كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" في تحقيق حصري لها، تفاصيل وحيثيات توجه الرئيس دونالد ترامب إلى شن حربه ضد إيران، والتي وصلت ذروتها بالتهديد بمحو الحضارة الإيرانية ليلة الثلاثاء، قبل أن يتراجع ويوافق على الهدنة مع إيران.
وأكدت الصحيفة الأمريكية، على العامل الذي لعبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إقناع الرئيس، مشيرة إلى زيارة الأخير إلى البيت الأبيض قبل الساعة الحادية عشرة صباحا من يوم 11 فبراير الجاري.
وقد تم إدخال نتنياهو، وفق الصحيفة، دون مراسم رسمية وبعيدا عن أنظار الصحافيين، حيث اجتمع المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون أولا في قاعة مجلس الوزراء، المجاورة للمكتب البيضاوي. ثم توجه نتنياهو إلى الطابق السفلي لحضور الحدث الرئيسي: عرض سري للغاية حول إيران للرئيس ترامب وفريقه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، التي نادرا ما تستخدم لعقد اجتماعات مباشرة مع قادة أجانب.
وتابعت أن ترامب لم يجلس في مكانه المعتاد على رأس طاولة الاجتماعات المصنوعة من خشب الهاغوني، بل على أحد الجانبين، مواجها الشاشات الكبيرة المثبتة على طول الجدار. وجلس نتنياهو على الجانب الآخر، مقابل الرئيس مباشرة. وكان خلفه ديفيد بارنيع، مدير الموساد، بالإضافة إلى مسؤولين عسكريين إسرائيليين. وقد شكل اصطفافهم خلف نتنياهو صورة قائد حرب محاط بفريقه.
ومن الجانب الأمريكي حضرت سوزي وايلز، مديرة طاقم البيت الأبيض، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، إلى جانب مدير "سي آي إيه" جون راتكليف، وجارد كوشنر، وستيف ويتكوف، مبعوثي ترامب للمحادثات مع إيران.
وكان العرض الذي سيقدمه نتنياهو خلال الساعة التالية حاسما في دفع الولاياتالمتحدة وإسرائيل نحو صراع مسلح كبير في قلب إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابا، وأدى ذلك إلى سلسلة من المناقشات داخل البيت الأبيض على مدى الأيام والأسابيع اللاحقة، التي لم تنشر تفاصيلها سابقا، حيث درس ترامب خياراته ومخاطرها قبل إعطاء الضوء الأخضر للانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران.
ويكشف تقرير "نيويورك تايمز" مدى التوافق، وعلى مدى الشهور الماضية، بين التفكير المتشدد لترامب ولنتنياهو. وقد شكلت علاقتهما الوثيقة سمة بارزة خلال إدارتين رئاسيتين، وأثارت هذه الديناميكية، رغم ما شابها من توترات أحيانا، انتقادات حادة وشكوكا عميقة لدى كل من اليسار واليمين في السياسة الأمريكية.
وفي غرفة الوضع، بذل نتنياهو، حسب الصحيفة، في 11 فبراير جهدا كبيرا لإقناع ترامب، مؤكدا أن إيران في وضع يسمح بتغيير النظام فيها، ومعربا عن اعتقاده بأن مهمة أمريكية إسرائيلية مشتركة تستطيع إنجاز مهمة تدمير الجمهورية الإسلامية.
وفي واحدة من لحظات العرض، قدم نتنياهو لترامب مقطع فيديو قصيرا تضمن مجموعة من صور القادة الجدد المحتملين الذين يمكنهم تولي زمام الأمور في البلاد في حال سقوط الحكومة المتشددة. وكان من بين هؤلاء رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير المنفي والمقيم حاليا في واشنطن. وعرض نتنياهو وفريقه ظروفا إيرانية قدموها على أنها مؤشرات لتحقيق نصر تام، مثل: إمكانية تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني في غضون أسابيع قليلة، مما يضعف النظام لدرجة تمنعه من إغلاق مضيق هرمز. واستبعد نتنياهو وفريقه احتمال توجيه إيران ضربات ضد المصالح الأمريكية في الدول المجاورة، وقالوا إن الفرص ضئيلة.
