العرائش أنفو تحلّ علينا اليوم، الموافق للخامس عشر من شهر شعبان المبارك، الذكرى السنوية للموسم الديني للقطب الرباني، الولي الصالح مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه. وهي ذكرى لا أستحضرها فقط بوصفي متتبعًا للشأن الروحي المغربي، بل أعيشها بصفتي حفيده، وامتدادًا نسبيًا وروحيًا لمسارٍ اختار الصفاء طريقًا، والتجرد منهجًا، وخدمة الخلق عبادة. إن هذه الذكرى المباركة ليست مجرد محطة زمنية في الذاكرة، بل أمانة تاريخية وروحية توارثها المغاربة منذ القرن التاسع الهجري، واحتفل بها الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل، باعتبارها موعدًا لتجديد العهد مع القيم التي أسّس عليها التصوف المغربي الأصيل: الإخلاص، التواضع، المحبة، والارتباط الصادق بالله وخدمة الإنسان. وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه الذكرى مع ليلة النصف من شعبان، ليلة الصفاء والغفران ورفع الأعمال، حيث يلتقي شرف الزمان بقدسية المكان، فتتعزز رمزية الموسم باعتباره لحظةً للتزكية والمراجعة الروحية، ومناسبةً لإحياء الضمير الفردي والجماعي. لقد سُنَّ هذا الموسم المبارك وأُسِّس على يد القطب الولي الصالح مولاي عبد الله الغزواني رضي الله عنه، صديق ورفيق جدّي الإمام عبد الله المجاهد، في سياقٍ كان فيه التصوف مدرسةً لتربية النفوس، وبناء الإنسان، وحماية المجتمع من الانحراف والفراغ القيمي. ولم يكن الذكر يومًا انفصالًا عن الواقع، بل كان دومًا إصلاحًا له من الداخل. ويظلّ موسم مولاي عبد السلام بن مشيش مناسبةً قرآنية وروحية بامتياز، تتعالى فيها تلاوات الذكر الحكيم، وتصدح الأمداح النبوية الشريفة، في مشهدٍ تتلاقى فيه الأرواح قبل الأجساد، وتخشع فيه القلوب قبل الأصوات، وكأن الجبل نفسه شاهدٌ على صدق النية ونقاء المقصد. وإلى جانب بعده الروحي العميق، شكّل هذا الموسم عبر التاريخ رافعةً اقتصادية واجتماعية للمنطقة، حيث تنتعش الحركة التجارية، وتتقوى الروابط الإنسانية، ويتجسد التكافل بين الناس، في صورةٍ متكاملة للتصوف المغربي الذي جمع بين العبادة والعمران، وبين الذكر والعمل. وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي، اتخذت الدولة المغربية قرارًا حكيمًا بتغيير تاريخ الموسم إلى فاتح يوليوز من كل سنة، مراعاةً للظروف المناخية القاسية التي كانت تعرفها المنطقة سابقًا، من أمطارٍ غزيرة، وتساقطٍ للثلوج، وبردٍ قارس، صونًا لأرواح الزائرين وحفاظًا على سلامتهم، في انسجامٍ واضح بين تعظيم المقدس وصون كرامة الإنسان. وإنني، بصفتي حفيد القطب الرباني مولاي عبد السلام بن مشيش، ورئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن، أعتبر هذه الذكرى مسؤوليةً قبل أن تكون شرفًا؛ مسؤولية الحفاظ على المعنى، وصون الرسالة من الاختزال أو التوظيف، والعمل على ربط الروح بالتنمية، والقيم بالفعل، والتصوف بخدمة الإنسان والمجتمع. إن إحياء هذا الموسم، في هذا اليوم المبارك من 15 شعبان، هو دعوة صادقة إلى استعادة جوهر التصوف: تزكية النفوس، تهذيب السلوك، نشر السلام، وترسيخ ثقافة المحبة والعيش المشترك، في زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى المعنى، وتتعاظم فيه مسؤولية الكلمة والموقف. رحم الله جدّي القطب الرباني مولاي عبد السلام بن مشيش، ورضي عنه، وجعل من ذكراه نورًا يهدي، ومن موسمه مدرسةً مفتوحة للأجيال، ومن رسالته جسرًا دائمًا بين الروح والإنسان. والسلام على من حفظوا الأمانة، وجعلوا من الذكر حياة، ومن القيم طريقًا. الفقير الى الله