"ليس العنف ضروريا لتدمير حضارةٍ ما، كلّ حضارة تنهار إثر لامبالاتها بالقيم الفريدة التي قامت عليها" الفيلسوف الكولومبي نيكولاس ڠوميز داڤيلا قبل سنة من الآن، كتبتُ هنا بالعلم الأسبوعي بالحرف: "يدل نجاح ترامب للولاية الثانية وعودته إلى البيت الأبيض بنصر كبير، على أن الديمقراطية ومعها كل الأنساق والمرجعيات التي كبرنا في أحضانها وعشنا على تمثلاتها، تبحث لنفسها عن جنازة تليق بها، ذلك أن التصريحات التي حملها خطاب الرئيس الأمريكي وسلسلة التهديدات التي أطلقها حتى قبل تنصيبه، وكمّ وحجم القرارات التي وقّع عليها في ظرف قياسي منذ 20 يناير الماضي، تؤشر على أن السياسة كما اعتدنا ممارستها بالأساليب التقليدية سوف لن يبقى لها وجود، لم يعد العالم الذي نشهد قيامته الآن، محكوما بما كان يسميه ريجيس دوبريه ب"السيطرة اللامرئية" التي تجتاح الدول والأمم، غابة من الأشباح غير المرئيين يتحكمون في تفاصيل توجيه القرن، بل بقوى مرئية لم تعد تخفي نفسها، قوامها المال والإعلام والآلة العسكرية والتكنولوجية الحديثة". وها هي الأحداث المتتالية تزكي هذا الاستنتاج.
ما حدث في فنزويلا يعتبر انقلابا في فكرة السياسة ذاتها، لم تعد قواعد القانون الدولي ومفاهيم حقوق الإنسان هي ما يحدد تصور الدول العظمى للسياسة الدولية، ونحن شهود على فترة تراجيكوميدية في السياسة، فأبرز التحولات الجارية في العالم والقادم منها مستقبلا، تؤكد أن السياسات التقليدية على وشك التحول إلى شيء جديد. مبشرة بتغييرات جذرية في مفهوم السياسة وممارستها، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. هناك بداية لمرحلة جديدة قد تتجاوز الحدود التي كانت تحدد مفهوم السياسة سابقا، هناك نزوعات قومية جديدة ترى أن الداخل أولى من الخارج، فلم تعد التحديات المستقبلية هي الديمقراطية وحقوق الإنسان، التغير المناخي والعدالة الاجتماعية والمساواة والحرية... بل هي الهجرة والثروة والقيم المحافظة في المجتمعات المتقدمة ذاتها، التي يرى قادتها أنها تتطلب أشكالًا جديدة للسياسة تتجاوز الطرق التقليدية في التفكير والإدارة. حتى إن بدت لنا مجنونة إلى حد بعيد.
نعيش في زمن يبدو فيه أن الاقتصاديين والمؤسسات المالية أصبحوا يؤثرون بشكل أكبر على السياسة مقارنة بالفكر السياسي التقليدي. جزء من هذا التحول هو نتيجة للتركيز الكبير على العولمة والتقدم التكنولوجي والتغيرات السريعة في الأسواق المالية. كثير من القادة السياسيين اليوم يفضلون اتخاذ قرارات تعتمد على نتائج اقتصادية قصيرة المدى أو حتى على حسابات مالية ضيقة، بدلًا من المبادئ السياسية التي تستند إلى الفكر الأيديولوجي العميق.
من جهة أخرى، يظهر أن الزعماء السياسيين الجدد في العالم يبدون أكثر اهتماما بالإدارة اليومية للأزمات الاقتصادية أكثر من الاهتمام بتطوير رؤية سياسية طويلة الأمد. وهو ما يجعلهم عرضة للضغط من قبل قوى اقتصادية وأحيانا يعرضهم للانتقاد بسبب نقص الوعي بالفكر السياسي العميق أو الفهم الشامل للمشاكل المعقدة.
ليس ساركوزي وماكرون، والقادة الجدد بمختلف الدول الأوربية وباقي دول العالم، وصولا إلى ترامب، سوى علامة على هذا التحول في القيادة السياسية الذي يعكس تآكل المبادئ الأساسية للفكر السياسي التقليدي، حيث أصبح الاقتصاد هو المحرك الرئيس في السياسة، فإن هذا يعني انهيار المنظومات الفكرية والسياسية التاريخية التي تأسست عليها معظم الأنظمة السياسية مثل العدالة، المساواة، حقوق الإنسان، والتحرر والاستقلالية الفكرية، والتي غالبا ما تكون بعيدة عن الحسابات الاقتصادية البحتة.
