رسمت التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها مناطق شمال المغرب، خلال الموسم الحالي، ملامح مشهد هيدروليكي يدعو إلى التفاؤل، حيث استعادت العديد من السدود الصغرى والمتوسطة عافيتها، مسجلة معدلات ملء قياسية أنعشت الآمال لدى الساكنة والفاعلين في القطاع الفلاحي المحلي. بيد أن هذه الانتعاشة الملموسة في الأحواض الشمالية اصطدمت بواقع رقمي وطني أكثر تعقيدا، إذ ظلت نسبة الملء الإجمالية للسدود على الصعيد الوطني تراوح مكانها في حدود النصف تقريبا، وذلك إلى غاية 23 يناير 2026، مما خلق مفارقة لافتة بين "الوفرة" الظاهرة جهويا و"الاستقرار" المسجل وطنياً. ودفع هذا التباين بين المشهدين الميداني والرسمي بالنقاش العمومي نحو البحث في الأسباب الهيكلية التي تجعل تدفق المياه في الشمال غير كاف، بمفرده، لإحداث طفرة في المؤشر الوطني العام، وهو ما استدعى قراءات تقنية لطبيعة المنشآت المائية بالمملكة. وفي هذا الإطار، يفكك الخبير في المجال البيئي والمائي، الدكتور أحمد الطلحي، خيوط هذه المعادلة، مؤكدا أن الإشكال لا يرتبط بشح في الغيث النافع بقدر ما هو مرتهن بالهندسة البنيوية لمنظومة التخزين المائي في المغرب، وتوزيع السعات بين السدود. وتشير المعطيات التقنية إلى هيمنة عددية للسدود ذات السعة المحدودة على الخريطة المائية الوطنية، إذ إن 114 سداً من أصل 148 منشأة لا تتجاوز حقينتها 50 مليون متر مكعب، وهي سدود سريعة الامتلاء، وغالباً ما تتواجد بكثرة في المناطق الجبلية والشمالية. في المقابل، تضيق قاعدة السدود الكبرى بشكل لافت، حيث لا يتعدى عدد السدود التي تتراوح سعتها بين 50 و250 مليون متر مكعب 21 سداً، بينما تتوفر المملكة على سبعة سدود فقط بسعة تتراوح بين 250 و500 مليون متر مكعب، وسدين اثنين بسعة تتأرجح بين 500 مليون ومليار متر مكعب. وتكمن "العقدة" الحسابية في كون السدود "العملاقة"، التي تفوق حقينتها مليار متر مكعب، لا يتجاوز عددها أربعة سدود فقط، لكنها تشكل "العمود الفقري" للأمن المائي الوطني، باستحواذها على أزيد من 8.8 مليارات متر مكعب من أصل 17.2 مليار متر مكعب، أي أكثر من نصف الطاقة التخزينية الإجمالية. وانطلاقا من هذه المعطيات، يوضح التحليل التقني أن نسبة الملء الوطنية تظل رهينة بالوضعية المائية لهذه المنشآت الأربع الكبرى تحديداً، وليس بعدد السدود الصغيرة التي قد تمتلئ عن آخرها في الشمال دون أن تحرك المؤشر الوطني إلا بنسب طفيفة. وبالنظر إلى وضعية هذه السدود الاستراتيجية، يظهر التفاوت بوضوح؛ ففي حوض سبو، الذي يغذي جزءاً كبيراً من الشمال والغرب، يسجل سد "الوحدة"، أكبر سد في المملكة بحقينة تناهز 3.5 مليارات متر مكعب، نسبة ملء بلغت 62 في المائة. وفي الحوض ذاته، يسجل سد "إدريس الأول"، الذي تفوق حقينته المليار متر مكعب، نسبة ملء في حدود 49 في المائة، وهي أرقام تعكس تحسناً نسبياً لكنها تظل بعيدة عن الامتلاء الكامل نظراً لضخامة الحجم المطلوب تعبئته. على النقيض من ذلك، وتفسيراً لعدم ارتفاع المعدل الوطني، يعاني سد "المسيرة" بحوض أم الربيع، وهو ثاني أكبر سد بالمغرب بحقينة تقارب 2.8 مليار متر مكعب، من وضعية حرجة بنسبة ملء لم تتجاوز 10 في المائة، مما يسحب المعدل الوطني نحو الأسفل. كما يسجل سد "بين الويدان"، رابع العمالقة بسعة 1.2 مليار متر مكعب، نسبة ملء تقارب 30 في المائة، وهو ما يؤكد أن تعافي هذه المنشآت الضخمة يتطلب مواسم مطرية متتالية ومنتظمة، ولا يمكن تحقيقه في موسم واحد مهما كانت غزارة الأمطار. ويشير الخبير الطلحي إلى أن هذه السدود الكبرى تخضع لضغط استهلاك مزدوج ومستمر، يجمع بين الحاجيات الفلاحية الهائلة وتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب، مما يجعل وتيرة استنزافها أسرع من وتيرة ملئها، عكس السدود الشمالية المتوسطة. ولوضع القدرات التخزينية الوطنية في سياقها الإقليمي، تظهر المقارنة أن أكبر سد مغربي يظل متواضع السعة أمام منشآت دولية، مثل السد العالي في مصر (169 مليار متر مكعب) أو سد النهضة الإثيوبي (74 مليار متر مكعب). وحتى عند المقارنة بمنشآت أخرى ك "سد الفرات" في سوريا أو "سد الموصل" في العراق، تظل السعة المغربية محدودة، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة للمخزون الوطني تجاه توالي سنوات الجفاف وصعوبة التعافي السريع. وبذلك، يخلص المشهد المائي الراهن إلى أن امتلاء سدود الشمال بنسبة 100 في المائة يمثل ضمانة للأمن المائي المحلي والجهوي، ومؤشراً إيجابياً للنشاط الفلاحي في هذه الرقعة، لكنه يظل غير كافٍ لقلب موازين المؤشر الوطني الذي تحكمه وضعية "العمالقة الأربعة".