وقدم نتنياهو تقديرات قامت على معلومات جمعها الموساد بأن الاحتجاجات الشعبية داخل إيران ستعود مجددا. وأكد الجانب الإسرائيلي أنه، وبدعم من الموساد الذي يسهم في تأجيج أعمال الشغب والتمرد، فإن الظروف ستكون تامة للمعارضة الإيرانية للإطاحة بالنظام، وبدعم حملة قصف جوية.
كما أثار الإسرائيليون احتمال عبور المقاتلين الأكراد الإيرانيين الحدود من العراق لفتح جبهة برية في الشمال الغربي، ما يزيد من الضغط على قوات النظام ويعجل من انهياره.
وقالت الصحيفة إن نتنياهو قدم عرضه بلهجة واثقة ونبرة رتيبة، ولاقى عرضه استحسانا من أهم شخصية في القاعة، الرئيس الأمريكي. وقال ترامب: "يبدو الأمر جيدا لي"، وأخذ نتنياهو رده على أنه ضوء أخضر لعملية أمريكية-إسرائيلية مشتركة.
ولم يكن نتنياهو الوحيد الذي خرج من الاجتماع بانطباع أن ترامب قد حسم أمره تقريبا. فقد لاحظ مستشارو الرئيس أنه كان متأثرا بشدة بما يمكن أن تقدمه أجهزة نتنياهو العسكرية والاستخباراتية، تماما كما كان الحال عندما تحدث الرجلان قبل حرب يونيو 2025. وقد حاول نتنياهو تركيز أذهان الأمريكيين في زيارته تلك على التهديد الوجودي الذي يمثله المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاما. وعندما سأل آخرون في الغرفة رئيس الوزراء عن المخاطر المحتملة للعملية، أقر نتنياهو بوجودها، لكنه ركز على نقطة أساسية واحدة: من وجهة نظره، مخاطر التقاعس أكبر من مخاطر العمل. وأكد أن ثمن العمل سيزداد إذا ما تأخرت الضربة، مما يتيح لإيران مزيدا من الوقت لتسريع إنتاج صواريخها وإنشاء درع منيع حول برنامجها النووي.
وكان عرض نتنياهو بمثابة جهد جديد، وعمل ليلي طارئ لأجهزة المخابرات الأمريكية للتأكد من صحة محتواه. وفي اليوم التالي، 12 فبراير، عرضت نتائج تحليل الاستخبارات الأمريكية في اجتماع آخر اقتصر على المسؤولين الأمريكيين في غرفة الوضع.
ولدى مسؤولي الاستخبارات خبرة واسعة في القدرات العسكرية الإيرانية، وعلى دراية تامة بالنظام الإيراني وعناصره الفاعلة. وقد قاموا بتقسيم عرض نتنياهو إلى أربعة أجزاء. أولها: اغتيال المرشد الأعلى. وثانيها: إضعاف قدرة إيران على بسط نفوذها وتهديد جيرانها. وثالثها: انتفاضة شعبية داخل إيران. ورابعها: تغيير النظام، وتنصيب زعيم علماني لحكم البلاد. وخلص المسؤولون الأمريكيون إلى أن الهدفين الأولين قابلان للتحقيق بالاستخبارات والقوة العسكرية الأمريكية. ورأوا أن الجزءين الثالث والرابع من عرض نتنياهو، اللذين تضمنا احتمال قيام الأكراد بغزو بري لإيران، منفصلان عن الواقع.
