ليس كل ما يُكتب أدبا، وليس كل من يحضر المشهد الثقافي شاهدا عليه. ثمّة لحظة يخرج فيها المرء من دائرة الانبهار الأولى، ويقف كما وقف هولدن كولفيلد (*) على مسافة من المشهد، لا بدافع التعالي، بل بدافع الاشمئزاز المعرفي؛ ذاك الشعور الذي لا يولد إلا حين تتراكم القراءة، وتتكوّن الذائقة، ويصير الزيف فاضحا إلى حدّ لا يُحتمل. إنها لحظة وعي قاسية، يدرك فيها القارئ والكاتب معا أن ما يُقدَّم له بوصفه أدبا، ليس سوى محاكاة باهتة لفعل إبداعي فقد روحه. ما نعاينه اليوم في بعض الأوساط الثقافية ليس أزمة مواهب فحسب، بل أزمة ضرورة. أدب يُكتب بلا حاجة داخلية، بلا قلق، بلا مخاطرة، بلا توتّر وجودي أو معرفي. نصوص أشبه بإنشاء لغوي ميت، تُنتَج لا لأن الكاتب لا يستطيع إلا أن يكتب، بل لأنه يريد أن يُرى، أن يُذكر اسمه، أن يُصفّق له حتى لو لم يُقرأ، وحتى لو لم يُساءَل. الكتابة هنا لا تنبع من تجربة، ولا من احتكاك بالحياة أو باللغة، بل من رغبة في الحضور، وفي تثبيت الاسم داخل مشهد يعوّض ضعف المعنى بكثرة الظهور. والأخطر من ذلك، أن هذا الأدب يجد من يشرعنه. نقد بلا قراءة، وأوراق نقدية صالحة لكل نص، لا يتغيّر فيها سوى اسم الكاتب وعنوان الكتاب. نقد لا ينطلق من تجربة جمالية حقيقية، ولا من مساءلة معرفية دقيقة، بل من واجب اجتماعي يُؤدّى كما تؤدّى المجاملات: نكتب لأننا مدعوون، نمدح لأننا ننتظر مدحا مقابلا، نحضر لأن الغياب قد يُحسب موقفا غير مرغوب فيه. وهكذا يتحوّل الفعل الثقافي إلى طقس فارغ، وتصير الملتقيات فضاءات حضور لا فضاءات فكر، ويغدو التصفيق واجبا اجتماعيا لا استجابة جمالية، ويُقاس «النجاح» بعدد الصور، لا بعمق الأسئلة. وفي هذا المناخ، تتشكّل ظواهر أكثر هشاشة، لكنها أكثر دلالة على عمق الأزمة. أدباء يراقبون بصمت: هل اشترى فلان كتابي أم لا؟ ولماذا لم يشتره؟ وهل سيُحسب هذا الموقف لاحقا حين تُقاس المجاملات بالمثل؟ تتحوّل الكتابة هنا من فعل إبداعي إلى حسابات خفيّة، ومن علاقة طبيعية بالقارئ إلى علاقة رقابية بالزملاء. كتاب يُقتنى لا بدافع الرغبة في قراءته، بل بوصفه إشارة حسن نية، أو عربون حضور، أو التزاما غير مكتوب داخل شبكة تبادل رمزي هشّ. في مثل هذا السياق، يفقد الكتاب معناه بوصفه تجربة معرفية وجمالية، ويغدو سلعة علاقات، ويفقد الكاتب بدوره تلك المسافة الضرورية بين نصّه ونصوص الآخرين؛ المسافة التي تضمن الحرية، وتمنع تلوّث الذائقة بالمجاملة. في هذا الوسط، لا يُطرح السؤال الجمالي لأنه مُقلق. بل يُدفع إلى الهامش عمدا، لأن طرحه يكشف الفوارق الحقيقية: بين من يملك ذخيرة معرفية، وتجربة قرائية، وحس إبداعي، أو نقدي، ومن يملك شبكة علاقات فقط. بين من يكتب ليقول شيئا، ومن يكتب كي يبقى داخل الدائرة. هنا بالضبط تتجلّى الأزمة الأعمق: غياب الشخصية الثقافية. لسنا نفتقد الكاتب، ولا الناقد، ولا المنظّم. نفتقد المبدع المثقف. تلك الشخصية المركّبة التي لا تختزل نفسها في كتاب واحد، ولا في صورة ملتقى، ولا في سيرة ذاتية حافلة بالمشاركات. المبدع المثقف هو ذاك الذي يعيش توترا دائما بين الإبداع والمعرفة، والحياة. يعرف أن الإبداع بلا معرفة يتحوّل إلى ثرثرة، وأن الثقافة بلا حسّ جمالي تصبح جردا ميتا. يعرف متى يكتب، ومتى يصمت، ومتى يترك نصّه يشتبك مع الواقع دون أن يبتذله أو يسطّحه. إنها شخصية لا تشبه المشهد السائد، ولهذا يُقصيها المشهد بهدوء، أو يهمّشها، أو يتركها خارج دوائر التصفيق. ولعلّ هذا ما يجعل استحضار شخصية مثل هولدن كولفيلد ضروريا هنا، لا بوصفه بطل رواية، بل بوصفه موقفا معرفيا وأخلاقيا. هولدن لم يكن ساخطا لأن العالم فاسد وحسب، بل لأنه كان يرى الزيف متقمّصا هيئة البراءة. كان يقف خارج الدائرة، لا لأنه أفضل، بل لأنه لم يستطع التكيّف مع الرداءة حين تُقدَّم على أنها معيار، ولا مع التفاهة حين تُلبَس لباس العمق. الوقوف خارج الوسط الثقافي، في مثل هذه اللحظة، ليس انسحابا، بل موقفا أخلاقيا وجماليا. إنه رفض لأن تتحوّل الكتابة إلى عمل علاقات عامة، ولأن يصبح النقد ديكورا لغويا، ولأن تُفرغ الثقافة من بعدها الأخطر: قدرتها على الإزعاج، وعلى طرح الأسئلة غير المريحة. إن أخطر ما يصيب أي مشهد ثقافي، ليس ضعف الإنتاج، بل الرضا بالرداءة. فالرداءة حين تُطمأن، تُنتج نظاما كاملا يحميها، ويكافئها، ويقصي كل من يذكّر بأن الأدب كان يوما ضرورة وجودية، لا زينة اجتماعية. لذلك، فإن الغضب من هذا المشهد ليس انفعالا عابرا، بل علامة صحة. علامة على أن الذائقة ما تزال حيّة، وأن السؤال الجمالي لم يُدفن بعد تحت ركام المجاملات. قد لا يكون الحل في الازدراء، ولا في كثرة الحضور، ولا حتى في المواجهة المباشرة. أحيانا، يكون الحل في كتابة أنظف، أصدق، وأكثر قسوة جماليا. كتابة لا تطلب التصفيق، ولا تنتظر الاعتراف، ولا تخشى أن تبقى وحيدة قليلا، لأنها تعرف أن الأدب الحقيقي لا يولد في القاعات المزدحمة، بل في تلك المسافة الحرجة بين المعرفة والاشمئزاز؛ بين الحب والرفض، بين الرغبة في الانتماء، والقدرة على الوقوف خارج الحقل، ومراقبته بوعي. (*) هولدن كولفيلد: الراوي ف ي رواية الحارس في حقل الشوفان، للكاتب الأمريكي، جيروم ديفيد سالينجر