كانت الولاياتالمتحدةالأمريكية تتقن لعبة النفس الطويل بأسلوبها البراغماتي: العقوبات، إدارة الموارد، توظيف القوة الناعمة، فتح منافذ ضيقة ثم إغلاقها... لكن ما جرى مؤخرا بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو يشي بتحول أعمق، قوامه: الانتقال من سياسة التفاوض إلى سياسة الصدمة، الفعل الصاعق - أيّا كانت لغته الرسمية أو تبريره - يحمل في جوهره منطقا واحدا، إذا طال النزاع على الشرعية، فالحسم لا يأتي من التفاوض ولا من استعمال المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، بل من تغيير قواعد اللعبة نفسها، فما قام به ترامب هنا لا يوجه إلى كاراكاس وحدها، بل إلى كل العواصم التي تظن أن "الجمود" ضمانة للبقاء: لا توجد منطقة رمادية آمنة حين تقرر القوة الكبرى أن تنهي الرمادي.
لكن هذه الصدمة ليست مجانية وتخلق سابقة: إذا صار خلع القيادة أو اعتقالها أداة سياسية قابلة للتكرار، فإن العالم يدخل مرحلة تُدار فيها الأزمات بمنطق "الضربة الوقائية"، وهذه لحظة تُخيف حتى الحلفاء، لأن القاعدة حين تُكسر مرة، لا يضمن أحد أنها لن تُكسر ضده غدا أو لا يستعملها خصوم آخرون، لننتبه لما قاله نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، حين صرح أن اختطاف المستشار الألماني فريدريش ميرتس "لن يكون مفاجئا" بعد أن قامت الولاياتالمتحدة باعتقال الرئيس الفنزويلي. ومضى قائلا في تصريحات لوكالة الأنباء الروسية "تاس": "قد يكون اختطاف المستشار الألماني ميرتس تحولا مثاليا في حبكة هذا الكرنفال. ولم يعد هناك الكثير مما قد يفاجئنا في هذه المرحلة". ورأى ميدفيديف أن اختطاف ميرتس ينطوي على قدر من الواقعية، مبينا أن هناك مبررات لمحاكمته حتى في ألمانيا نفسها وأن الألمان يعانون من مستشار بلادهم.
للصين حضور قوي في فنزويلا عبر النفط والتمويل والبنية التحتية جعلها تتعامل مع البلد بوصفه استثمارا طويل الأجل في الطاقة والنفوذ الرمزي بوص كراكاس شريكا خارج المدار الأمريكي التقليدي. تُفضّل الصين الاستقرار الذي يحمي العقود والديون والتدفقات. لذلك، حين تقع الصدمة، يتحرك العقل الصيني بطريقة مختلفة عن العقل الأمريكي، تملك بكين قدرة ضخمة على الصبر، لكنها لا تحب المفاجآت التي تُربك شبكة المصارف والشركات. ومصالحها الاستراتيجية
في العمق، تريد الصين عالما تُدار فيه المنافسة داخل قواعد واضحة، لأنها تتقدم داخل القواعد: بناء نفوذ عبر الاقتصاد، لكن الشكل الاستعراضي لواشنطن في كراكس جعل بكين تجد نفسها مضطرة لإعادة تعريف "البراغماتية" عبر حماية مصالحها ولو داخل عالمٍ أقل قانونية.
لطالما نظرت روسيا إلى فنزويلا بوصفها نافذة في الخلفية الأمريكية، ورمزا لصيغة عالم متعدد الأقطاب: إذا كان لواشنطن نفوذ قريب من موسكو، فبإمكان موسكو أيضا أن تزرع نفوذًا قريبا من واشنطن، لكن الرمزية وحدها لا تصنع استقرارا في السياسة.
حين يرتفع منسوب المخاطر، تُصبح حدود القوة الروسية أكثر وضوحا: تستطيع موسكو الدعم السياسي والدعائي، وقد تستثمر في بعض الملفات الأمنية، لكنها لا تستطيع دائما حماية حليف من عاصفة قرار تُطلقه قوة أكبر في نصف الكرة الغربي. لذلك تتحول الاستجابة الروسية عادة إلى إعادة تموضع: تقليل الخسائر وترك الباب مفتوحا للعودة حين تهدأ العاصفة كما حدث في سوريا.
