مدينة صغيرة، نعم، لكنها بَقِيت دومًا بظلِّ روحي أطول من حجمها الجغرافي بكثير، فرغم أنها تبدو، لمن مرَّ بها يومًا، مدينةً هادئة إلى حدِّ الملل، بلا ضجيج المدن الكبرى، ولا بهرجة الإسفلت والإسمنت المتفاخر بنفسه كما في المدن الكبيرة. غير أنَّ بجعد اختارت، منذ زمن بعيد، تخصُّصًا نادرًا: تخريج الأولياء والصَّالحين وحُسْنِ أولئكَ رفيقًا، فلم تكن محترف ضجيج، بل زاوية هادئة لعمارة الروح، بدل أن تتحوَّل إلى ورشة مفتوحة للضوضاء، دَلَّ على ذلك المجهود التوثيقي والفني والهندسي الذي قام به المهندس عبد الغني خلدون، القنصل الفخري لمملكة الدانمارك، في عمله الأنيق والثَّقيل: "التُّراث العمراني والمعماري للمدينة العتيقة"، كنوع من البرِّ بمدينته الأم، وليربأ بنفسه عن تهمة العقوق التي قد ترميها به مدينته الأم، تهمة العقوق هذه التي لا تغفرها عادة المدن العتيقة لأبنائها، إذ لا أحد يرضى لمدينته أن تختزل في مجرَّد بطاقة بريدية، تنتظر يد الأجنبي ليأخذها معه بعيدًا. وما التقطه بذكاء عمراني وثقافي المهندس عبد الغني خلدون، في مجهوده التوثيقي الأنيق والثَّقيل، نقله من الفرنسية إلينا بعربية أنيقة المترجم محمد آيت لعميم، المهتم هو الآخر بالعمران، والذي درَّس العمارة المغربية لسنوات في مدارس وكليات الهندسة، جامعًا بين شغف البناء وحسِّ الترجمة وتاريخها، فكان من القلَّة التي تفهم أن المدن العتيقة، مثل النُّصوص الكبرى، لا تُقرأ من خلال سطوحها، ولا تُترجم إلا بعد تفكيك طبقاتها العميقة الأكثر إيغالًا في التاريخ، مثلما هي المدن العتيقة. ليست كل المدن محظوظة بأبنائها دائمًا، إذ هناك من ينساها فور انتقاله إلى مدينة أخرى، ليبني علاقة جديدة بمدينته الجديدة وضمن شروط وظيفته الجديدة، فيعاجِلُ في أن يقطع الحَبْلَ السُّرِّيَّ الذي ربطه مع مسقط رأسه، دون أي خجل يختمره، أو عذاب ضمير، وهناك من يحملها معه، أينما حلَّ، فيُبقي على أواصر القرابة بينهما، يصلها كما يصل رحمها، ويبرُّ بذكراها، وكأنها فرد من ذويه وأصفيائه، وهذا دَأْبُ عبد الغني خلدون ضمن عمله عن بجعد، ليدخل عمله ضمن قائمة مثقفين كان بُرُّهم بمدنهم شيئًا مصيريًّا، وإن كانوا محظوظين بمدنٍ تُغري من يؤرخ لها، تمامًا كما فعل محمد الكانوني في كتابه: "آسفي وما إليه قديمًا وحديثًا"، آسفي، المدينة التي لا تخلو من بحرٍ يسع البلاغة، ومن أحداث تتطلب من يؤرخ لها، والتعارجي الذي تفرَّغ ليكتب عن من حلَّ مراكش وأغمات من الصوفية والفقهاء وأهل الصَّلاح، في كتابه: "الإعلام بمن حلَّ مراكش وأغمات من الأعلام"، وكما فعل محمد الصِّدِّيقي الذي أيقظ سريرة مدينة الرِّياح التي يكفي أن تهبَّ فيها نسمةٌ حتى تستيقظ ذاكرتها وتاريخها، بكتابه: "إيقاظ السَّريرة في تاريخ الصويرة"، وكما فعل جبور التطواني مع تطوان، وأحمد الرجراجي أنار الصويرة مرة أخرى بشموس منيرة، وكأن المدينة لا تكتفي بشمسٍ واحدة، من خلال كتابه: "الشُّموس المنيرة في أخبار مدينة الصويرة". أما المختار السُّوسي، فقد كتب كتابه "المعسول" عن سوس، لا عن مدينة واحدة، بل