في الرابع من نوفمبر من عام 2008 حبس العالم أنفاسه ذهولا، وبكى عدد كبير من الأمريكيين تأثرا، وهم يشاهدون "باراك حسين أوباما" يلقي كلمة النصر في ليلة باردة من ليالي شيكاغو. كان يوما تاريخيا بكل المقاييس، ذلك اليوم الذي وصل فيه أمريكي أسود إلى سدة الرئاسة في أقوى بلد في العالم. يومها قال أوباما لجمع غفير، قدر بأكثر من مائتي ألف شخص، وللعالم: "لقد جاء التغيير إلى أمريكا". بعد سنتين، خسر الديمقراطيون ومعهم أوباما في الانتخابات النصفية لتجديد مجلس النواب، الذي استحوذ الحزب الجمهوري على غالبية مقاعده. اعتبر المحافظون فوز حزبهم حدثا سياسيا بالغ الدلالة. حدث أعاد عقارب ساعة الديمقراطية الأمريكية إلى رشدها، حسب تعبيرهم، بعدما كانت وكأنها قد اختلت وفقدت بوصلتها عام 2008. احتفل زعماء الحزب الجمهوري وأقاموا ليالي الفرح. أما أكثر الناس ابتهاجا في صفوف الجمهوريين فرفعوا – في إشارة رمزية – أقداحا من الشاي، وهم يتمايلون نشوة. كانوا أعضاء في تيار جمهوري يسمي نفسه "حركة حزب الشاي"، التي تعود جذورها إلى حركة "أبناء الحرية" التي تأسست في مدينة بوسطن بولاية ماساشوستس في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما كانت أمريكا لا تزال تابعة لتاج الإمبراطورية البريطانية. غالبية أتباع "حزب الشاي"، إن لم نقل كلهم، رجال بيض. تتراوح أعمارهم بين الخامسة والأربعين والستين. يتمتعون بوضع مادي مريح. وهم جزء من طبقة اجتماعية يطلق عليها الأمريكيون: الطبقة المتوسطة العليا. أشهرهم في الإدارة الأمريكية الحالية، وزير الخارجية مايك بومبيو. أما أهم ما يجمعهم فهو حبهم، الذي يصل حد الهوس أحيانا، لبلد يعتبرون أنهم الورثة الشرعيون لأولئك "الآباء المؤسسين" الذين حاربوا الإنجليز في القرن الثامن عشر وأسسوا جمهورية فدرالية، تقوم على مبدأ استقلالية الولايات عن حكم المركز. هذا المركز الذي يجب أن يظل دائما بعيدا عن التأثير في حرية المبادرة التي يرتكز عليها المجتمع الأمريكي، في نظرهم. أما إيمانهم الراسخ سياسيا فيقوم على تقليص دور الحكومة الفدرالية إلى أبعد حد ممكن، ومنعها من سن قوانين قومية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، تحتاج إلى إنفاق فدرالي لا يتأتى إلا بالرفع من معدل الضرائب المفروضة على الدخل. حتى وإن أدى هذا الأمر إلى تشريد الملايين من ذوي الدخل المحدود، وهم في الغالب من أحفاد "أباء مؤسسين آخرين"، جيء بهم من أعماق القارة الإفريقية كسلعة تباع وتشترى. رقص أعضاء "حزب الشاي" فرحا لأنهم حققوا مرادا غير معلن، وهزموا ذلك الرئيس ذو البشرة السوداء الذي لا يمكنه، بالنسبة لهم، أن "يتقاسم معهم قيم المجتمع الأمريكي ولا أن يستوعب التحديات المطروحة عليهم" كشريحة مجتمعية تمسك بالمقاليد الفعلية للسلطة في أمريكا. أي، مقاليد المال والجاه والامتيازات الموروثة عن ماض، صنع خلاله أجدادهم المجد السياسي والعسكري للولايات المتحدةالأمريكية. هؤلاء الأمريكيون هم الذين ساندوا ويساندون الرئيس دونالد ترمب. وجدوا في أسلوبه السياسي وملكته التواصلية في قول الشيء وضده في الجملة الواحدة، خير حليف للحفاظ على تحكمهم في دواليب صناعة القرار الأمريكي. أسلوب، بدأ بعض من رموز الحزب الجمهوري يقرون اليوم أنه أوصل أمريكا إلى مفترق طرق، بعد موجة الاحتجاجات الشعبية التي عمت وتعم مدن البلاد وقراها، عقب مقتل جورج فلويد. جورج فلويد، ذلك الوريث الأسود لجزء مؤثر من تاريخ أمريكا، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة – مضغوطا ومقموعا – تحت ركبة رجل شرطة أبيض، لم يدر في خلده أن ركبته تلك ستخرج عفاريت السياسة الأمريكية من قمقمها.