يمكن اعتبار اعتقال نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا من طرف القوات الأمريكية الإعلان الرسمي لبداية نهاية النظام العالمي بقوانينه ومؤسساته التي استحدثت مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لاستدامة السلم والأمن الدوليين كهدف معلن وضمان مصالح الدول المنتصرة في الحرب كهدف واقعي وثنائية قطبية أفرزها الواقع بعد هزيمة ألمانيا. لقد كان العالم منقسما بعد الحرب العالمية الثانية بين الكتلة الغربية بقيادة الولاياتالمتحدة والكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفياتي، وهو ما أدى إلى الحرب الباردة، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 تحول النظام إلى أحادية قطبية تحت هيمنة أمريكية. لكن التحولات الاستراتيجية التي يشهدها العالم على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري تثبت يوما بعد آخر أن ميزان القوى العالمي اختل ولم يعد في صالح و. م. أ رغم كل القرارات المتخذة ورغم كل التحالفات التي تم تشكيلها. النظام العالمي جاء لحفظ وضمان مصالح الدول القوية وجعل الدول الفقيرة أو النامية لقمة سائغة لقوى الاستكبار العالمي، وصنفت دول إفريقية وآسيوية ودول أمريكا الوسطى والجنوبية كحديقة خلفية للدول الكبرى. فتقدمت دول وعاش مواطنوها الرفاهية بالموارد المادية والطبيعية والبشرية للدول الفقيرة. ومن أجل استدامة استنزاف ثروات هذه البلدان كان لزاما السيطرة على أنظمة هذه الدول وجعلها خاضعة وخانعة، وهنا جاءت مطرقة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنوع الثقافي وحقوق الأقليات والإثنيات… وتم اليوم إضافة الاتجار الدولي في المخدرات!! وذلك لجعل الدول الفقيرة عاجزة غير قادرة على التقدم والازدهار، وكل من سولت له نفسه تغيير قواعد اللعب المسطرة فسيواجه الانقلابات والتهم المحنطة؛ ومن أجل ذلك تم إحداث المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002 بموجب نظام روما الأساسي من أجل تخويف حكام الدول الفقيرة المستباحة، أما الأنظمة التي تخدم مصالح الدول الكبرى فيتم غض الطرف عن انزلاقاتها وتجاوزاتها، بل وتتم حمايتها والتهليل لها في تجلٍّ واضح لسياسة العصا والجزرة. لقد جاءت الإطاحة بمادورو في سياق جيوسياسي واضح لتأمين احتياجات الولاياتالمتحدةالأمريكية لموارد الطاقة وهي التي تتوفر على أحد أكبر الاحتياطات العالمية من النفط بما يقارب 20% وليس للأمر أية علاقة بالترويج الدولي للمخدرات! لم يكن تدخل الولاياتالمتحدةالأمريكيةبفنزويلا قانونيا مطلقا لأنه انتهاك صارخ لميثاق الأممالمتحدة، كما أنها لم تحصل على تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي؛ ولم يكن حتى تحالفا بين مجموعة من الدول كما حصل في العراق الذي كان غزوه أيضا بعيدا عن الشرعية الدولية رغم ما ادعته آنذاك أمريكا وبريطانيا من مبررات الدفاع عن النفس الوقائي.. إنه تجلٍّ للهيمنة الأمريكية واستخفاف بالقانون الدولي ومؤسسات النظام العالمي. إنها صورة واضحة للأزمة التي يعيشها النظام العالمي الجديد في ظل عجز الأممالمتحدة ومجلس الأمن عن وقف الحرب على غزة والتصدي لجرائم الاحتلال الإسرائيلي والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى تآكل نصوص القانون الدولي التي لم تعد قادرة على حفظ السلم والأمن الدوليين، وما يعرفه العالم من تحول للقوة والهيمنة واستعاضة القوانين والأعراف الدولية التقليدية بالتعاملات التبادلية، وأهمية القوى الصاعدة ودورها المحوري في الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى غياب التوافق الدولي وكثرة الصراعات الجيوسياسية (أوكرانيا – غزة – الشرق الأوسط – تايوان …) إنها بداية عهد جديد حيث يتغلب منطق القوة على الضوابط القانونية، وتتخذ الدول الكبرى القرارات التي تحفظ أمنها ومصالحها دون الرجوع للأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولهذا نشأت صراعات دون قدرة مؤسسات النظام العالمي على احتوائها، وسنشهد نزاعات مسلحة في المستقبل القريب هنا وهناك وسيكتفي العالم بمشاهدة تطوراتها دون قدرة على وقفها أو اتخاذ قرار بشأنها. لن يتحول النظام العالمي الجديد من الأحادية القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب بل إلى فوضى انتقالية ستستمر في الزمن لحين إنضاج الشروط الموضوعية لإعادة بناء نظام جديد سيتحدد شكله بناء على موازين القوى الجديدة.