تتحرك فكرة الربط البحري بين المغرب والبرتغال في منطقة رمادية بين الطموح السياسي والهندسة الثقيلة. المشروع، كما تعرضه تقارير إعلامية إسبانية، يتحدث عن نفق تحت المحيط الأطلسي بكلفة أولية تتجاوز 800 مليون يورو، هدفه تحويل المسافة البحرية بين البلدين إلى ممر بري مباشر ليست المسألة طريقا جديدا فقط. إنها محاولة لإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية لغرب المتوسط والأطلسي. فالمغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة موقعا متقدما في البنيات التحتية والموانئ والطرق، ينظر إلى الربط مع أوروبا من زوايا متعددة. لم يعد مضيق جبل طارق وحده عنوان العبور. الأطلسي بدوره يدخل الحسابات المشروع المقترح يقوم على نفق بحري مزدوج، مخصص لحركة السيارات، مع ممرات تقنية للطوارئ وأنظمة تهوية ومراقبة وسلامة. ومن الجانب المغربي، يفترض أن يرتبط بمحاور طرقية عالية السعة شمال طنجة. ومن الجانب البرتغالي، يندمج مع شبكة الطرق في منطقة الغرب، وخاصة الطريق A22 هذه التفاصيل تمنح المشروع صورة تقنية واضحة. لكنها لا تلغي السؤال الأكبر. هل يتعلق الأمر بمشروع دخل فعلا مرحلة التنفيذ، أم بتصور هندسي وسياسي ما زال في طور الاختبار حسب المعطيات المنشورة، يعتمد التصميم على إنجاز مرحلي. تبدأ العملية بالدراسات البيئية والجيوتقنية، ثم تصميم المسار، وبعدها إنشاء المداخل ومناطق التجميع، قبل المرور إلى الأشغال البحرية وتركيب أنظمة السلامة والتشغيل. هذه المراحل تعني أن الطريق ما زال طويلا قبل رؤية السيارات تعبر تحت الأطلسي الكلفة الأولية، المقدرة بأكثر من 800 مليون يورو، تبدو رقما ضخما في الخطاب العام، لكنها في مشاريع الأنفاق البحرية تمثل غالبا بداية الحساب لا نهايته. فالكلفة النهائية ستتحدد وفق جيولوجيا القاع، وعمق المسار، والمخاطر الزلزالية، وطريقة التمويل، وحجم الضمانات التقنية المطلوبة هنا يظهر الوجه الحقيقي للمشروع. فالنفق لا يحتاج فقط إلى قرار سياسي. يحتاج إلى توافق مالي طويل الأمد، وإلى دراسات بيئية صارمة، وإلى نموذج تدبير قادر على تحويل بنية تحتية مكلفة إلى مشروع قابل للحياة اقتصاديا البعد البيئي سيكون بدوره اختبارا حاسما. فالأشغال تحت البحر تفرض تقييمات دقيقة لتأثيرها على التيارات، والكائنات البحرية، والتوازنات البيئية. وفي منطقة أطلسية ذات حساسية ملاحية وبيئية، لن يكون الترخيص مسألة شكلية مع ذلك، يحمل المشروع دلالة استراتيجية. فهو يعكس انتقال المغرب من منطق الارتباط التقليدي بأوروبا عبر إسبانيا إلى التفكير في ممرات إضافية. كما يفتح أمام البرتغال منفذا مباشرا نحو شمال إفريقيا، في وقت تتزايد فيه أهمية سلاسل الإمداد والربط الطرقي والطاقي بين الضفتين ولا يأتي هذا الطرح منفصلا عن مشروع أقدم وأكثر حضورا، هو النفق البحري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق. ذلك المشروع، الذي عاد إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، يتحدث عن ربط بين بونتا بالوما في إسبانيا وبونتا مالاباطا قرب طنجة، بطول يقارب 42 كيلومترا، منها حوالي 28 كيلومترا تحت البحر بهذا المعنى، يتحول شمال المغرب إلى مركز محتمل لشبكة ربط عابرة للقارات. طنجة، التي بنت قوتها الجديدة حول الميناء والطرق والقطار فائق السرعة، تجد نفسها في قلب تصورات كبرى تربط إفريقيا بأوروبا، لا عبر البحر فقط، بل من تحته أيضا لكن المسافة بين التصور والإنجاز تبقى واسعة. فالنفق المغربي البرتغالي، إذا تأكد رسميا، سيحتاج إلى سنوات من الدراسات والاتفاقات والتمويل. وسيحتاج قبل ذلك إلى جواب واضح عن سؤال بسيط وحاسم. من سيدفع، ومن سيستفيد، وبأي عائد اقتصادي في الوقت الراهن، يبدو المشروع أقرب إلى إعلان نوايا هندسي وسياسي منه إلى ورش جاهز. لكنه يكشف شيئا أساسيا. المغرب والبرتغال، ومعهما إسبانيا، لم يعودوا ينظرون إلى البحر كحد فاصل فقط. صار البحر نفسه مجالا للمنافسة والربط وإعادة ترتيب النفوذ