يشكّل إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة على رأس التجمع الوطني للأحرار مناسبةً لتحليل سياسي يتجاوز الأشخاص والظرفيات الآنية، ليلامس سؤالًا بنيويًا في الحياة الحزبية المغربية: كيف تتعامل الأحزاب مع لحظات الانتقال القيادي؟
وتتضاعف أهمية هذا السؤال، ليس فقط من زاوية احترام قاعدة الولايتين، بل من زاوية توقيت الإعلان وآثاره المحتملة على التماسك الداخلي ورسالة الحزب في أفق الاستحقاقات المقبلة.
فقرار عدم الترشح يحمل دلالة مؤسساتية واضحة، لكونه يعكس احترام المدة المحددة في ولايتين بدل السعي إلى التمديد. غير أن النقاش السياسي لا ينصب على هذا المبدأ في حد ذاته، بقدر ما ينصب على توقيت الإعلان وما قد ينتج عنه من آثار. فالإعلان المبكر قد يُقرأ بوصفه رغبة في فتح أفق الانتقال وتفادي المفاجآت، لكنه قد يُنتج في المقابل مرحلة انتظار رمادية، في سياق يقترب فيه الأفق الانتخابي وتحتاج فيه الأحزاب عادةً إلى وضوح الرسالة وتماسك القيادة. ومن هنا، يصبح الانتقال القيادي اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لمتانة التنظيم، واختبارًا لقدرة الحزب على الحفاظ على الثقة والمعنى السياسيين خلال مرحلة التحول.
أولاً: الفراغ الوجداني ومطلب الاستمرارية إذا كان توقيت الإعلان قد فتح النقاش حول شروط الانتقال، فإن أول ما يبرز في الواجهة هو سؤال الاستمرارية: من يجسّدها؟ وكيف تُعاد إنتاج الثقة في مرحلة انتقالية؟
في حزب لعبت فيه القيادة دورًا مركزيًا في تجميع التوازنات وإعادة إنتاج الثقة، فإن الانتقال لا يطرح فقط مسألة الخلافة التنظيمية، بل يثير فراغًا وجدانيًا يتمثل في تراجع مركز رمزي كان يؤمّن الإحساس بالاستقرار والوضوح.
ولا يكون هذا الفراغ قاتلًا بالضرورة، لكنه قد يتحول إلى عامل هشاشة إذا لم يُستثمر لإعادة بناء سردية سياسية جماعية تنقل مركز الثقل من الرمز إلى المشروع، ومن الثقة الشخصية إلى الثقة السياسية المستدامة.
ثانيًا: إعادة البناء – من التنظيم إلى إعادة إنتاج الثقة
لفهم هذا الفراغ وحدوده، لا بد من العودة إلى مسار إعادة البناء الذي عرفه التجمع الوطني للأحرار خلال السنوات الماضية. فقد شهد الحزب عملية إعادة هيكلة تنظيمية وسياسية واضحة، شملت تحديث الهياكل، وتوسيع القاعدة الانتخابية، وتوحيد الخطاب حول مفاهيم النجاعة والاستقرار، ما أسهم في تعزيز حضوره وترسيخ صورته كفاعل قادر على تدبير الشأن العام.
غير أن هذه العملية لم تكن تقنيةً محضة، بل اقترنت بإعادة إنتاج الثقة السياسية داخل الحزب وفي محيطه. فإلى جانب التنظيم والبرامج، أدّت القيادة دورًا في توفير عنصر الاستمرارية والطمأنينة في سياق سياسي يتسم بالحذر وتقلب المزاج الانتخابي.
ثالثًا: القيادة كوسيط وجداني في العلاقة مع الناخب
ضمن هذا السياق، لم تكن القيادة مجرد موقع تنظيمي، بل أدّت وظيفة وسيط وجداني بين الحزب وقطاع من الناخبين. فقد ارتكز جزء من الدعم الانتخابي على الإحساس بالاستقرار، وصورة الفعالية، وضمان الاستمرارية، أكثر مما ارتكز على نقاش برنامجي تفصيلي.