عن قارةٍ كاملة من الرجال والكتب وقبائل الشعراء والفقهاء. وسط هذا الرَّكْب المهيب، يبدو عبد الغني خلدون، وكأنه اختار الطَّريق الأصعب؛ مدينة بلا بحر ترسو في موانئه سفن الفاتحين، وبلا أسوار شاهقة تروي قصص معارك وهجومات شرسة، وبلا بلاط سلطاني يصنع الأحداث، ليختار المهندس عبد الغني خلدون مدينة الأولياء التي كانت الولاية فيها نمطَ عيش يومي للإنسان العادي كما لخاصة أهل المدينة. مدينة حاول سي عبد الغني أن يظهر أنها عكس كثير من المدن، فرغم أنها لم ترفع صوتها في التاريخ، لكنها فضَّلت أن تُراكمه بهدوء، كما يُراكم مريد سيدي بوعبيد الشرقي أذكاره وأوراده التي لا تكاد تنتهي في الأسحار، وفي ظلمة الليل، وحين إشراقة النهار. فاختار من جهته أن يؤرِّخ لمدينته الصغيرة، لا لأنها "تِرَنْد" (Trend) المدن، ولا لأنها عاصمة سابقة أو لاحقة عن هذه الفترة أو تلك، بل لأنها مدينة كانت دائمًا أكبر من ضجيج بقية المدن، وأغنى من حضورها الإعلامي الخجول. عبد الغني خلدون لم ينتظر "إذنًا مركزيًّا أو أكاديميًّا" من أحد؛ من مؤسسة أو من جامعة ليكتب عن مدينته، ولم يسأل نفسه: "هل تستحق مدينتي بجعد كتابًا كاملًا بهذا الحجم؟" بل كتب، وكأنه يقول ضمنًا: "المدن لا تستحق التأريخ لأنها كبيرة، بل تكبر حينما تجد من يصور حقائقها الكبيرة"، وهذا بالضَّبط ما فعله الكانوني مع آسفي، والصديقي مع الصويرة، وجبور مع تطوان، والسوسي مع أراضي سوس المترامية، إنهم كتبوا ليمنحوا المكان حقه، وليوثقوا حيوات كثيرة، لم تجد من يوثقها، فكانت محاولة عبد الغني خلدون، من جهته، عملًا دقيقًا لتحويل خلوة هذه المدينة إلى أرشيف بالأرقام والصُّور، في كتاب هادئ دون مبالغة، ولا ضجيج، ودون ادعاء أنه اكتشف ما لم يُكتشف في المدينة، لكنه جمع الشذرات، والصُّور، والأسماء، والزوايا، والأزقة والسَّاحات والأقواس والحمامات والدروب والقيساريات والأفران والأحياء والوقائع الصَّغيرة والبسيطة، ليقول لنا بسخرية هادئة: "هكذا تصنع المدن العميقة تاريخها في الهامش، بعيدًا عن المدن المركز". لقد اختار عبد الغني خلدون طريقًا آخر في التأريخ لمدينته، ليفاجئ المؤرخ وقارئ التاريخ، على حدٍّ سواء، اعتمد الخرائط والصور عوض اللغة السردية المعهودة، ليُربك قبيلة المؤرخين الذين ألفوا نمطًا معينًا من السرد التاريخي. وليذكرنا بأن تاريخ المغرب لم يُكتب فقط في فاسومراكشوتطوان، بل كُتب أيضًا في مدن صغيرة من مثل مدينته: بجعد، حيث كان الولي أهم من الوالي، والزاوية أبلغ من دار الحاكم الفرنسي، والهامش أهم وأكثر فعلًا وتأثيرًا من المركز، ولذا صارت مدارس بجعد العتيقة تنافس جامعة القرويين بفاس وجامعة بن يوسف في مراكش، بل تُلقي بظلالها عليها، وتُدخل الضَّيْم عليها، فأنتجت قبائل من الفقهاء والعلماء والأولياء كما تنتج الأرض الخَصيبة البقول والكلأ من طوائف عدة، لذا فقد مرَّ بها أولياء المسلمين (سيدي صلاح، سيدي الحفيان، وسيدي عبد السلام مول المظل، وسيدي بوعبيد الشرقي ولالة خدوج، لالة مينة ولالة مغنية ولالة أم السعد (نفعنا الله ببركتهم