يشهد المغرب اليوم مرحلة دقيقة من التحول الديموغرافي العميق، تعيد رسم توازناته الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، وتفرض إعادة التفكير في أولويات السياسات العمومية. فبحسب المذكرة التحليلية الصادرة عن المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2026، تحت عنوان: «التحولات الديموغرافية: إعداد مغرب الغد»، والمعتمدة على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يقف المغرب عند منعطف تاريخي حاسم. ذلك أن التراجع المستمر في معدلات الخصوبة، وتباطؤ النمو الديموغرافي، إلى جانب الارتفاع التدريجي في نسبة الشيخوخة، لم تعد مجرد مؤشرات إحصائية معزولة، بل تحولات بنيوية عميقة تعيد تشكيل البنية العمرية للسكان، وتؤثر بشكل مباشر على أنماط الأسرة والتنظيمات المجالية. ومن هذا المنطلق، فإن فهم هذه التحولات لا يكتمل إلا باستحضار تداعياتها المركبة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الترابي. وإذا كانت هذه التحولات تطرح تحديات كبرى، فإنها، في الآن ذاته، تفتح نافذة استراتيجية حقيقية، خاصة في سياق الاستعداد للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026. وفي هذا السياق، يكشف تقرير المرصد الوطني للتنمية البشرية عن مجموعة من الاتجاهات المتداخلة التي تعكس عمق التحول الذي يعيشه المغرب. ففي مقدمة هذه التحولات، يبرز التراجع الملحوظ في معدلات الخصوبة، حيث انخفض إلى 1.97 طفل لكل امرأة، أي دون عتبة تعويض الأجيال المحددة في 2.1، وهو ما يتزامن مع تباطؤ واضح في النمو السكاني، إذ انتقل معدل النمو السنوي من 2.6% خلال تسعينيات القرن الماضي إلى 0.85% بين 2014 و2024. ولا يقتصر أثر هذا التحول على تقلص الزيادة السكانية، بل يمتد ليشمل إعادة توزيع عميقة للفئات العمرية، بما لذلك من انعكاسات مباشرة على سوق الشغل وأنظمة الحماية الاجتماعية. وإذا كان هذا التراجع يطرح إشكالات مرتبطة بتجديد الأجيال، فإن الوجه الآخر لهذا التحول يتمثل في تسارع وتيرة الشيخوخة السكانية. فارتفاع نسبة الأشخاص المسنين لم يعد مجرد مؤشر ديموغرافي، بل أصبح معطى بنيويًا يفرض ضغطًا متزايدًا على منظومات الصحة والرعاية الاجتماعية. ومن ثم، فإن الرهان لم يعد محصورًا في تدبير ظرفي لهذه الفئة، بل يتطلب إعادة هندسة شاملة للسياسات العمومية بما يضمن الكرامة والاستدامة، ويحافظ على التوازن بين مختلف الفئات العمرية. وفي موازاة هذه التحولات، تعرف البنيات الأسرية بدورها تغيرات عميقة تعكس تحولات ثقافية واقتصادية متسارعة. إذ تتجه الأسر المغربية نحو مزيد من التصغير والتنوع، مع ارتفاع عدد الأسر التي تعيلها نساء، وتزايد العزوبة في سن متقدمة، وانتشار الأسر أحادية الوالد. وهو ما يعني أن النموذج الأسري التقليدي لم يعد مهيمنًا بالشكل نفسه، الأمر الذي يفرض ملاءمة السياسات الاجتماعية والسكنية ومنظومات الحماية الأسرية مع هذا الواقع الجديد. أما على المستوى المجالي، فإن هذه التحولات لا تتوزع بشكل متوازن، بل تكشف عن اختلالات واضحة بين مختلف الجهات. فبينما يتركز النمو السكاني في المناطق الساحلية، تعرف المناطق القروية والداخلية نزيفًا ديموغرافيًا متزايدًا، نتيجة الهجرة الداخلية المستمرة. وتؤدي هذه الدينامية إلى تسارع وتيرة التمدين، وما يرافقها من ضغط متزايد على البنيات التحتية والخدمات العمومية، وهو ما يعيد طرح سؤال