سكينة بنمحمود – و م ع : داخل أروقة مركز للا خديجة للترويض وتقويم الأطراف لذوي الإعاقة الحركية بطنجة، تتوالى الاستشارات الطبية على إيقاع حصص إعادة التأهيل والتقويم الوظيفي الحركي، إلى جانب عقد لقاءات يومية مع الأسر. في قلب هذا النشاط المتواصل، تواكب الطبيبة ريم حيمامي، يوميا، أطفالا وبالغين في وضعية إعاقة حركية، موجهة إياهم بكثير من التعاطف والصبر نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في حياتهم اليومية. وتعمل الدكتورة حيمامي، وهي طبيبة متخصصة في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل الوظيفي بالمركز، على متابعة نحو 90 مريضا شهريا، من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، وإن كان الأطفال المصابون بالشلل الدماغي يشكلون النسبة الأكبر من المرضى الذين يتم التكفل بهم. كما تواكب أيضا أشخاصا بالغين يعانون من الشلل النصفي، والذي غالبا ما يكون نتيجة جلطة دماغية، إضافة إلى مرضى يحتاجون إلى أجهزة تقويمية خاصة، أو يعانون من مضاعفات مرتبطة بداء السكري. وجاء الاشتغال بهذا المركز تتويجا لمسار دراسي ومهني متألق بصمت عليه ريم حيمامي، ذات 37 ربيعا والأم لطفل والمنحدرة من مدينة وجدة، حيث حصلت على شهادة البكالوريا سنة 2007، قبل أن تلتحق بكلية الطب بفاس، لتنهي دراستها في الطب العام سنة 2015. وانطلاقا من اهتمامها بفهم شامل لوظائف الجسم البشري، اختارت التخصص في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل الوظيفي، وهو تخصص أ دخل إلى المغرب في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ويركز أساسا على استعادة القدرات الوظيفية وتحسين استقلالية المرضى في حياتهم اليومية. وقد تلقت تكوينها التخصصي بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، حيث حصلت على دبلوم التخصص سنة 2019، وكانت ضمن أول دفعة من الأطباء الداخليين الذين تلقوا تكوينهم في هذا التخصص بالمدينة تحت إشراف الدكتور فورتاسي. بابتسامة تستعيد فيها لمحات من شريط ذكرياتها، تقول الدكتورة حيمامي، في حديث مع وكالة المغرب العربي للأنباء، "في البداية لم أكن أتصور نفسي أمارس تخصصا يركز على عضو واحد من الجسم"، مضيفة "كنت أرغب في فهم الحركة ووظائف الجسم وكل ما يرتبط بالجهاز الحركي". ورغم أن هذا التخصص بدا لها واسعا في البداية، إلا أن تدريبا ميدانيا بفرنسا سنة 2018 أكد صواب اختيارها المهني. في هذا السياق توضح لقد "كانت تجربة مؤثرة للغاية بالنسبة لي، حيث اكتشفت غنى هذا التخصص وإمكانية مساعدة المرضى على استعادة استقلاليتهم وتحسين جودة حياتهم". وبدأت الطبيبة مسارها المهني سنة 2020 بمدينة طانطان، حيث مارست عملها لمدة أربع سنوات قبل أن تنتقل إلى طنجة. ومنذ نحو سنة، التحقت بمركز للا خديجة للترويض وتقويم الأطراف لذوي الإعاقة الحركية، والذي كان صاحب الجلالة الملك محمد السادس قد تفضل بتدشينه في 3 فبراير 2010، والذي يستقبل شهريا حوالي 2000 مستفيد من خدمات علاجية متخصصة. ويضم المركز، الذي يسيره اتحاد الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة بطنجة، فضاءات للعلاج الطبيعي، والعلاج الحركي النفسي، والتركيب التقويمي، وتقويم النطق، فضلا عن التوجيه الاجتماعي، في إطار مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين الأطباء وأخصائيي العلاج الطبيعي وتقويم النطق ومهنيين آخرين. وتوضح الدكتورة حيمامي أن إعادة التأهيل بالمركز لا تقتصر على العلاج الطبيعي الحركي، مشيرة إلى أن المرضى يستفيدون، حسب حاجياتهم، من حصص في تقويم النطق أو العلاج الحركي النفسي، إضافة إلى تركيب الأجهزة التقويمية الملائمة لحالاتهم. وتؤكد قائلة "إن الهدف من عملنا بمركز للا خديجة للترويض وتقويم الأطراف لذوي الإعاقة الحركية بطنجة يتمثل بشكل أساسي في تحسين استقلالية المرضى والارتقاء بجودة حياتهم". وبالنسبة لها، فإن العمل مع الأشخاص في وضعية إعاقة خيار مهني نابع من قناعة راسخة، قائلة إن "الكثيرين يترددون في الاشتغال في هذا المجال، حتى داخل القطاع الصحي، لكنني اخترت أن أبقى إلى جانب هؤلاء المرضى وأن أرافقهم بكل التزام وشغف". وبفعل فضولها المعرفي واهتمامها بالأبعاد الاجتماعية للإعاقة، واصلت الدكتورة ريم حيمامي مسارها الأكاديمي بدراسة علم الاجتماع، حيث حصلت سنة 2025 على الإجازة من جامعة ابن زهر بأكادير. وبمناسبة اليوم العالمي لحقوق المرأة، حرصت الطبيبة على الإشادة بالعمل اليومي لزميلاتها بالمركز، كما نوهت بالدور الأساسي للأمهات اللواتي يواكبن أبناءهن. في هذا الصدد، قالت "إنهن نساء استثنائيات، يناضلن كل يوم من أجل منح أطفالهن حياة أفضل وقدرا أكبر من الاستقلالية. وغالبا ما يكون وراء كل تقدم يحرزه طفل مثابرة ومحبة أسرة بأكملها". وتبقى هذه المسارات الإنسانية، بالنسبة للطبيبة ريم حيمامي، مصدر إلهام دائم، مؤكدة أن "شجاعة هؤلاء الأشخاص وإصرارهم يذكراننا كل يوم بسبب اختيارنا لهذه المهنة".