أجمعين)) وأولياء اليهود (مولاي غيغا وآخرين) ولا يعلم خزائن ربك إلا هو. عبد الغني خلدون، وهو يؤرِّخ لبجعد، لا يقلِّد الكانوني ولا الصديقي، ولا السوسي، بل ينضم إليهم، مع انزياحات كبيرة في طريقة التأريخ، لأن منطلقه كان أن ينطلق من العلم الذي يعرف ويتقن، علم كل مهندس: الزَّوايا، والأسوار والأشكال، والألوان، فكان عمله بقدر ما كان عملًا في التاريخ كان عملًا جماليًّا وفنيًّا رائعًا، كان يود من خلاله، أن يؤكد لنا، عبر كل صفحة وصورة منه، أن بجعد ليست مدينة خارجة عن العصر، بل مدينة تُذكِّر هذا العصر بما نسيه، وبما صرنا في قطيعة معه. فهو كمهندس يفهم أكثر من غيره أن كل حجرة في مدخل زاوية أو سوق أو مسجد هي ذاكرة قرن أو قرنين أو أكثر. تحمل أسرار حقبٍ تاريخية. وكل سور في مدرسة عتيقة أو نافذة في حمام تقليدي تكاد تتفتق بأسرار مرحلة من تاريخ المغرب كله، وليس بجعد وحدها، وأن الجدار ليس مجرد إسمنت مسلَّح، بل سيرة واقفة، تأبى الاندثار، وترفض بالتَّالي أن تتخلى عن شهادتها عن تِلكُم الحقب، تحت وقع التعذيب وعوامل الاندثار والتَّعرية والنِّسيان، فكان عبد الغني خلدون بهذا نموذجًا نادرًا، لمهندس يرفض أن يُصلح التَّشققات فقط، بل أن يُصغي أيضًا إلى ما تقوله الجدران والنوافذ. الإنصات الجميل لما تهمس به العمارة في بجعد، كان هاجس عبد الغني خلدون، لذا كان يعامل كل صورة بما تستحقه من قدسية وتبجيل، اعتقادًا منه، ربما، بأن مدينته الصغيرة هي مدينة الأولياء، ولا يجب أن تُعامل إلا بما يستدعيه أمر الولاية والصَّلاح من الاحترام والتَّبجيل، لذا كان عبد الغني خلدون يمارس عمله في كتابه هذا، كما يمارس مريدو بوعبيد الشرقي الذكر وطقوس التعبد: بهدوء، وعلى طهارة، وبَتؤَدَةٍ، وباحترام شديد لأحوال الذاكرين، لذا كان لا يرى الزوايا مجرد مبانٍ قديمة، بل مؤسسات لتخريج السَّكينة وتصديرها إلى مدن أكبر من بجعد، كانت مدينته بجعد في تواصل دائم معها: فاس، مكناس، مراكش... إلخ، ولا يرى الأضرحة مجرد حجارة صامتة، بل علامات طريق، تُذكِّر العابرين أن هذه المدينة لم تُبْنَ فقط لتُسْكَن، بل لِتُهَذَّبَ وتُسَكِّن الأرواح المضطربة والنفوس المهتاجة. عناية عبد الغني خلدون بتراث أبي الجعد المعماري ليست عملًا تقنيًّا باردًا، بل انحيازٌ واضحٌ للمعنى ولروح المدن التي تسكن التزاويق والأبنية. انحيازٌ لمدينة كانت، عبر قرون، مختبرًا روحيًّا مفتوحًا لكل المغاربة: أضرحة، زوايا، أزقة ضيقة، مدارس، مقابر، وبيوت لا تستعرض فخامتها، لأنها، كما باقي المآثر العمرانية، واثقة من أصلها. فلم تبنَ يومًا لاستعراض قوة، بل لاصطياد الأرواح الباحثة عن الأمان والإيمان، فلا مآذن تتباهى بطولها، بل هي مآذن ناصعة الألوان، وبزخرفة مقتصدة وجميلة، لأن ما تعرفه هو أداء وظيفتها. ولا أبواب تتفاخر بزخرفتها الزاخرة بالأشكال والألوان، وإنما أبواب جميلة في اختياراتها، وفوق ذلك مفتوحة على تقاليد الضيافة، وهذه مهمتها الأكمل. مدينةٌ كاملة مبنية على فكرة واحدة: أن الإنسان أهم من الواجهة، فكان القلب النَّابض للمدينة