وعندما انضم ترامب إلى الاجتماع، أطلعه راتكليف على هذا التقييم. ووصف مدير "سي آي إيه" سيناريوهات رئيس الوزراء الإسرائيلي لتغيير النظام بكلمة واحدة: "مهزلة". وعند هذه النقطة، علق روبيو: "بعبارات أخرى، هراء". وأضاف راتكليف أنه بالنظر إلى عدم القدرة على التنبؤ بالأحداث في أي نزاع، فإن تغيير النظام ممكن، لكن لا ينبغي اعتباره هدفا قابلا للتحقيق. وتدخل آخرون، من بينهم فانس، العائد لتوه من أذربيجان، والذي أبدى بدوره شكوكا قوية بشأن احتمالية تغيير النظام. وعندها التفت الرئيس إلى الجنرال كين وسأله: "جنرال، ما رأيك؟"، فأجاب: "سيدي، هذا، بحسب خبرتي، إجراء تشغيلي معتاد لدى الإسرائيليين. إنهم يبالغون في وعودهم، وخططهم ليست دائما مدروسة جيدا، إنهم يعلمون أنهم بحاجة إلينا، ولهذا السبب يبذلون قصارى جهدهم في الترويج لأنفسهم".
وسرعان ما استوعب ترامب هذا التقييم. وقال إن تغيير النظام سيكون "مشكلتهم". ولم يتضح ما إذا كان يشير إلى الإسرائيليين أم إلى الشعب الإيراني. لكن الخلاصة هي أن قراره بشأن خوض الحرب ضد إيران لن يتوقف على مدى إمكانية تحقيق الجزأين الثالث والرابع من عرض نتنياهو. فقد بدا أن ترامب لا يزال مهتما بإنجاز الجزأين الأول والثاني: اغتيال آية الله وكبار قادة إيران وتفكيك الجيش الإيراني.
ومع ذلك، أبدى كين حذرا في عرض آرائه للرئيس. وبينما كان فريق المستشارين الصغير المطلع على الخطط يتداول خلال الأيام التالية، شارك الجنرال كين مع ترامب وآخرين التقييم العسكري المقلق بأن حملة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران ستستنزف بشكل كبير مخزون الأسلحة الأمريكية، بما في ذلك صواريخ الاعترلاض، التي قل مخزونها بعد سنوات من دعم أوكرانيا وإسرائيل. ولم يكن لدى الجنرال كين طرق سريعة لتجديد هذا المخزون.
كما أشار كين إلى الصعوبة البالغة لتأمين مضيق هرمز، ومخاطر إغلاقه من قبل إيران. وكان ترامب قد استبعد هذا الاحتمال انطلاقا من افتراضه أن النظام سيستسلم قبل الوصول إلى هذه المرحلة. وبدا أن الرئيس كان يعتقد أنها مجرد حرب خاطفة.
ومن بين الدائرة المقربة لترامب، لم يكن أحد أكثر قلقا من احتمال نشوب حرب مع إيران، أو بذل جهدا أكبر لمنعها، من نائب الرئيس. فقد بنى فانس مسيرته السياسية على معارضة هذا النوع من المغامرات العسكرية، الذي كان ينظر إليه بجدية آنذاك. ووصف الحرب مع إيران بأنها "استنزاف هائل للموارد" و"مكلفة للغاية".
وحذر فانس، بمعية زملائه، ترامب من أن الحرب ضد إيران قد تسبب فوضى إقليمية وخسائر بشرية فادحة. كما أنها قد تؤدي إلى تفكك التحالف السياسي لترامب، وسينظر إليها العديد من الناخبين الذين صدقوا وعد عدم خوض حروب جديدة على أنها خيانة. وحذر من أثر الحرب على مخزون الذخيرة الأمريكية، وأخبر نائب الرئيس المقربين منه أنه مهما بلغت الخبرة العسكرية، فلا يمكن التنبؤ بدقة برد فعل إيران عندما يكون بقاء النظام على المحك. وفوق كل هذا، ربما كان الخطر الأكبر هو أن إيران كانت تتمتع بالأفضلية فيما يتعلق بمضيق هرمز.