الصَّارِي
وفَقَدْتُ مَنْ فَجَعَ الأَحِبَّةَ مَوتُهَا
والْمَوتُ حَقٌّ مَا بِهِ مِنْ عَارِ
لَكِنَّهُ مُرٌّ يُفَرِّقُ شَمْلَنَا
بِصَرَامَةٍ كَالصَّارِمِ الْبَتَّارِ
فَصَرَخْتُ : وَاأُمَّاهُ !! وارْتَدَّ الصَّدَى
مُتُفَاوِتَ الإِخْفَاءِ والإِظْهَارِ
وبَكَيتُ مَجْرُوحَ الْفُؤَآدِ مُنَاجِياً:
أُمِّي، بِدَمْعٍ نَازِفٍ مِدْرَارِ
لاَ أَرْتَجِي أُمًّا سِواكِ ولَيسَ لِي
إِلاكِ مِنْ عَونٍ ومِنْ أَنْصَارِ
وأَعَدْتُ : واأُمَّاهُ !! دُونَ إِجَابَةٍ
تُغْنِي عَنِ الأَبْرَارِ، والأَشْرَارِ
وغَرِقْتُ فِي الْحَسَرَاتِ بَعْدَ فِرَاقِهَا
- فَرْداً - ولَمْ أَسْمَرْ مَعَ السُّمَّارِ
فَرْداً غَرِيبَاً نَائِياً ومُهَجَّراً
ومُطَوَّقاً بِوَسَائِلِ الإِنْذَارِ
لَكنَّنِي مِنْ أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ
مَحْمُودَةِ الإِيرَادِ والإِصْدَارِ
غَدَرَ الزَّمَانُ بِهَا، وفَرَّقَ شَمْلَهَا
فِي الْكَونِ بَينَ حَوَاضِرٍ وقِفَارِ
وطَغَتْ عَلَيهَا الْحَادِثَاتُ فَكَسَّرَتْ
مِنْ شَعْبِهَا الْفَخَارَ بَالْفَخَّارِ
هِيَ أُمَّةٌ !! شَاهَدْتُهَا مَقْتُولَةً
مَا بَينَ رِعْدِيدٍ ووَحْشٍ ضَارِ
هِيَ أُمَّةٌ عَرَبِيَّةٌ قَدْ سَلَّمَتْ
مَحْصُولَ مَا زَرَعَتْ إِلَى النُّظَّارِ
فَتَقَاسَمَ النُّظَّارُ زَهْرَ تُرَاثِهَا
بِمَشَارِطِ الأَنْيَابِ والأَظْفَارِ
حَتَّى إِذَا وَقَعَ الْبَلاءُ وخُدِّرَتْ
بِالسِّحْرِ، وانْقَادَتْ إِلَى السَّحَّارِ
قَامَتْ جُمُوعُ الأُمَّهَاتِ إِلَى الْوَغَى
ثَكْلَى الْقُلُوبِ، قَوِيَّةَ الإِصْرَارِ
فَدُمُوعُهنْ : جَدَاوِلٌ رَقْرَاقَةٌ
وجُيُوبُهُنَّ : مَنِيعَةُ الأَزْرَارِ
وقُلُوبُهُنَّ : مَشَاعِلٌ وَضَّاءةٌ
ووُجُوهُهُنَّ : جَلِيلَةُ الإِسْفَارِ
يَصْنَعْنَ - مِنْ جُبْنِ الرِّجَالِ - شَجَاعَةً
مَمْزُوجَةً بِجَسَارَةِ الْمِغْوَارِ
مِنْهُنَّ أُمِّي، والأُمُومَةُ نِعْمَةٌ
عُلْوِيَّةٌ تَعْلُو عَلَى الأَطْوَارِ
لَمْ أَدْرِ كَيفَ فَقَدْتُهَا؟ فِي غُرْبَةٍ
مَرْفُوضَةٍ طَالَتْ وَرَاءَ بِحَارِ
لَكِنَّنِي أَحْسَسْتُ أَنَّ خَيَالَهَا
كَالنُّورِ - يُومِضُ دَائِماً - بِجِوَارِي
ويُنِيرُ لِي دَرْبَ الْهِدَايَةِ والتُّقَى
ومَنَاقِبَ الْعُبْدَانِ والأحْرَارِ
ويَقُولُ لِي : مَا زِلْتُ أَحْيَا بَينَكُمْ
- سِرا- وأَسْتَعْصِي عَلَى الأَبْصَارِ
لَكِنَّ أَصْحَابَ الْبَصَائِرِ قَدْ رَأَوا
- بالسِّرِّ - مَا اسْتَخْفَى مِنَ الأَسْرَارِ
فَأَجَبْتُ: فِعْلاً قَدْ شَعَرْتُ بِطَيفِهَا
كَنَسَائِمِ الْفِرْدَوسِ فِي الأَسْحَارِ
وأَنَارَ لِي كُلَّ الدُّرُوبِ وأَسْفَرَتْ