هي الزوايا والأضرحة والمساجد حيث مستقر الأرواح، وكانت الأزقة والسَّاحات والقيساريات حيث السعي في الأرض والعمل بما ينفع الناس، وكانت الحمامات حيث لا تكتمل عبادة دون طهارة، وكانت المخابز والأفران إذ الخبز هو الإفادة ولولاه لما كان دين ولا عبادة. لأنه ابن مدينة مشبعة بتقاليد التَّصوف وبتربية الصَّالحين، فقد كان عبد الغني خلدون لا يتقدم أمام معالمٍ عمرانية بعينها، وإنما يتركها هي من تُواجه القارئ وتُوجِّهه، وتُفصح له عن مكنونها، فكانت الصورة والخريطة والشواهد والنقوش تحاصر القارئ لهذا العمل من كل جهة، حتى يصمت المؤلف كمريد أمام شيخه الوقور، ليترك للأثر فرصة ليتكلم، ويفسح المجال للشواهد التاريخية أن تتحدث، فكان يتأخر خطوة، ليدع الضريح يتقدم خطوتين وليتكلم بالنيابة عن الحقب التاريخية التي كان شاهدًا عليها، وليقول عبد الغني خلدون، عبر هذه الاستراتيجية الذكية، وبهدوء وثقة، ونيابة عن كل بجعد: "نحن هنا قبل الخرائط، وقبل الإسمنت المسلح، وقبل العمارة الحديثة.". ولهذا كان المهندس عبد الغني خلدون في عمله هذا، يتصرف مع آثار مدينته، لا بحسب ما تعلَّمه في مدارس المهندسين في المحمدية والرباط، بل وحتى في واشنطن، بل بحسب تربيته التي تلقاها في مدينته الصغيرة، إذ كان يتعامل مع الحيطان والأزقة والأقواس وكأنه ضيف مؤدَّب في حضرة ضريح أحد أبناء سيدي بوعبيد الشرقي، لا صاحب قرار تقني، فلا يقيسها بالمسطرة، أو يفكك أوصالها بما تفرضه تقنيات المهندس، بل بما تركته هذه المدينة، من أثر في الناس، ثم لا يقرأ جدرانها باعتبارها حالة معمارية، بل باعتبارها حالة وجدانية تراكمت عبر قرون من الذكر والدعاء والعبور الصامت الذي فهم معنى الحياة، واستوعب جيدًا حقيقتها. في هذا الكتاب، لا تبدو الزَّاوية الشَّرقاوية مجرد نواة عمرانية، بل نواة أخلاقية حية، ومركز ثقل لا للأحياء فقط، بل للأموات الذين يرفض سكان بجعد نسيانهم، والأضرحة لا تُقدَّم كمعالم للزيارة الموسمية، بل كعقد روحي نظَّم الفضاء العمومي للمدينة، وعلَّمت المدينة كيف تنمو دون أن تفقد سِيمَتها وسَمْتَها. وكأن بجعد تقول، من خلال هذا التوثيق: " نحن لم نخطط المدينة أولًا، نحن نربيها، ثم تجيء الأزقة وحدها!". لهذا فالمعمار هنا في بجعد الصَّغيرة والجميلة، كان يمارس نوعًا من التَّواضع النَّادر؛ ولذا فعمل عبد الغني خلدون لم يطلب تحديث الأضرحة في كتابه، ولم يدعُ إلى تجديدها، ولا حتى إلى إنقاذها، بل اكتفى بأن يُظهر ذكاء معمار المدينة الصامت من قباب، تعرف كيف تحمي السَّكينة وتستهبط الطمأنينة، ومن أفنية صُمِّمت لاستقبال الدعاء قبل الزوار، وزخارف لا مبالغةَ فيها، لأن الحرفي الذي نقشها كان يعرف أن المقصود ليس الإبهار، بل التَّهيئة والتَّربية الرُّوحية لساكني المدينة/ الزاوية: بجعد ولزائريها. يبقى من ألطف مفارقات هذا الكتاب، أن الأضرحة والزَّوايا، وهي أكثر عناصر المدينة ارتباطًا بالغيب، تُقدَّم في العمل، بأعلى درجات الدِّقة الهندسية، وكأن المؤلف يقول، دون أن يصرِّح، إن الروح لا تعادي النِّظام، وإن القداسة