من منظور القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأممالمتحدة، لا يمكن وصف التدخل العسكري الأمريكي الأخير في فنزويلا إلا كونه "عدواناً سافراً" وغير مبرر ضد دولة ذات سيادة كاملة وعضو فاعل في المنظمة الدولية. ومع ذلك، فإن قراءة الواقع السياسي الدولي الذي تشكل عبر عقود، تشير إلى أن اختطاف رئيس دولة يتمتع بحصانة دبلوماسية دولية سيمر ك "حادث معزول"، طالما أن الفاعل هو القوة العظمى الوحيدة التي نصبت نفسها شرطياً للعالم. القوة فوق القانون: منطق "المصلحة" الأمريكية إن العدوان على فنزويلا، واختطاف رئيسها المنتخب ديمقراطياً عبر صناديق الاقتراع لولايات متتالية، ليس مجرد حدث عابر، بل هو "تحصيل حاصل" للسياسة الخارجية الأمريكية. هذه السياسة تُصاغ وفق منطق القوة والمصلحة الصرفة، دون أدنى اعتبار لقواعد القانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي. لقد بات جلياً أن الأممالمتحدة، بصيغتها الحالية، لا تزال تعكس مصالح القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. أما "ميثاق سان فرانسيسكو"، فقد فقدَ قيمته الفعلية منذ سنوات، وتحديداً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ حيث شرعت الولاياتالمتحدة في استباحة سيادة أي نظام سياسي لا يتماشى مع أجندتها، ضاربةً عرض الحائط بقرارات مجلس الأمن ومبادئ الشرعية الدولية. من الشرق الأوسط إلى كاراكاس: التبرير بالوكالة إن ما شهدناه من تدخلات أمريكية —مباشرة أو عبر وكلاء— في أفغانستان، العراق، سوريا، لبنان، وفلسطين، يقدم مؤشرات كافية على أن ما حدث في فنزويلا أصبح "نمطاً عادياً" في السلوك الأمريكي. والمثير للدهشة ليس العدوان بذاته، بل في وجود طابور طويل من الحلفاء والتابعين المستعدين دوماً لتبرير هذا العدوان في مختلف القارات، وتسويقه كخطوة نحو "الديمقراطية". عقلية القيادة و"جنون العظمة" تقبع الولاياتالمتحدة اليوم تحت قيادة تتبنى عقلية "من ليس معنا فهو ضدنا"، على غرار "محور الشر" الذي صاغه بوش الابن. نحن أمام قيادة تبدي احتقاراً علنياً للمنظمات الدولية، ولرؤساء الدول، وللرأي العام العالمي، مدفوعةً بمنسوب عالٍ من "جنون العظمة" الذي يرى في القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة والنهائية لحسم الخلافات السياسية. لذا، لم يكن التهديد بضرب فنزويلا مفاجئاً، فقد كانت طبول الحرب تقرع منذ الولاية الأولى لترامب. لغز "غرفة النوم": الاختراق من الداخل لكن، وبعيداً عن التحليل السياسي، تظل تفاصيل العملية تثير تساؤلات حارقة: كيف تمكن "كوماندوز" أمريكي من اختطاف رئيس الدولة من داخل غرفة نومه بمعية زوجته؟ أين كان الجيش؟ وأين الحرس الرئاسي والاستخبارات والدفاعات الجوية؟ إن الطريقة التي تمت بها العملية، والبرود الذي ظهرت به بعض القيادات العسكرية لاحقاً، يرجح فرضية "التواطؤ الداخلي" من الصف الأول. لا يمكن استبعاد خيانة كبرى من داخل مؤسسة الحكم، لاسيما وأن أسلوب ظهور وزير الدفاع يشي بترتيبات مسبقة لإدارة "مرحلة ما بعد الاختطاف". إن الأيام والشهور المقبلة كفيلة بكشف الخفايا المظلمة لهذه الواقعة. لكن الدرس الأبرز يظل ثابتاً: قوة الولاياتالمتحدة لا تكمن فقط في ترسانتها العسكرية، بل في قدرتها الاستخباراتية الهائلة على اختراق الأنظمة السياسية من الداخل، وضرب المؤسسات العسكرية والأمنية في مقتل حينما تقرر تغيير "قواعد اللعبة" الدولية.