غصت مساجد مدينة طنجة، مساء الإثنين، بعشرات الآلاف من المصلين الذين توافدوا عليها لإحياء صلاة التراويح في ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان، وهي الليلة التي تزامنت في عدد من مساجد المدينة مع ختم تلاوة القرآن الكريم، في مشهد طبعته الكثافة البشرية والخشوع الواضح وامتداد أجواء القيام إلى وقت متأخر من الليل. وشهدت كبرى مساجد المدينة، على غرار السوريين وبدر ومحمد الخامس والإمام نافع والنور، تدفقا بشريا كثيفا انطلق مباشرة عقب أداء صلاة العشاء، فيما بدأت ملامح الاكتظاظ تظهر في محيط بعض هذه المساجد حتى قبل ذلك بوقت غير يسير، مع حرص عدد كبير من المصلين على التبكير من أجل الظفر بأماكن داخلية تتيح لهم متابعة الصلاة والدعاء في ظروف أكثر قربا من أئمة التراويح. ولم تستوعب القاعات الداخلية للمساجد الأعداد الكبيرة التي تزايدت بشكل متلاحق مع تقدم ساعات المساء، ما دفع إلى تشكيل صفوف الصلاة في الباحات الخارجية والساحات المحاذية والمحيط القريب من دور العبادة، في مشهد بدا مألوفا في ليالي الختم الكبرى، لكنه اتخذ في هذه الليلة حجما أوضح بالنظر إلى كثافة الحضور وتوزع الجموع على أكثر من مسجد كبير في المدينة. وسجلت دور العبادة إقبالا مبكرا قبل أذان صلاة العشاء بغرض ضمان أماكن داخلية، في حين وجد المتأخرون أنفسهم مصطفين في الفضاءات الخارجية المجاورة، حيث امتدت الصفوف بشكل منظم، وسط حركة متواصلة للمصلين القادمين أفرادا وجماعات، وفي أحيان كثيرة في هيئة أسر صغيرة أو رفقة معارف وجيران اعتادوا إحياء هذه الليلة في المساجد نفسها كل عام. وطغى الصمت والإنصات الطويل على الجموع خلال مجريات الصلاة، فيما تميزت الأجواء بالهدوء والانضباط رغم الاكتظاظ الشديد. ولم يكن المشهد، داخل المساجد الكبرى، أقرب إلى مجرد تجمع عددي واسع، بقدر ما عكس حالة جماعية من التركيز والترقب، خصوصا مع التقدم التدريجي في الركعات واقتراب لحظة الدعاء التي ينتظرها كثير من المصلين بوصفها ذروة وجدانية وروحية في هذه الليلة. وبلغت التجمعات ذروتها مع بدء أئمة المساجد في تلاوة دعاء ختم القرآن، وهو تقليد دأبت مساجد المدينة على إحيائه في الليالي الأخيرة من رمضان، ويستقطب سنويا أعدادا كبيرة من المصلين الراغبين في شهود لحظة الختم وما يرافقها من دعاء وتأمين جماعي وأجواء يغلب عليها التأثر والخشوع. وفي مسجد السوريين، رُصد تفاعل لافت للحاضرين مع دعاء الختم، حيث تعالت الأصوات بالتأمين الجماعي وفق الطريقة المغربية، وبدا التأثر واضحا على عدد من المصلين الذين رفعوا أكفهم في خشوع، فيما خيم صمت ثقيل على صفوف أخرى لم يقطعه سوى صوت الإمام وتجاوب الحاضرين مع فقرات الدعاء. واستمرت مجريات الصلاة والدعاء في مساجد أخرى، من بينها مسجد بدر، إلى ساعات متأخرة من الليل، مع بقاء أعداد كبيرة من المصلين في أماكنهم حتى نهاية الدعاء، وحرص كثير منهم على استكمال هذه الأجواء إلى آخر لحظاتها، في مشهد عكس المكانة الخاصة التي تحتلها ليلة الختم في الوجدان الرمضاني المحلي. وحافظت مساجد محمد الخامس والإمام نافع والنور على مشهد متقارب جمع بين كثافة الحضور وامتداد الصفوف إلى الخارج والسكينة المرافقة لليالي القيام، فيما بدا واضحا أن طنجة عاشت، في هذه الليلة، واحدة من أكثر لحظات رمضان ازدحاما وخشوعا داخل فضاءاتها الدينية الكبرى. وتحظى ليلة السادس والعشرين من رمضان بمكانة خاصة في المغرب، إذ يعتقد كثير من المغاربة أنها توافق ليلة القدر، وهي الليلة التي ورد في القرآن أنها "خير من ألف شهر". ولذلك تشهد المساجد خلالها واحدا من أعلى مستويات الإقبال خلال الشهر الفضيل، مع حرص أعداد كبيرة من المصلين على إحياء التراويح والقيام وختم القرآن والدعاء إلى ساعات متأخرة من الليل.