لا تخاف المخطط ولا التحليل المعماري، فالأضرحة في هذا العمل هي مفاتيح خرائطية، منها نفهم توزيع الأحياء، واتجاه الأزقة، ومنطق السَّاحات، ومسارات مدينة بأكملها، وكأن مقام الولي هو البوصلة، وليست القبَّاضة، ولا الشَّارع الرئيسي. وهذا في حد ذاته درس معماري صوفي من الطِّراز الرَّفيع، إذ البداية بالمعنى، ثم يأتي الشَّكل لاحقًا. والأضرحة والزوايا في هذا الكتاب، كما هي داخل مدينة بجعد، أخذت مكانها الطبيعي؛ في قلب المدينة كما في قلب المهندس عبد الغني خلدون، ثم بعد ذلك أخذت المكان والمكانة نفسها على ورق العمل، فهكذا أراد لها سيدي بوعبيد الشرقي عندما وضع حجرها الأول. كل المدن العتيقة تحتاج إلى كتاب في حجم عمل عبد الغني خلدون، خاصة في زمن صار فيه الحديث عن المدن العتيقة لا يتجاوز كليشيهات لا تنفُذ إلى حقيقتها، وهذا الذي جعل عبد الغني خلدون يفاجئنا بكتابه، إذ يحس من يتصفحه بأنه نزل إلى الأرض ودخل البيوت وتجول في الأزقة حتى تعبت قدماه، عوض التحليق فوق المدينة، ودخل القيساريات وصلى بخشوع في المساجد بدل الاكتفاء بالنظر إليها، وهذا ما جعله يعامل مسقط رأسه بجعد ككائن حيٍّ؛ بذاكرة حجرية لا تتكلم إلا لمن يُحسن الإصغاء، فحاول أن يفسح المجال لكل الفئات العمرانية لتتكلم بصوت عالٍ في كتابه: الملاح والمعالم اليهودية، والسَّاحة المركزية الكبرى وأروقتها، والسَّاحات الصُّغرى وأزقتها، والأرصفة الحجرية، والبوابات الموصلة لمختلف مداخل المدينة، والشُّرفات، والنوافذ الخارجية، والممرات تحت الصَّابات، وأبواب المنازل، والرياضات والمنازل، وصُنَّاع الفخار، وأفران الجير، وفن النجارة، والدِّباغة التقليدية، والزَّوايا، والأضرحة، والمساجد، والفنادق، والأفران العامة التقليدية، والحمامات العامة، والأقواس. فلم تكن بهذا بجعد مدينة الأولياء من بُناة الروح فقط، بل بوصفها مدينة بنائي الحجارة والطين، والصُّنَّاع. ليذكرنا عبد الغني خلدون أن بجعد لم تكن في يوم مدينة بلون واحد، بل لوحةً معمارية اختلط فيها الدُّعاء بالتِّجارة، والذِّكر بالنِّجارة، والعيش المشترك بالحيطان والأزقة المشتركة. بخلاصة فكثير من المدن العتيقة، تموت مرتين: مرة حين تُهمل، خاصة من ذوي القربى ممن كانت مسقط رؤوسهم، ومرة ثانية حين تُصوَّر من بعيد، وتختزل في بطاقة بريدية، تنتظر يد الأجنبي ليأخذها معه بعيدًا. غير أن بجعد، وجدت من يوقظ ذكراها بيننا، بعد أن قرر المهندس عبد الغني خلدون أن يتعامل مع المدينة لا كحكاية تُروى، بل ككائن ينبغي قياس نبضه، ساحة ساحة، وزاوية زاوية، وحائطًا حائطًا، وحجرًا حجرًا. في درس حضريٍّ وحضاري لا يزال صالحًا في زمن غابات الإسمنت المسلَّح، كما هي الشُّرفات والنَّوافذ الخارجية لبيوت بجعد، التي لم تكن زينة معمارية فقط، بل أدوات تواصل اجتماعي قبل اختراع الواتساب، وكانت أدوات تهوية قبل اختراع نوافذ السَّكن الاقتصادي الضَّيقة الأفق. والرِّياضات التي كانت تعبر عن فهم عميق للعلاقة بين الداخل والخارج، وبين الخصوصية والجماعة. -أستاذ الفلسفة والتصوف، جامعة القاضي عياض