مرة أخرى، يخرج جزء من الإعلام الفرنسي، ممثلاً هذه المرة في قناة France 5، ليقدّم عملاً يُسوَّق على أنه تحقيق وثائقي، بينما يحمل في عمقه سردية سياسية قديمة، تعيد إنتاج نظرة متجاوزة تجاه المغرب، دولةً ومؤسساتٍ وقيادةً وشعباً. الوثائقي المعنون "Je t'aime moi non plus: France–Maroc" لم يكن قراءة متوازنة لعلاقة معقدة بين الرباط وباريس، بل اختار منذ لحظاته الأولى زاوية اتهامية، تنظر إلى المغرب بعين الريبة، وتتعامل مع نجاحه الدبلوماسي كظاهرة مقلقة تستوجب الشك، لا الفهم. من "التحقيق" إلى بناء الاتهام العمل لم يكتفِ باستحضار محطات التوتر، بل سعى إلى تركيب صورة نمطية جاهزة: مغرب يضغط، يناور، يخترق، ويفرض منطقه على فرنسا. لكن هذه الصورة تكشف، في الحقيقة، عن أزمة أعمق داخل جزء من الوعي السياسي والإعلامي الفرنسي، الذي لم يستوعب بعد أن المغرب تغيّر جذرياً. ففي عهد محمد السادس، لم يعد المغرب دولة تدور في فلك النفوذ التقليدي، بل أصبح فاعلاً مستقلاً يعيد صياغة موقعه الإقليمي والدولي بثقة ووضوح. مغرب جديد يزعج الذاكرة القديمة جوهر الإشكال في هذا النوع من الخطاب ليس المغرب، بل "فكرة المغرب" التي لا تزال عالقة في أذهان بعض النخب الفرنسية: مغرب تابع، قابل للتوجيه، يتحرك داخل المدار الفرانكفوني. لكن الواقع اليوم مختلف تماماً: المغرب ينسج شراكاته مع قوى متعددة: واشنطن، مدريد، لندن، إفريقيا، الخليج وآسيا. يبني علاقاته وفق منطق المصلحة الوطنية لا إرث الماضي الاستعماري. يربط الشراكات بوضوح المواقف، خصوصاً في قضية الصحراء المغربية. وهنا تحديداً يظهر التوتر الحقيقي: ليس "اختلال العلاقة"، بل اختلال في فهم فرنسا لمغرب جديد لا يقبل المناطق الرمادية. الصحراء المغربية: خط أحمر لا يُفاوض حين يحاول الوثائقي تصوير الموقف المغربي ك"ابتزاز"، فإنه يتجاهل حقيقة أساسية: المغرب لا يضغط، بل يعبّر عن سيادته. فربط الشراكات الدولية بموقف واضح من الوحدة الترابية ليس مناورة، بل ممارسة طبيعية لدولة تحترم نفسها. والتحول في المواقف الدولية لم يكن نتيجة ضغط، بل نتيجة: واقعية المقترح المغربي استقرار المملكة مصداقيتها كشريك استراتيجي ازدواجية فرنسية... سياسة الوجهين واحدة من أخطر ما يكشفه هذا الخطاب الإعلامي هو ازدواجية الموقف الفرنسي: خطاب شراكة وصداقة مع المغرب مقابل تردد أو غموض في قضايا مصيرية بل أكثر من ذلك، استمرار سياسة "اللعب على الحبلين"، عبر موازنة العلاقات بين الرباط والجزائر، في إطار مقاربة تقليدية تقوم على "فرق تسد". ذاكرة استعمارية لم تُحسم لا يمكن فهم هذا التوتر دون استحضار الخلفية التاريخية: إرث استعماري ثقيل استعمال وسائل قمعية ضد المقاومة المغربية اتفاقيات استقلال (مثل إيكس-ليبان) ما زالت محل جدل استمرار نفوذ اقتصادي وثقافي ولغوي فرنسي بعد الاستقلال لكن الوثائقي تعامل مع هذا التاريخ بانتقائية، يوظّفه لتغذية رواية "ابتزاز المغرب"، بدل الاعتراف بكونه جزءاً من علاقة غير متكافئة في الأصل. القوة المغربية: أبعد من فرنسا أحد أكبر أخطاء الوثائقي هو اختزال قوة المغرب في "التأثير داخل فرنسا"، بينما الحقيقة أعمق بكثير: المغرب قوي لأنه: مستقر في محيط إقليمي مضطرب يملك شرعية تاريخية ومؤسساتية يقوده نموذج ملكي ضامن للوحدة والاستمرارية نجح في إدارة التحولات دون السقوط في الفوضى بنى حضوره بهدوء في إفريقيا والساحل والمتوسط هذه القوة لا تُختزل في علاقة واحدة، بل في رؤية استراتيجية شاملة. الإعلام كأداة ضغط حين تُستدعى ملفات مثل "بيغاسوس" أو "النفوذ المغربي" بطريقة انتقائية، فإننا لا نكون أمام تحقيق صحفي، بل أمام محاولة لصناعة الانطباع. المفارقة أن: ما يُعتبر "قوة ناعمة" لدى دول أخرى يتحول إلى "اختراق مريب" حين يتعلق بالمغرب وهذا يكشف خللاً في المعايير، لا في الوقائع. المغرب... من رد الفعل إلى الفعل ما يزعج بعض المنابر الفرنسية ليس المغرب في حد ذاته، بل: المغرب الذي لا ينتظر الإذن المغرب الذي يتحدث بلغة المصالح المغرب الذي يضع قضاياه الوطنية فوق كل اعتبار المغرب الذي تحرر من عقدة المركز الفرنسي هذا التحول من دولة متلقية إلى دولة فاعلة هو جوهر القلق الحقيقي. الرد المغربي: هدوء وثقة الرد على هذا النوع من الأعمال لا يكون بالانفعال، بل ب: تثبيت الحقائق تعزيز الإعلام الاستراتيجي الدفاع الهادئ عن صورة المملكة فالمغرب لا يحتاج إلى شهادة من وثائقي منحاز، لأن شرعيته تنبع من: تاريخه تلاحم شعبه مع عرشه قيادته الاستراتيجية الخلاصة أرادت France 5 أن تقدّم المغرب كدولة "مقلقة" لفرنسا، لكنها انتهت—من حيث لا تدري—إلى تأكيد حقيقة واحدة: المغرب اليوم دولة لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن التعامل معها إلا بلغة الاحترام. وهذا هو جوهر الحكاية.