العدالة المجالية بإلحاح. ورغم حدة هذه التحولات وتداخلها، فإنها لا تخلو من فرص كامنة يمكن استثمارها بشكل استراتيجي. ففي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن المغرب لا يزال يستفيد من ما يُعرف ب"العائد الديموغرافي"، أي المرحلة التي ترتفع فيها نسبة السكان في سن العمل مقارنة بالفئات المعالة. وتُعد هذه المرحلة لحظة استثنائية يمكن أن تشكل رافعة قوية للنمو الاقتصادي، شريطة مواكبتها بإصلاحات هيكلية عميقة قادرة على تحويل الإمكان إلى إنجاز فعلي. وانطلاقًا من ذلك، تبرز مجموعة من الأولويات التي لا يمكن تجاوزها، وفي مقدمتها تعزيز الرأسمال البشري من خلال منظومة تعليم وتكوين مهني تستجيب لتحولات سوق الشغل، إلى جانب خلق فرص شغل مستدامة، خاصة لفائدة الشباب والنساء، مع تثمين مساهمة كبار السن. كما تفرض هذه المرحلة ملاءمة السياسات الاجتماعية والأسرية مع التحولات المجتمعية والتمدين المتسارع، فضلاً عن ضرورة إعادة التوازن المجالي عبر تنمية المناطق القروية والداخلية للحد من الهجرة وتقليص الفوارق. وإذا كانت هذه الاختيارات ذات طابع استراتيجي طويل المدى، فإنها تكتسب راهنية مضاعفة في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، حيث تتحول التحولات الديموغرافية إلى محدد مباشر للفعل السياسي. فلم يعد النقاش العمومي يحتمل الاكتفاء بالشعارات، بل أصبح يتطلب عروضًا سياسية قادرة على تقديم حلول ملموسة وقابلة للتنفيذ. وفي هذا الإطار، يبرز أول تحد يتمثل في ضرورة إعادة توجيه الاستراتيجيات السياسية نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره المدخل الأساسي لتحويل العائد الديموغرافي إلى مكسب تنموي. كما أن بلورة سياسات اجتماعية وأسرية ملائمة أصبحت مطلبًا ملحًا، في ظل التحولات التي تمس بنية الأسرة وأنماط العيش، وهو ما يستدعي تقديم إجابات واقعية لقضايا دعم الأسر الهشة، وحماية المسنين، وتوفير السكن اللائق، وضمان الولوج إلى الخدمات الأساسية. ومن جهة أخرى، فإن تعمق الفوارق بين الجهات يفرض على الفاعلين السياسيين تبني سياسات ترابية مندمجة، قادرة على تحقيق التوازن المجالي وتعزيز التماسك الوطني، من خلال توجيه الاستثمار نحو المناطق المهمشة ومواكبة التوسع الحضري بشكل متوازن. غير أن الرهان الحقيقي يظل رهينًا بمدى القدرة على تقديم رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز منطق التدبير الظرفي، نحو تصور استشرافي يستوعب التحولات الديموغرافية ويؤهل الأجيال القادمة. وفي المحصلة، يتضح أن المغرب يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في مساره الديموغرافي، حيث لم تعد التحولات الجارية قابلة للاحتواء عبر سياسات تقليدية أو حلول جزئية. فالتراجع في الخصوبة، وتسارع الشيخوخة، وتباطؤ النمو، وتحول البنيات الأسرية، كلها مؤشرات على انتقال عميق يفرض إعادة صياغة شاملة للسياسات العمومية. وعليه، فإن الرهان لم يعد يقتصر على الاستجابة الآنية لمطالب الناخبين، بل أصبح مرتبطًا بمدى القدرة على بلورة رؤية شمولية تستثمر في العائد الديموغرافي وتستبق التحولات المقبلة. ومع اقتراب انتخابات 2026، فإن القدرة على ترجمة هذه التحولات إلى سياسات عمومية واقعية، مصداقية وشاملة، قد تشكل الفارق بين عرض سياسي مقنع، وفرصة تاريخية مهدورة لوضع المغرب على مسار تنموي مستدام وعادل. رئيسة منظمة النساء الحركيات