افتُتحت، اليوم الجمعة بمدينة طنجة، أشغال الدورة الثانية لنموذج محاكاة الأممالمتحدة "أفريتيك" (AFRITECH MUN 2026)، لتشكل منصة أكاديمية تزاوج بين التكوين في التخصصات التقنية ومسارات الدبلوماسية الدولية، مع التركيز على موقع القارة الإفريقية ضمن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة. وتنعقد التظاهرة، التي تستمر حتى 12 أبريل الجاري، بمقر "المدرسة العليا للتجارة وتسيير الأعمال" (ESCG). وتتولى عملية التنظيم والتنسيق هيئة طلابية تابعة لكلية العلوم والتقنيات بطنجة، ممثلة في نادي "توك أند أكت" (Talk & Act)، بشراكة مع المؤسسة الجامعية المستضيفة، وفق ما جاء في البلاغ الرسمي الصادر عن المنظمين. وتحمل دورة 2026 عنوانا رئيسيا هو "الابتكار والتنمية المستدامة: بناء إفريقيا الغد"، مدعوما بشعار تنظيمي مركزي: "حيث يلتقي الابتكار بالدبلوماسية" (Where Innovation Meets Diplomacy). ويهدف هذا التوجه الأكاديمي، بحسب الجهة المنظمة، إلى تجاوز القوالب التقليدية للأنشطة الجامعية الموازية، وربط التكوين النظري، لاسيما في مجالات العلوم الدقيقة وإدارة الأعمال، بآليات التفاوض الدولي، وتقنيات الترافع، ومناهج صناعة القرار داخل الهيئات الأممية والمتعددة الأطراف. وشهد اليوم الافتتاحي للفعالية، الذي جرى بحضور فاعلين أكاديميين وخبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية، تنظيم جلسات عامة مهدت لانطلاق أشغال اللجان المتخصصة. وتم تقديم "أفريتيك" كبيئة محاكاة صارمة لإجراءات منظمة الأممالمتحدة، تروم تدريب الطلبة المغاربة والأجانب المشاركين على تدبير الأزمات، وبناء التوافقات الاستراتيجية، وصياغة القرارات الدولية وفق بروتوكولات الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين للأمم المتحدة. وفي الشق الموضوعاتي، تصدرت الجلسة العامة الأولى محور "الدبلوماسية على محك القرن الحادي والعشرين". وتناول النقاش انتقال الممارسة الدبلوماسية الكلاسيكية نحو مساحات جديدة ومفتوحة تفرضها الثورة الرقمية والتكنولوجية، كالتشريعات الدولية المنظمة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتأمين البيانات السيادية، والانتقال الطاقي، باعتبارها محددات حديثة للعلاقات البينية للدول وموازين القوى العالمية. أما الجلسة العامة الثانية، فخُصصت لمقاربة موضوع "إفريقيا في مواجهة فخ الدخل المتوسط والتحديات العالمية الجديدة: حالة المغرب". وتم استعراض الإكراهات الماكرو-اقتصادية التي تواجه الدول الإفريقية الساعية للانتقال من اقتصادات ترتكز على تصدير المواد الأولية، إلى نماذج تنموية مبنية على القيمة المضافة العالية. وجرى تقديم التجربة المغربية كحالة دراسية، بالنظر إلى السياسات العمومية المعتمدة لتسريع التصنيع، لاسيما في قطاعات السيارات والطيران، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كآليات ضرورية للارتقاء في سلاسل القيمة العالمية وتجاوز عتبة الدخل المتوسط. وتشير الوثائق التأطيرية للملتقى إلى أن هذه النسخة تتميز بإدماج مقاربة "العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات" (STEM) في صلب العمل الدبلوماسي اليومي. ويناقش المشاركون، الموزعون على لجان تحاكي أجهزة المنتظم الدولي، قضايا التعاون المالي بين دول الجنوب في مجال التكنولوجيا المتقدمة، وآليات تمويل المشاريع المستدامة، وتوطين الصناعات المبتكرة في القارة الإفريقية لتأمين سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية في بيئة دولية تنافسية. ويكتسي اختيار طنجة لاحتضان هذا الحدث دلالة سياقية واضحة، إذ تُعد المدينة القطب الاقتصادي والصناعي الثاني للمملكة المغربية، وبوابة جغرافية وتجارية رئيسية نحو الفضاءين الأوروبي والإفريقي. وتضم طنجة بنيات تحتية لوجستيكية استراتيجية، يتقدمها المركب المينائي "طنجة المتوسط" والمناطق الصناعية الحرة المتطورة، مما يوفر خلفية ميدانية واقعية للنقاشات التي تربط بين الابتكار التكنولوجي والدبلوماسية الاقتصادية والمجالية. وإجرائيا، يتضمن برنامج الأيام الثلاثة جلسات عمل مغلقة داخل اللجان، ومناظرات مؤطرة، وورشات تطبيقية مكثفة حول تقنيات صياغة المذكرات الدبلوماسية ومشاريع القرارات. ويُطالب المشاركون، خلال هذه الورشات، بالدفاع عن المصالح الحيوية للدول التي يمثلونها افتراضيا، وإدارة التحالفات الجيوسياسية المعقدة، قبل رفع التوصيات النهائية إلى جلسة عامة ختامية مبرمجة يوم الأحد للتصويت عليها وفق المساطر المعمول بها أمميا. وتشكل هذه المبادرة امتدادا للانفتاح المتزايد لمنظومة التعليم العالي بالمغرب على محيطها السوسيو-اقتصادي، وتفاعلا مباشرا مع الدينامية الدبلوماسية الرسمية للمملكة في القارة الإفريقية. وتتقاطع هذه التظاهرات مع التوجهات المؤسساتية الرامية إلى تعزيز الكفاءات العرضانية (Soft Skills) لدى الطلبة، وتكوين نخب جامعية قادرة على الترافع عن القضايا الاستراتيجية الوطنية والقارية، والانخراط بفعالية في مراكز التأثير الدولي، مستندة في ذلك إلى قاعدة صلبة ومحينة من المعرفة العلمية المتقدمة والوعي الجيوسياسي الدقيق والموضوعي.