وهنا المفارقة المريرة: عالم "خرق القواعد" يخدم موسكو حين يُضعف النظام الدولي الذي تُتهم بأنها كسرته في أوكرانيا وإفريقيا، لكنه يؤذيها حين يصبح الكسر تقنية جاهزة بيد خصومها تُطبَّق على حلفائها.
النفط: القلب الذي يُخفي المرض
لا شيء يشرح فنزويلا مثل النفط، نعمة تتحول إلى لعنة مع العقوبات الأمريكية، التي تسببت في توقف الاستثمارات وتراجع القدرة على الإنتاج، وأصبحت كراكاس رهينة للسوق وللسياسة في الوقت نفسه، ليس النفط مجرد مورد اقتصادي في حالة فنزويلا، إنه اللغة التي يتحدث بها العالم مع فنزويلا: تراخيص، بيع عبر طرق ملتوية، عقود تُعاد صياغتها تحت الضغط، بيع بغير الدولار الأمريكي في عمق البحار المظلمة... في لحظة الصدمة اليوم يعود النفط ليؤدي دوره الأخطر: ضمانة للصراع. من سيحصل على التدفق؟ من سيتحكم في الموانئ والشحن؟ لهذا تحولت فنزويلا فجأة إلى أكثر من ساحة سياسة: أصبحت ساحة إعادة توزيع براميل نفط أكبر احتياطي عالمي بيد ترامب والشركات الأمريكية.
إذا أردنا أن نرسم "الخريطة الجديدة" فنحن أمام عالم يُعاد فيه ترتيب النفوذ عبر ثلاث طبقات متداخلة:
الطبقة الأولى :الشرعية ليست حقيقة ثابتة بل مادة صراع. الطبقة الثانية :الاقتصاد لم يعد مجرد ضغط، بل أصبح سلاحا يوميا لإدارة الدولة من الخارج.
الطبقة الثالثة :الفعل المباشر - الأمني أو القضائي أو التقني - يسبق التفاوض، ثم يأتي التفاوض كترتيبٍ لاحق على واقع جديد.
هذا هو موجز "خرق القواعد": أن يتحول كسر القاعدة من استثناء إلى طريقة عمل. أن تصبح "السابقة" أداةً متعمدة لصنع مستقبل مختلف، لا حادثًا طارئًا يُخجل الدول. وحين تدخل السياسة الدولية هذا الطور، تزداد هشاشة الدول التي تعيش استقطابا داخليا، لأن كل شقّ داخلي يتحول إلى منفذ خارجي.
المأساة الحقيقية أن فنزويلا تدفع اليوم ثمن التحول الجيوسياسي بين الاعبين الكبار في سباق دولي نحو اقتسام ثروة العالم عبر القوة. حين تتقاطع هذه الخطوط، يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ليس من سيحكم غدًا كاراكاس؟ بل هل تستطيع فنزويلا أن تستعيد فكرة الدولة كمساحة مشتركة لا كغنيمة أمريكية؟ وهل يمكن أن تُبنى تسوية لا تقوم على إلغاء نصف المجتمع ولا على استدعاء الخارج كحَكَم دائم؟
تبدو فنزويلا في النهاية مرآة لعصرٍ جديد: عصرٍ تتقلص فيه المسافة بين القانون والقوة، بين الاقتصاد والسيادة، بين الشرعية والتسلط. عصرٍ تتشكل خرائطه في لحظات صدمة، ثم يُطلب من البشر أن يعيشوا داخلها وكأنها كانت قدرا طبيعيا منذ البداية.
لقد صحت النبوءة المشرقة للباحث المستقبلي الأمريكي هاري جونستون، "إذا كنا قد شهدنا، باحتفالية صاخبة، نهاية التاريخ، فعلينا الآن أن نُعد لقداس جنائزي آخر: إن الجغرافيات تدنو من النهاية"، إن العالم يسير نحو تحولات جذرية تشبه تلك الانتقالات التي تمس خرائط التفكير وبنيات المفاهيم والتصورات والأكثر صدامية هو تحول الجغرافيات التي اعتدنا رسمها باطمئنان لسفننا ورحلاتنا وتبدلاتنا وانتقالاتنا وأحلامنا، إن القرن الواحد والعشرين يسر نحو التشرنق القنفوذي بدل الانفتاح الكوني، وبقدر ما غدا العالم قرية صغيرة بسبب التكنولوجيا الحديثة تندفع القوميات لتطل برأسها، دون أن يعود للأسئلة الكبرى مكان وللمؤسسات الوسيطة وللمنظمات الأممية أي دور.