تحت السماء المثقلة بالغيوم التي لم تكف عن إرسال سيولها منذ أسابيع، وجدت مدينة القصر الكبير نفسها أمام اختبار قاس فرضته الطبيعة. فمع الارتفاع غير المسبوق لمنسوب مياه وادي "اللوكوس"، لم يعد الخطر احتمالا مؤجلا، بل تحول إلى واقع داهم استدعى عمليات إجلاء عاجلة للأسر القاطنة بالمناطق المهددة. غير أن هذا المشهد، المطبوع بالنزوح الاضطراري، كشف في عمقه عن هشاشة مضاعفة عاشتها فئة بعينها: النساء الحوامل، اللواتي وجدن أنفسهن عالقات بين قسوة المخاض الوشيك وضغط الطبيعة الغاضبة. وفي هذا السياق، برز إقليمالعرائش كفضاء لتدخل اجتماعي استثنائي، حيث انتقلت السياسات العمومية من خانة التنظير إلى الفعل الميداني، بعدما تدخلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لرسم خط دفاع إنساني يقي هؤلاء النسوة تبعات الظرفية المناخية القاسية. في شارع "با حنيني" بمدينة العرائش، تحول الفضاء متعدد الوظائف للنساء إلى ما يشبه خلية طوارئ إنسانية. فداخل هذا المركز، لا يختزل المشهد في توفير مأوى مؤقت فحسب، بل يعكس دينامية تضامن تتجاوز منطق الاستجابة التقليدية. نساء في أشهر الحمل الأخيرة، وأخريات فرض عليهن الانفصال القسري عن أسرهن بعد عمليات إجلاء سريعة من القصر الكبير، وجدن هنا أكثر من مجرد سقف يقيهن العراء. لقد كانت استجابة مؤسساتية محسوبة، فعلت فيها بروتوكولات الإيواء والتدابير الاحترازية بشكل استباقي، تحسبا للمخاطر التي خلفتها الفيضانات، خاصة بعد عزل عدد من الأحياء والمداشر. هذا التحرك لم يكن وليد الارتجال، بل جاء ثمرة تنسيق محكم بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسة التعاون الوطني. فالمنطق المؤطر للتدخل يتجاوز مفهوم "الإيواء المؤقت" ليشمل حزمة متكاملة من الخدمات، صممت خصيصا لنساء في وضعية هشاشة. وداخل أروقة المركز، تعمل فرق متخصصة على توفير دعم نفسي مستمر لنساء يعشن في آن واحد صدمة النزوح وقلق الولادة، إلى جانب تقديم رعاية طبية دقيقة وتتبع صحي صارم للأمهات وأجنتهن، بما يضمن عبور هذه المرحلة الحرجة بأقل قدر ممكن من المخاطر. وفي قراءته للمشهد، يوضح عثمان التيمي، رئيس قسم العمل الاجتماعي بعمالة إقليمالعرائش، أن الاستجابة للأزمة استندت إلى تعبئة شاملة للموارد المتاحة. فبتنسيق مع لجنة اليقظة الإقليمية، التي تشرف على تدبير غرفة عمليات مواجهة الكوارث، لم تكتف المبادرة بتفعيل المراكز القائمة، بل عملت أيضا على إعادة تهيئة وتجهيز مختلف البنيات التابعة لها لاستيعاب المتضررين. ويضيف التيمي أن التركيز على الفضاء متعدد الوظائف بالعرائش يعود إلى دوره المحوري، باعتباره بنية تقدم خدمات تتجاوز الإطعام والإيواء، لتشمل المواكبة القانونية والطبية، مع فتح أبوابه ليس فقط للنساء القادمات من القصر الكبير، بل لكل من تضررت من فيضان الوادي بالجماعات الترابية المجاورة. من جانبه، يؤكد فؤاد العز، المدير الإقليمي للتعاون الوطني، أن عنصر السرعة كان حاسما في نجاعة التدخل. فبمجرد صدور التعليمات المتعلقة بحماية الفئات الأكثر هشاشة، تحركت فرق المساعدة الاجتماعية لتجهيز الفضاءات واستقبال المستفيدات. ويعكس هذا التحرك، بحسب العز، تحولا لافتا في مقاربة تدبير الأزمات بالمغرب، حيث أصبح البعد الاجتماعي والإنساني جزءا لا يتجزأ من خطط الطوارئ المرتبطة بالمخاطر المناخية. وتتحدث النساء المستفيدات، اللواتي استمع إليهن طاقم المركز، عن استعادة شعور بالأمان افتقدنه خلال لحظات الإجلاء، خاصة في ظل إشراف طبي وشبه طبي متخصص خفف من وطأة الخوف والقلق. ولا تقف شبكة الأمان التي نسجتها السلطات الإقليمية عند حدود هذا المركز، بل تمتد لتشمل منظومة أوسع من مؤسسات الرعاية الاجتماعية. فقد وضعت "دار أمستردام" بحي المنار، والمركز متعدد التخصصات "بنعبود"، والمركز الإقليمي لتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، إلى جانب دور الطالب والطالبة ودور المسنين، في حالة تأهب قصوى. وتم تجهيز هذه المرافق بمختلف المستلزمات الضرورية لتحويلها إلى مراكز إيواء مؤقتة، في تجسيد عملي لنهج شمولي في تدبير الكوارث، يضع كرامة الإنسان، ولا سيما الفئات الهشة، في صلب الأولويات. وتكشف فيضانات "اللوكوس" خلال شتاء 2026 عن وجهين متلازمين: تصاعد حدة التغيرات المناخية وما تفرضه من مخاطر متزايدة، مقابل قدرة المنظومة الاجتماعية المحلية، ممثلة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وشركائها، على امتصاص الصدمة. فقد تحولت مؤسسات الرعاية، في خضم الأزمة، إلى قلاع للصمود الاجتماعي، ضامنة للنساء الحوامل ظروفا تحفظ كرامتهن وسلامتهن، بعيدا عن مياه الوادي الهادرة.