هاهو الموت يغيب وجها آخر من الوجوه التي ألفناها، بموت الفنان عبد الهادي الدراز، ينهد ركن من أركان الفن والطيبوبة، نأى عنا بالجسد وابتعد، دون أيّ تذمّر. بإخلاص وهدوء وتواضع، الهادي ” صانع الفرجة والفرحة ،لا تكتمل الأعراس والمناسبات إلا بحضوره ،يصر أهل الفرح على هذا الحضور ، هو من يضيف لليالي انسها ، داع صيته ، يصنع الفرح ، أمام ابتسامته لا يسعك إلا أن ترمي أحزانك وهمومك خلف ظهرك ، وحينما يبتسم لك الهادي فانه يقبلك ، وحدها ابتسامته مفتاح للدخول إلى قلوب الآخرين ، في ابتسامته فرح ، في حديثه فرح ، في حركته فرح ، يتحدث بعمق وأدب و يمزح بذوق ، مُحبّ لإنسانيته ولأبناء بلده، وقد حافظ على حدود مبادئه ورؤيته في حدود حدّدها بنفسه ولنفسه تخضعُ لتعاليم تلك الإنسانية ، فلم يتهاون ولم ينكسر أبدًا تحت أيّ ضغط، وأحبّ الجميعَ وأحبّوه وكأني به داعية سلام ومحبة وأخوة بين الأصدقاء ، فكان صوتا صارخا ينادي بالمحبة بين الناس، رافضا مظاهر القطيعة والكراهية بكافة أشكالها وألوانها. حمل الإنسان في قلبه ونادى وبشر به، داعيا الجميع إلى المحبة والأخوة. اقتربت منه وزاد إعجابي به اذكر أننا قمنا برحلة الى ضريح المولى عبد السلام بنمشيش بمعية صديقه حسن بن أيوب وصديقنا المشترك أسامة العمراني أطال الله عمرهما ،طول الطريق كنت حريصا أن استمع إليه وهو يحكي ويصف بدقة أحداثا مرت بالمدينة أحداثا لا تخلو من طرافة زادتها طريقة حكية متعة الإنصات والاصرارعلى السؤال ،اقتربنا من الضريح انتابته لحظة صمت وهو يتهيا للدخول في الغلاف النواني للولي الطاهر وربما مرت على خاطره أحاسيس وهاجة وما أن وصلنا حتى انخرط مع سرب من المقرئين ” اِسْمَعْ نِدَآئي بِمَا سَمِعْتَ بِهِ نِدآءَ عَبْدِكَ زَكَرِيَّا، وَانْصُرْني بِكَ لَكَ، وَأَيِّدْني بِكَ لَكَ، وَاجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَحُلْ بَينيْ وَبَيْنَ غَيْرِكَّ عبد الهادي بن ميلود بن مسعود بن معتوق البقالي ، واختصر الاسم لاحقا “الهادي ولد ميلود ” إلى “الهادي ميلود” إلى ” الهادي “من مواليد القصر الكبير بدرب بلشهب حي للا عائشة الخضراء بعدوة الشريعة سنة 1944 من أب امتهن الدرازة واحد المولعين بطرب الملحون منه أخذ الهادي “الولعة ” لأنه نشا في جو العزف والإنشاد الشيء الذي زاد من محفوظه الشخصي ، ألحقه والده بكتاب الفقيه الجباري ، ولما استأنس منه حفظ بعض السور، ألحقه بالمدرسة الأهلية وبعدها القرآنية ، ثم مدرسة سيدي بو احمد بالموازاة مع ذلك ،كان يساعد والده بمحل الدرازة ، إلا أن كرة القدم كانت تستهويه ، بدا كغيره من اقرأنه يلعب الكرة بين الأزقة ، ظهرت براعته في اللعب ، ليلتحق بفريق الشبيبة الديمقراطية التابع لحزب الشورى والاستقلال، خاض مقابلات دوري الأحياء ، وبرز كلاعب له مهارات أثارت انتباه المدرب” ميكل ” وهو يلعب بملعب “المارستات ” ليلحقه بالنادي الرياضي القصري كلاعب وسط يحمل رقم أربعة إلى جانب لاعبين كان يذكر منهم ، التهامي ولد الفاسية وعبد القادر بوعجاج واحميدو الدوكي بوغالب العيساوي بوعشة محمد الفويسي مصطفى الشاوني ترأس النادي انذاك المرحوم محمد السفياني بعده المرحوم بوغالب السفريوي بعده جامع الشتوكي ثم السباعي . اشتغل مساعدا لمدرب التربية البدنية الخاصة بالمدارس الابتدائية إلى جانب كل من الحاج بلفاسي الدريبي ومحمد مورينو ومصطفى الحلوفي ولم تكن تصرف له أجرته إلا بعد ثلاثة أشهر ، حين يحدثك عن هذه الحقبة تنفرج أساريره ويعود به الحنين إلى الجيل الذهبي الذي استمات في الدفاع عن فريق المدينة واسمها، رغم قلة آو انعدام الإمكانيات ،يذكر المقابلة التي سبقت مقابلة السد المصيرية بمكناس عندما