وبذلك، يمكن القول إن جزءًا من التصويت كان تصويت ثقة في مسار مجسَّد. ويُعدّ هذا النمط من العلاقة السياسية معروفًا في علم السياسة، خصوصًا داخل أحزاب تعرف تحولات تنظيمية وسياسية متسارعة في أنظمة حزبية ضعيفة التأطير الإيديولوجي، حيث تلعب الرمزية الوظيفية للقيادة دورًا مفصليًا في تشكيل السلوك الانتخابي.
رابعًا: تدبير الاختلاف – من التنافس المُعلن إلى التوافقات
إلى جانب ذلك، تؤثر طبيعة تدبير الاختلاف داخل الحزب مباشرةً في سرعة إنتاج الإجماع عند الانتقال القيادي. ففي حالة التجمع الوطني للأحرار، لا تظهر الخلافات الداخلية عادةً في صورة تنافس تيارات مُعلَن؛ إذ تُدار التوازنات في الغالب عبر منطق التعبئة السياسية عبر الرأسمال الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل جزءًا من الاختلاف يُعالَج عبر ترتيبات توافقية أكثر منه عبر منافسة داخلية مفتوحة.
يوفّر هذا النمط قدرًا من الاستقرار التنظيمي، غير أنه يجعل لحظات الانتقال أكثر حساسية، لأن إنتاج الإجماع يصبح مرتبطًا بوجود شخصية جامعة، أكثر من ارتباطه بآليات تنافس مؤسساتية مستقرة.
خامسًا: عندما تتحول السياسة إلى تقنية
من السمات البارزة في الخطاب العام للحزب ميلُه إلى تقديم عدد من القضايا السياسية والاجتماعية في صورة مشاكل تقنية يُفترض أن تتوفر حلولها لدى الخبراء والتدبير العمومي. وقد أثبت هذا المنحى فعاليته في فترات يغلب فيها الطلب على الاستقرار والنجاعة وسرعة الإنجاز.
غير أن هذا الاختيار يظل محدود الأفق سياسيًا، لأن القضايا الاجتماعية، حين تتراكم، لا تُطرح فقط بوصفها مشاكل تقنية، بل باعتبارها اختيارات سياسية تمس العدالة وتوزيع الأعباء والمعنى الجماعي. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الحاجة إلى خطاب سياسي مُقنع وقادر على إنتاج المعنى أكثر إلحاحًا من الاكتفاء بحلول إجرائية.
سابعًا: معضلة الخلافة وشرط "الشخصية المُؤلِّفة"
تتجمع مختلف هذه العناصر في سؤال الخلافة. فالصعوبة لا تتعلق باختيار اسم بعينه، بل بالبحث عن شخصية مُؤلِّفة (Fédérateur) قادرة على جمع مختلف مكونات الحزب، وضبط التوازنات الداخلية دون صدام، والجمع بين الكفاءة التدبيرية والقدرة على التواصل السياسي، مع الحفاظ على صورة الجدية والثقة لدى الرأي العام.
وفي غياب مثل هذه الشخصية، قد يتحول الانتقال القيادي إلى مصدر ارتباك تنظيمي وسياسي، بدل أن يشكّل فرصة لإعادة التأسيس والتجديد.
خاتمة
الخلافة ليست مسألة أسماء بقدر ما هي اختبار لقدرة الحزب على الجمع والتأليف وإعادة إنتاج الثقة.
تكشف هذه المرحلة أن نضج الأحزاب لا يُقاس فقط بقدرتها على الفوز في الاستحقاقات، بل بقدرتها على تحويل لحظات الانتقال القيادي إلى لحظات معنى سياسي.
فإذا كان مسار إعادة بناء التجمع الوطني للأحرار قد ارتبط بقيادة وفّرت الاستقرار والتنظيم، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في نقل هذا الرصيد من مستوى الرمز إلى مستوى المشروع، ومن الثقة الشخصية إلى الثقة السياسية المستدامة.
وسيحدد النجاح في هذا الانتقال ليس فقط مستقبل الحزب، بل جزءًا من ملامح العلاقة بين الأحزاب والناخب في المرحلة المقبلة.
*يحي الصغيري: أستاذ الجغرافية السياسية وعلم الاجتماع السياسي