رغم توالي فضائح التعمير والخروقات الخطيرة التي يعرفها قطاع البناء بمدينة تيزنيت، ورغم الأحداث الصادمة التي هزّت الرأي العام المحلي، ما تزال المدينة خارج دائرة التفتيش والمحاسبة، في وضع يثير أكثر من علامة استفهام حول جدية تفعيل القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويُعدّ انهيار عمارة بحي باب أكلو المؤشر الأخطر على حجم الفوضى التي يعرفها قطاع التعمير بالمدينة، بعدما كشف بالملموس عن ضعف المراقبة وشبهة التواطؤ والتستر داخل مصالح التعمير، غير أن هذه الحادثة لم تكن معزولة، بل توازيها خطورة ما يجري بتجزئة الاتفاق التابعة للمقاطعة الثالثة، حيث جرى تشميع منزل حديث البناء مهدداً بالانهيار، في وقت شُيّدت فيه بالمنطقة نفسها بنايات وتجزئات فوق وادٍ مردوم بمخلفات البناء، تعيش فوقه اليوم عشرات الأسر في صمت رسمي مقلق. وتزداد المفارقة حدّة بوجود مشروع السكن الاجتماعي بتجزئة الاتفاق، الذي قُدِّم أمام الملك محمد السادس، دون أن يرى النور إلى اليوم، ودون أي توضيح رسمي حول أسباب تعثره، في ما يعتبره متابعون فضيحة صامتة تكشف مدى نفوذ لوبي العقار وقدرته على تعطيل مشاريع ذات طابع اجتماعي مقابل تمرير خروقات تهدد سلامة المواطنين والمال العام. ولا تقف الاختلالات عند هذا الحد بتجزئة الاتفاق، إذ تُسجَّل إضافة أقبية (قبو/سرداب) بعدد من المنازل في خرق واضح للتصاميم المرخص لها، وذلك أمام أعين السلطات المحلية ومصالح التعمير، دون أي تدخل يُذكر. الأخطر من ذلك، أن بعض هذه المنازل تغمرها مياه الأمطار في كل موسم شتاء، ما يحوّلها إلى نقاط سوداء تهدد سلامة القاطنين وتشكل خطراً حقيقياً على الأرواح، خاصة وأنها شُيّدت فوق تربة هشة وبمناطق يُشتبه في كونها جزءاً من مجاري مائية مردومة. كما يثير الاستغراب أن عدداً من التجزئات السكنية بالمدينة تسلّمت محاضر نهاية الأشغال وشهادات المطابقة مع المعايير القانونية، رغم الخروقات التي يمكن معاينتها بالعين المجرّدة، سواء على مستوى البنية التحتية أو احترام التصاميم المرخّص لها وشروط السلامة. أما ما لا يظهر للعلن من اختلالات تقنية وهيكلية، فحدّث ولا حرج، ما يطرح تساؤلات ثقيلة حول مصداقية لجان المراقبة، وظروف التسليم، والمسؤوليات الإدارية التي سمحت بتمرير هذه المشاريع رغم وضوح التجاوزات. وتشهد عدة أحياء بمدينة تيزنيت خروقات فاضحة، من بينها إضافة طوابق دون أي تراخيص قانونية، شملت تجزئات ومساكن يُشتبه في تبعيتها لمنتخبين وذوي نفوذ، إضافة إلى بنايات بكل من المقاطعة الثالثة والمقاطعة الثانية ومقاطعات أخرى، في مشهد يعكس منطق الانتقائية في تطبيق القانون. وفي مقابل هذا التساهل غير المفهوم، تُقابل طلبات مواطنين آخرين بالرفض بدعوى أن "المكان لا يسمح بإضافة طابق"، في مفارقة صارخة تختزل منطق "حرام على البعض... حلال على البعض"، وتكرّس الإحساس بالحيف والتمييز. كما أن عدداً من التجزئات السكنية لم تحترم الشروط القانونية الأساسية، حيث غابت الطرق المهيأة، والمساحات الخضراء، والمرافق العمومية وتجهيزات جماعية، في خرق سافر لقوانين التعمير، فيما تعيش الأحياء الملحقة بدورها على وقع فوضى عمرانية عارمة، خارج أي تصور حضري منظم. ورغم جسامة هذه الاختلالات، قضاة المجلس الجهوي وقضاة المجلس الأعلى للحسابات لم يدرجوا تيزنيت ضمن برامج التفتيش، رغم ما تخوله لهم المواد 117 و118 و147 و148 من مدونة المحاكم المالية، التي تمنح صلاحيات واسعة لمراقبة تسيير الجماعات الترابية، والتأكد من سلامة التصرف في المال العام واحترام القوانين الجاري بها العمل. مصادر مطلعة لتيزبريس كشفت أن هذا الغياب المثير للتساؤلات تقف وراءه قوة لوبي عقاري نافذ بالمدينة، يتحكم في عدد من الإدارات والمسؤولين، ويرتبط بعلاقات مؤثرة، ويضع "حواجز غير مرئية" أمام أي محاولة لفتح ملفات التعمير الثقيلة. وأضافت المصادر أن عدداً من الشكايات الموجهة إلى وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان ووزارة الداخلية تم تجاهلها، وبقيت حبيسة رفوف المصالح المركزية، في ما اعتبره متابعون دليلاً إضافياً على سطوة هذا اللوبي. ولم تُعفِ المصادر نفسها العمال المتعاقبين من المسؤولية، معتبرة أن بعضهم ساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التستر على الفساد، وترك لوبي العقار يحوّل المدينة إلى "حديقة خاصة" يتصرف فيها كما يشاء، في غياب الردع وتفعيل المتابعة القانونية. ويرى متابعون أن هذا الوضع الخطير لا يشجع فقط على التمادي في خرق القانون، بل يكرّس واقعاً أصبح فيه لوبي العقار هو العامل، وهو القاضي، وهو رجل الأمن، في تحدٍّ صارخ لسلطة الدولة، وتهديد مباشر لأرواح المواطنين وللمال العام.