كشفت أحدث البيانات الصادرة عن قاعدة البيانات الدولية "نومبيو" لشهر يناير 2026، عن تباين لافت في مؤشرات جودة الحياة بمدينة طنجة، حيث تواجه المدينة ضريبة جاذبيتها المتنامية بارتفاع في تكاليف المعيشة وتحديات في قطاع الخدمات. وأظهرت المعطيات أن "عروس الشمال" باتت تحتل موقعا متقدما نسبيا ضمن المدن المغربية من حيث مؤشرات جودة العيش، مستفيدة من توازن دقيق بين المناخ وتكلفة المعيشة، رغم استمرار تسجيل اختلالات في مجالات حيوية أخرى. وبلغ مؤشر جودة الحياة في المدينة حوالي 105 نقاط، وهو مستوى يصنف في خانة "المتوسط إلى المنخفض" وفق المعايير الدولية الصارمة للمنصة، لكنه يضع طنجة في موقع وسطي داخل المشهد الحضري المغربي. ويدين هذا التصنيف بالفضل الكبير لمؤشر المناخ، حيث سجلت المدينة نقطة قوة واضحة تجاوزت 98 نقطة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. ويوفر هذا الموقع اعتدالا حراريا على مدار السنة، مما يمنح المدينة أفضلية واضحة وميزة تنافسية مقارنة بعدد من المدن الداخلية التي تشهد تقلبات مناخية أكثر حدة. في المقابل، كشفت الأرقام عن وجه آخر للدينامية التي تعيشها المدينة، إذ بلغت تكلفة المعيشة حوالي 36 نقطة، وهي من أعلى القيم المسجلة وطنيا. وتقدمت طنجة في مؤشر الغلاء هذا على حواضر كبرى مثل الدارالبيضاءوالرباطومراكش، ما يعكس ارتفاعا نسبيا في أسعار السكن وبعض الخدمات، وإن كان ذلك لا يخرج عن نطاق "التكلفة المنخفضة" بمقاييس السوق الدولية. وعلى مستوى الأمن، سجلت المدينة نتائج توصف بالمعتدلة، مع تقييم متوسط لشعور السكان بالأمان في الفضاءات العامة، وهو مستوى قريب من المسجل في العاصمة الاقتصادية الدارالبيضاء. وتظل هذه المعدلات أدنى نسبيا من تلك المسجلة في الرباط، التي تحتفظ، وفقا للمنصة ذاتها، بأفضل تصنيف وطني في مؤشر السلامة. وشكلت الرعاية الصحية إحدى نقاط الضعف البارزة في البيانات الخاصة بطنجة، إذ ظل مؤشرها منخفضا مقارنة بباقي المدن المغربية الكبرى. وتعكس هذه الأرقام، بحسب قراءات المنصة، تحديات حقيقية مرتبطة بجودة الخدمات الصحية أو صعوبة الولوج إليها، سواء في القطاع العام أو الخاص. وفي سياق المقارنة الوطنية، تصدرت الرباط مؤشر جودة الحياة، مستفيدة من مستويات أعلى في السلامة وجودة الخدمات، وانخفاض نسبي في التلوث. وجاءت الدارالبيضاء في مرتبة أدنى من طنجة على مستوى جودة الحياة، حيث تأثر تصنيف العاصمة الاقتصادية بارتفاع معدلات التلوث والضغط الحضري، رغم توفر فرص الشغل والبنية التحتية. من جهتها، سجلت مدينة مراكش مؤشرا أعلى من طنجة في جودة الحياة، مدعومة بجاذبيتها السياحية ومناخها، غير أن تكاليف بعض الخدمات والسكن ظلت قريبة من المستويات المسجلة في شمال المملكة. وتبرز هذه المعطيات أن طنجة تعيش وضعية انتقالية، تجمع بين تحسن ملحوظ في بعض عناصر العيش الحضري، مقابل استمرار اختلالات بنيوية في قطاعات الصحة والنقل والبيئة الحضرية. وتجدر الإشارة إلى أن منصة "نومبيو" تعتمد في بياناتها على مساهمات المستخدمين وتجاربهم خلال الاثني عشر شهرا الأخيرة، ما يجعلها أداة مقارنة إرشادية تعكس تصورات السكان والزوار أكثر منها مرجعا مؤسساتيا رسميا. ومع ذلك، تضع مؤشرات يناير 2026 طنجة ضمن المدن المغربية الأكثر توازنا، مع هامش تطور قائم يواكب الدينامية الاقتصادية والعمرانية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.