شَمْسٌ تُشِعُّ النُّورَ فِي الأقْمَارِ
أَنْوَارُ أُمِّي لا تُحَدُّ -كَحُبِّهَا
وحَنَانِهَا- بِمَنَاعَةِ الأَسْوَارِ
أُمِّي تَسِيرُ بِجَانِبِي -في غُربتي-
وتُنِيرُ لِي طُرُقاً بِكُلِّ مَسَارِ
تَجْتَازُ حُرَّاسَ الْحُدُودِ حَنُونَةً
وتُبَدِّدُ الأَوهَامَ بِالأَنْوَارِ
وتَبُثُّ -فِي رَوعِي- ثَبَاتاً مُطْلَقاً
بِعَدَالَةِ اللهِ الرَّحِيمِ الْبَارِي
وتُلَطِّفُ الْحُزنَ الْمُخَيِّمَ بَعْدَمَا
سَالَتْ دُمُوعُ الْقَومِ كَالتَّيَّارِ
وتُنِيرُ لِي دَرْباً ولَيلاً مُظْلِماً
عِنْدَ اضْطِرَابِي، واضْطِرَابِ قَرَارِي
ضَاءتْ -بِنُورِ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ-
كَالْفَجْرِ وانْطَلَقَتْْ مَعَ الأَطْيَارِ
لِتَصُوغَ مَلْحَمَةَ الْوَفَاءِ -مِنَ الْهُدَى-
حَتَّى يَصِيرَ اللَّيلُ مِثْلَ نَهَارِ
فَأَرَى دُرُوبَ الْحَقِّ -بَعْدَ ضَلالَةٍ-
مَكْشُوفَةً تَبْدُو بِلا أَسْتَارِ
لأَسِيرَ فِي دَرْبِ الْهِدَايَةِ - حَسْبَمَا
رَسَمَتْهُ أُمِّي - رغْمَ كُلِّ غُبَارِ
فَالأُمُّ - فِي لَيلِ الْمَكَارِهِ - شُعْلَةٌ
والأُمُّ يَنْبُوعٌ لِكُلِّ فَخَارِ
والأُمُّ فِي الْلَيلِ الْبَهِيمِ مَنَارَةٌ
تَحْنُو عَلَى الْوَلَدِ الْغَرِيبِ السَّارِي
والأُمُّ -إِنْ بَخِلَ الْجَمِيعُ- كَرِيمَةٌ
وعَطَاؤُهَا مُتَوَاصِلُ الأَطْوَارِ
لَكِنَّ مَوتَ الأُمِّ يُعْقِبُ -فِي الْحَشَا
والْقَلْبِ- شُعْلَةَ مَارِجٍ مِنْ نَارِ
كَمْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُقَبِّلَ قَبْرَهَا
وأَخِرَّ مَغْشِيًّا عَلَى الأَحْجَارِ
لأُخَبِّرَ الأُمَّ الْحَنُونَ بِأَنَّنِي
-مِنْ بَعْدِهَا- الْمَفْؤُودُ دُونَ عَقَارِ
صَارَتْ حَيَاتِي - بَعْدَ أُمِّي - مَسْرَحاً
لِلدَّمْعِ والآهَاتِ والتَّذْكَارِ
أُمَّاهُ !! طَيفُكِ - دَائِماً - يَحْيَا مَعِي
ويَقُولُ لِي: جَاهِدْ مَعَ الأَطْهَارِ
فَلِذَا سَأَبْقَى مَا حَيِيتُ مُجَاهِداً
عَسْفَ الطُّغَاةِ، وبَاطِلَ الْفُجَّارِ
أَنَا لَنْ أُسَاوِمَ إِنْ تَفَاوَضَ بَائِعٌ
مَهْمَا تَنَازَلَ سَادَةُ السِّمْسَارِ
إِنَّ الْوَفَاءَ - لِرُوحِ أُمِّي - يَقْتَضِي
حِفْظَ الْحُقُوقِ بِهِمَّةٍ ووَقَارِ
ولِرُوحِهَا مِنِّي التَّحِيَّةُ كُلَّمَا
لَمَعَتْ سُيَوفُ الْحَقِّ بِالْمِضْمَارِ
ولِرُوحِهَا مِنِّي التَّحِيَّةُ كُلَّمَا
جَادَتْ غُيُومُ الْحُبِّ بِالأَمْطَارِ
ولِرُوحِهَا رُوحِي الْفِدَاءُ لِتُفْتَدَى
مَرْفُوعَةَ الأَعْلامِ والأَكْوَارِ
أُمِّي الْقَرِيبَةُ -مِنْ فُؤَادِيَ- دَائِماً
لَمْ يَنْفِهَا نَفْيٌ، وبُعْدُ مَزَارِ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.