في سياق إقليمي شديد التعقيد، وظرفية دولية مضطربة، فإنّ منطقة الشرق الأوسط (والخليج العربي ضمناً) على حافَة إعادة تشكيل جيوسياسي من دون ضماناتٍ ولا آفاق واضحة. تقود هذا السياق حسابات القوة ومنطق المصالح، وتغذّيه رهانات الحرب المدثَّرة بلبوس ديني، وتؤطّره الانتهاكات السافرة للقانون الدولي. التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، والولاياتالمتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقات تتداخل فيها الجغرافيا بالعقيدة العسكرية، والمصالح الاقتصادية بالتصورات الأيديولوجية. ويظهر أنّ الإشكال الأعمق يتجاوز الحسابات العسكرية، ليطاول البعدين القانوني والأخلاقي. فما معنى أن تفكّر قوةٌ عظمى في فرض سيطرتها على دولة تبعد عنها آلاف الكيلومترات خارج أيّ تفويض أممي، وفي انتهاك صريح لمبدأ السيادة؟ يعكس هذا السؤال أزمةً متناميةً في النظام الدولي، إذ تتراجع قواعد القانون لمصلحة منطق القوة، وتُعاد صياغة الشرعية وفق موازين النفوذ. في هذا السياق، تبدو الإدارة الأميركية وإسرائيل مدفوعتَين بعقيدة أمنية تنهض على الغزو والفتك والتدمير والتوسّع، لا على الاكتفاء بالردع. فالحرب، وفق هذا المنظور، لم تعد مجرّد وسيلة دفاع، بل أداة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية. من هنا، يمكن فهم استمرار العمليات في الجبهتَين الإيرانيةواللبنانية، والسعي إلى إضعاف حزب الله في أفق القضاء عليه، ليس هدفاً عسكرياً فقط، بل جزء من استراتيجية أشمل لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. وقد أدّى هذا النهج إلى رفع وتيرة الاستهداف في إيران وتفاقم الأوضاع في لبنان، حيث سبّبت العمليات العسكرية نزوحاً واسعاً من الجنوب والضاحية الجنوبية، وأوجدت توتّرات داخلية معقَّدة، سياسية وطائفية، تُستثمر ورقة ضغط على الدولة اللبنانية. وبالتوازي، يستمرّ استهداف البنى التحتية في بيروت ومدن أخرى في محاولة لفرض شروط تفاوضية تميل إلى مصلحة تل أبيب. في خلفية هذا التصعيد، تلوح ملامح مسار تفاوضي هشّ ومتذبذب. فوفق تسريبات إعلامية، هناك مؤشّرات على اهتمام إيراني بالانخراط في مفاوضات مع الطرف الأميركي، بشروط معقَّدة تشمل وقف إطلاق النار، وبضمانات بعدم تجدّد الحرب، وتقديم تعويضات. في المقابل، تطرح واشنطن شروطاً صارمة تمسّ جوهر البرنامجَين النووي والصاروخي الإيرانيَّين، إضافة إلى النفوذ الإقليمي لطهران. يعكس هذا التباعد في الشروط فجوةً عميقةً في التصوّرات؛ فإيران ترى في التفاوض وسيلةً لتثبيت توازن الردع، بينما تسعى الولاياتالمتحدة إلى إعادة هندسة السلوك الإيراني بالكامل. وبين المنظورَين، تبدو فرص التوصّل إلى اتفاق سريع محدودة، لكنّها ليست مستحيلة، خصوصاً في ظلّ وساطات تقودها دول في المنطقة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى أين تتجه بوصلة الأحداث؟ هل ستنصاع الحكومة الإسرائيلية لأيّ قرار أميركي محتمل بوقف الحرب، أم أنّ حسابات الداخل، خصوصاً لدى بنيامين نتنياهو، قد تدفع نحو استمرار التصعيد سواء ضدّ إيران أو في الساحة اللبنانية؟ هذا الاحتمال يطرح سيناريو خطيراً يتمثّل في تعدّد الجبهات، بما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق إقليمي واسع. الأخطر من ذلك هو تحوّل الحرب، في بعض الخطابات السياسية، إلى ما يشبه لعبةً مفتوحةً تُختزل فيها المآسي الإنسانية في حسابات الربح والخسارة. والحال أنّ الواقع أكثر قسوة، فآلاف الأرواح تُزهق، واقتصادات تُدمَّر، وبنى تحتية تُمحى، فيما تتعرّض سلاسل إمداد الطاقة لاضطرابات حادّة، خاصّةً مع التهديدات التي تطاول مضيق هرمز. وقد انعكست هذه التداعيات على دول عديدة، بما فيها دول غربية مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وباتت تواجه أزمات اقتصادية وضغوطاً سياسية متزايدة. تبعاً لذلك، يبدو أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم: إمّا الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة، وإما الذهاب نحو تسوية صعبة تُفرض بفعل استنزاف الجميع. وبين هذا وذاك، يظلّ السؤال الأخلاقي قائماً: هل ما يزال العالم قادراً على كبح جنون القوة، أم أنّ منطق الحرب بات اللغة الوحيدة المفهومة؟ تطرح الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران سؤالاً يتجاوز ساحات المعارك إلى جوهر النظام الدولي نفسه: هل ما زالت هناك قواعد وثوابت، أم أنّنا أمام نظام يُعاد تشكيله وفق موازين القوة والمصلحة ومنطق الكيل بمكيالَين؟ فعندما غزت روسياأوكرانيا، بدا المشهد (على الأقلّ في الخطاب الغربي) واضحاً ومتماسكاً؛ وُصفت الحرب بأنّها عدوان، وأُكّد أنّها انتهاك صريح للقانون الدولي، كما استُدعيت منظومةٌ كاملةُ من المفاهيم المرتبطة بالسيادة والشرعية الدولية. لم يكن ذلك الخطاب كافياً لوقف الحرب، لكنّه كان محاولةً للحفاظ على فكرة النظام العالمي القائم على القواعد، وعلى الحدّ الأدنى من الاتساق الذي يمنح هذا النظام شرعيته. غير أنّ هذا الوضوح يتلاشى إلى حدّ كبير في الحرب التي تشنّها الولاياتالمتحدة وإسرائيل على إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي، فاللغة في الحالة الإيرانية أقلّ حدّةً وأكثر ارتباكاً، بل (أحيانا) منعدمة. وهنا يمكن استحضار استقالة جو كينت من منصبه مديراً للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، بوصفها مؤشّراً يتجاوز الطابع الإداري، ليكشف تصدّعاً عميقاً داخل بنية القرار في الولاياتالمتحدة بشأن الحرب على إيران. ليست هذه مجرّد استقالة مسؤول رفيع، بل لحظة نادرة يخرج فيها صوت من قلب المؤسّسة الأمنية ليطعن في السردية الرسمية للحرب. حين يقول كينت إنّه لا يستطيع دعم حرب "لم تكن هناك ضرورة وشيكة لها"، فإنّه لا يعبّر عن موقف شخصي فقط، بل يضع علامة استفهام كبرى حول الأسس الاستخبارية والسياسية التي بُني عليه قرار شنّ الحرب على إيران. الأكثر إثارة في هذه الاستقالة ليس مضمونها فحسب، بل أيضاً موقع صاحبها؛ فكينت لم يكن مراقباً من الخارج، بل كان جزءاً من منظومة صناعة القرار، ومقرّباً من إدارة دونالد ترامب، وكان يعمل ضمن شبكة الاستخبارات إلى جانب شخصيات بارزة. هذا الموقع يمنح أقواله وزناً خاصّاً، لأنّها لا تصدر عن خصم سياسي، بل عن فاعل من داخل النظام نفسه. وتكشف هذه الخطوة أزمةً أعمق تتعلّق بطبيعة القرار الأميركي في هذه الحرب. فاتهام كينت بوجود "ضغوط إسرائيلية" و"حملة تضليل" يفتح الباب أمام سؤال حسّاس: إلى أي مدى كان القرار بالحرب نابعاً من تقدير وطني مستقلّ، وإلى أيّ حدّ تأثّر باعتبارات خارجية أو بتحالفات سياسية؟ لا يتعلّق الأمر فقط بعلاقة إسرائيل بالولاياتالمتحدة، بل بطبيعة التوازن بين المصالح الوطنية والضغوط الجيوسياسية في لحظات القرار الحاسم. لكنّ الأهم أنّ هذه الاستقالة تُضعف الرواية الرسمية التي قدّمت الحرب على أنّها ضرورة أمنية عاجلة. فإذا كان أحد أبرز المسؤولين الأمنيين ينفي وجود تهديد وشيك، فإنّ ذلك يعيد فتح النقاش حول شرعية الحرب نفسها، ليس في الداخل الأميركي فقط، بل أيضاً على المستوى الدولي. في قلب هذه التطوّرات والتجاذبات، يبرز تصوّر سياسي وأمني يرى أنّ البقاء في هذه المنطقة لا يتحقّق إلا عبر القوة. هذا التصوّر، الذي يقوم على فكرة تحويل الدولة إلى كيان عسكري دائم الاستعداد لخوض الحروب، والذي يؤطّر رؤية بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هو أشبه ب"إسبارطة" حديثة، إذ تصبح الحرب جزءاً من الهُويّة السياسية لا مجرّد خيار ظرفي. وبهذا المعنى، لم يعد الهدف تحقيق السلام، بقدر ما أصبح الهدف إشعال الحروب واستدامتها. يبدو ترامب منخرطاً في المنطق نفسه، إذ تتقاطع حسابات الدولة مع نزعة شخصية تميل إلى استخدام القوة أداةً أولى وليس أخيرة. فخطابه السياسي، القائم على التهديد وفرض الوقائع بالقوة، والتلويح بتغيير الأنظمة أو حتى احتلال الدول، يعكس تحوّلاً خطيراً في طبيعة الدور الأميركي في العالم؛ من قوة عظمى تدّعي قيادة النظام الدولي إلى فاعل يعيد تشكيله وفق منطق الهيمنة المباشرة. هذا التقاطع بين نتنياهو وترامب لا يقتصر على الأسلوب، بل يمتدّ إلى غياب أفق سياسي واضح للحروب التي يخوضانها. فالتصعيد ضدّ إيران، الذي جاء في لحظة كانت فيها القنوات الدبلوماسية تشهد تقدّماً بوساطة إقليمية، يكشف مفارقةً صارخةً: تفضيل الخيار العسكري على مسار التفاوض، حتى عندما يكون الأخير قابلاً للتحقّق. وهو ما يطرح تساؤلات جدّية حول الأهداف الحقيقية لهذه الحرب، وما إذا كانت تتعلّق فعلاً بالأمن، أم بإعادة ترتيب موازين القوة وفق حسابات ضيقة وغامضة. وفي قلب هذا المشهد المتفجّر، يبرز بُعد بالغ الخطورة يتمثّل في امتداد الهجمات الإيرانية نحو جوارها العربي، بما يحمله هذا من تداعيات مقلقة على أمن الإقليم برمّته. فالاعتداء على منشآت طاقة في دول الخليج لا يمكن اعتباره مجرّد ردّ تكتيكي، بل مؤشّر على انزلاق الصراع نحو تدويل إقليمي واسع. ويضع هذا التمدّد في رقعة الاستهداف الدول العربية أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي من جهة ليست طرفاً مباشراً في الصراع، لكنّها من جهة أخرى تتحوّل إلى ساحات ضغط ورسائل متبادلة بين القوى الكبرى، وهو ما يهدّد أمنها الطاقي واستقرارها الداخلي، ويفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة لتطاول البنى الاقتصادية والاجتماعية، وتدفع المنطقة نحو حالة من عدم الاستقرار الدائم. التحذيرات التي صدرت عن أطراف إقليمية تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة استهداف البنى التحتية للطاقة؛ فهذه ليست مجرّد أهداف عسكرية، بل أعصاب الاقتصاد العالمي. واستهدافها يفتح الباب أمام سيناريوهات "صدمة طاقية" قد تكون غير مسبوقة، خاصّةً إذا ما ترافقت مع تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، أو تحويله إلى مقبرة للسفن المحملة بالنفط. تأسيساً على ما سبق، يبدو أنّ المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة ودراماتيكية، فتتداخل الحروب العسكرية مع حروب الطاقة، وتتقاطع الحسابات الاستراتيجية مع نزعات شخصية لدى قادة يرون في القوة وسيلة لفرض واقع جيوسياسي وفق هواهم. وبين هذا وذاك، يبقى العالم بأسره رهينة لتوازن هشّ قد ينهار في أيّ لحظة، دافعاً الجميع نحو مواجهة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. كاتب وإعلامي مغربي المصدر: الجديد العربي