انتصر النادي الرياضي القصري على فريق القوات المساعدة بالضربات الترجيحية ، وأثناء العودة يعلمون أن عليهم في اليوم الموالي الذهاب إلى وجدة لإجراء مقابلة السد ، اضطر الفريق في تنقله لاستعمال شاحنة سلع في ظروف جد صعبة ، وينهزم الفريق ، يذكر جمهور النادي الرياضي القصري الهادي بضرباته الخاطفة القوية عن بعد . بقدر حبه للرياضة كان للراديو سحر وجاذبية وقوة وجدب لاتقاوم ، حفظ أغاني الحسين السلاوي والمعطي بن قاسم وإسماعيل احمد وحميد الزاهر والأغاني الجبلية ، وطرب الآلة وولع شديد بالسماع والمديح ، حضر ليالي جيلالة إلى جانب بوغالب التمسماني والمرحوم بلشهب والمرحوم المالكي والمرحوم السي المبارك العلوي وغيرهم لاحظ المرحوم البشير الروسي موهبته ونقاء صوته ، في الكشكول الذي يقدمه والمعروف بكشكول ( كرموص النصارى ) يجيد التنقل بين الألوان الغنائية و بين المقامات والنغمات بليونة وسلاسة وسهولة تامة ،تتقبلها أذن المستمع بطواعية، يشعر بها العادي على أنها موسيقي جديدة رائعة نجحت في تحريك مشاعره ونجحت بنقله من مقام موسيقي لآخر بدون عناء للأذن ولحاسة السمع، وكان أمينا مؤتمَنا على حمل هذا الإرث وهذه الألحان النادرة حتى آخر أنفاسه، تلك الترانيم التي طالما راقصت حنجرته بتناغم مجبول بصوته الرخيم، وتلك الألحان المعجونة بنبراته المتماوجة الراقصة المليئة بالفرح ، فكان غناؤه ينساب سلسًا حنونًا صافيًا صادقا، وكلّ من يسمعه ينتشي، فتطرب له كلّ أذن وتعشقه وتخشع. عسانا نحافظ عليها نقيّة صافية دون تذويبها ، وعسانا نحرص على هذا الكنز كما كان با الهادي حريص عليه، جاد الله عليه بنعمه ومواهبه التي لا تحصى، فعاش مُسالمًا، ووهب نفسه ، ونذر صوته لنا . أحبّ الأرض مدينة القصر الكبير بأناسها ،لم تستهويه الهجرة كما جرت بعض مجالييه ، وحين يخرجه الموت من بطن زماننا هذا، يترك فجوة ضبابيّة كبيرة، لكن في محفلكم هذا ذكريات عذبة، يتردّد فيها صدى حنين لصور جميلة، وشريط متحرّك من ذكريات تتكرّر في نفوس كلّ من عرفه. غنى إلى جانب ناس الغيوان في زيارتهم للقصر الكبير لا زال يذكر لقاءه بالمرحوم بوجميع وغنى كذلك إلى جانب كل من محمد الغرباوي بكولدن بيتش وعبد الهادي بالخياط و احمد الكورفطي والحاجي السريفي والمرحوم مكوار الصادقي ، رافق جوق المرحوم البشير الروسي الى العديد من المدن ، شارك في المهرجانات التي أقيمت بالقصر الكبير أسبوع القصر الكبير و الأيام الثقافية للمجلس البلدي ، استدعي ما مرة لإحياء مناسبات بسبتة المحتلة ، واحيي حفل زفاف بهولندة و.تم تكريمه بمهرجان أندلسيات القصرالكبير لسنة 2017.. وفي مسار آخر ، التحق الهادي موظفا بالمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بالقصر الكبير منذ إنشاءه سنة 1975 تميزت مسيرته العملية بالجدية محبوبا من الزملاء والرؤساء إلى أن تقاعد سنة 2004 . ومنذ أكثر من خمسين سنة ارتبط الهادي بصداقة متينة بالمرحوم عبد القادر الركراكي المعروف “بالرضوبلي” ، ليبدعا معا أغنية مشتركة كلمات والحانا بعنوان ” الهادي مالك غضبان ؟” وكان الهادي كلما حضر إلا واثأر الحنين إلى الأغاني القديمة المشتهاة والتي ندر سماعها بصوته القويّ والجميل هو المشهود له بالأداء الجيد أجل، إنّها لحظة صعبة،لحظة التأبين ، لكن الهادي اشتاق إلى أن يتّوشح بالله، ويصبح حبيبَ رسوله ، بحيث نفض عنه غبار هذه الدنيا ،و لأنّك بالهادي تعي الجمال ،قررت أن تعي جمال الله ، هو الّذي ملأ قلبك بالمحبة الوضّاحة في وجهك المبدعون لا يموتون هم فقط يتظاهرون بالموت .. المبدعون لا يموتون هم كالخيول الأصيلة تنام واقفة …. قريرالعين الى جنات الخلد ارقد بسلام في مثواك الأبدي