في لحظة مفصلية من تاريخ حزب التجمع الوطني للأحرار، يتجه "حزب الحمامة" نحو انتقال هادئ في قمة هرمه التنظيمي. ومع إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة، برز اسم محمد شوكي كمرشح وحيد لخلافته؛ وهو اسم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مسار جمع بين صرامة "تكنوقراط المال" وحنكة "الفاعل السياسي" الميداني. ولد محمد شوكي بالرباط سنة 1977، ونشأ في بيئة عائلية مسكونة بالهم السياسي والوطني؛ فهو ابن البرلمان السابق أحمد شوكي، وحفيد المقاوم "علي أوميمون" الذي أعدمه الاستعمار الفرنسي عام 1955. هذا الإرث العائلي شكّل البوصلة التي وجهت مساره الأكاديمي والمهني المتعدد المرجعيات. شوكي هو خريج "جامعة الأخوين" المرموقة بإفران (بكالوريوس إدارة الأعمال)، وحاصل على ماجستير في العلوم المالية من جامعة "سالفورد" بمانشستر، وشهادة في العلاقات الدولية من الولاياتالمتحدة، وصولاً إلى ماستر في قانون الأعمال من فرنسا. هذا التكوين الدولي أهّله لمسار مهني وازن قضى منه سنوات طويلة في دول الخليج، وتحديداً في أبوظبي ودبي، حيث أدار صناديق استثمارية بمليارات الدولارات واحتك بديناميات الأسواق العالمية. لم يدخل شوكي عالم السياسة بمظلة "الإنزال الفوقي"، بل سلك مسار التدرج داخل هياكل "الأحرار". انطلقت رحلته التنظيمية سنة 2018 كمنسق إقليمي للحزب بجهة فاس-مكناس، قبل أن يتحول إلى منسق جهوي وعضو بالمجلس الوطني والمكتب السياسي. في انتخابات 2021، نجح في حجز مقعده بالبرلمان عن دائرة بولمان، ليضع خبرته المالية رهن إشارة المؤسسة التشريعية، حيث ترأس لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، قبل أن يتم انتخابه في أبريل 2024 رئيساً للفريق النيابي للحزب بمجلس النواب. داخل قبة البرلمان، يخلع شوكي رداء "الرجل الهادئ" ليرتدي قبعة المدافع الشرس عن اختيارات الحكومة والحزب. يصفه زملاؤه بأنه "رجل الأرقام" الذي لا يتردد في مواجهة المعارضة بلغة تقنية حازمة. قدرته على ترجمة أعقد القوانين المالية إلى نقاش سياسي جعلت منه أحد الوجوه الصاعدة التي تحظى بثقة عزيز أخنوش والقيادات الوازنة في الحزب. باعتباره المرشح الوحيد لخلافة أخنوش، يواجه محمد شوكي اليوم تحدي الحفاظ على تماسك الحزب ومواصلة "مسار التنمية" الذي رفعه الأحرار شعاراً لهم. شوكي، الأب لطفلين ورجل الأعمال الذي يدير أصولاً تتجاوز 13 مليار درهم عبر شركته "AD Capital"، يطمح اليوم لنقل نجاحاته من إدارة المحافظ المالية إلى إدارة "أكبر حزب في الأغلبية الحكومية". هل سينجح "مهندس المال" في قيادة سفينة الأحرار وسط رياح السياسة المتقلبة؟ الأيام القادمة داخل "بيت الحمامة" كفيلة بالإجابة، لكن الثابت أن شوكي يمتلك الآن كل مفاتيح "الشرعية" المهنية والسياسية والعائلية للجلوس على كرسي الرئاسة.