أزمة «نظام الفوترة الإلكترونية» وصلات للبرلمان    أخنوش يبرز في برلين إمكانات رقمنة الفلاحة المغربية    واتساب تقلل عدد مستقبلي "الرسائل المعاد توجيهها" لمحاربة الشائعات    تحطم طائرة عسكرية مغربية بتاونات .. والجيش يكشف تفاصيل الحادث من طراز "ميراج إف 1"    قرعة بطولة الكاف (دور المجموعات).. ثلاثة أندية مغربية في المجموعة الأولى    الدوري المغربي يتصدر عربيا ويتقدم عالميا    رسميا.. الجيش الملكي يعلن اسم مدربه الجديد    تأجيل ملف الدركيين أمام غرفة جرائم الأموال بالرباط    معهد باستور يوضح حقيقة نفاذ لقاح داء السعار    التغيرات المناخية ترفع مخاطر تفشي الأمراض والأوبئة في أفريقيا    بنكيران وأعطية السلطان    برشلونة يعلن رسميا مدة غياب عثمان ديمبيلي    الوداد ينهزم أمام صان داونز    مجموعة الحديد والنار تجمع أبناء الدار    رسمياً.. ليجانيس يتقدم بشكوى ضد هدف سواريز    البوليساريو.. ألاماني الكاذبة وتبديد الملايير    وزير الصحة الجيبوتي يشيد بالتزامالملك محمد السادس بالنهوض بالتنمية البشرية في إفريقيا    تطوان تحتضن دورة تكوينية في مجال "الكوديكولوجيا وعلم التحقيق"    النيابة العامة تأمر باعتقال صحافي الجزيرة أحمد منصور    مكتب الصيد.. هذا حجم منتوجات الصيد الساحلي والتقليدي خلال سنة 2018    وفاة أكبر معمر في العالم    منظمة: فرص الشغل والخدمات الأساسية أصبحت من الترف بالمملكة    حسن أوريد يدعو من الناظور إلى ثورة ثقافية بالمغرب    بعد غديري .. بن فليس يعلن نيته خوض السباق الرئاسي في الجزائر    سقوط قتلى في هجوم عسكري إسرائيلي على سوريا    مشاكل ميكانيكية تتسبب في رجوع أزيد من 9300 سيارة    ما هي خيارات بريطانيا للبريكسيت؟    الكلاب الضالة تنشر الرعب بدمنات .. ومسؤول: القضاء عليها صعب تضاعفت أعدادها خلال الأشهر الأخيرة    اعتقال دركي ابتز ضحاياه ليلا بمعية خليلته    حقير تكرفس جنسيا على بناتو القاصرات. وحدة منهم تزوجات غير باش تهرب من جحيم الاغتصاب اليومي    فلاشات اقتصادية    لحليمي يقدم وصفته لتجاوز أعطاب النموذج التنموي : مقوماتها الديمقراطية التشاركية والوطنية الاقتصادية والتخطيط الاستراتيجي    محمد الأعرج يبرز الدور الكبير الذي يضطلع به المسرح الوطني محمد الخامس    الملتقى الجهوي الرابع للسياسات الثقافية المحلية ينعقد بمدينة طاطا    عبد الله بن اهنية يناقش مسألة» إصلاح التعليم» في كتاب    إسماعيل غزالي يقضي «ثلاثة أيام في كازابلانكا»    على غرار مجموعة من المناطق بالعالم .. خسوف كلي للقمر بالرشيدية + صور    عاجل: قرعة “الكاف” توقع الفرق المغربية في مجموعة واحدة    تراجع التبعية الطاقية للمغرب من 98 ٪ إلى نحو 93.9٪ : المغرب يسعى لإنتاج 42% من طاقته انطلاقا من مصادر متجددة في 2020    الحمام يتسبب في مقتل شخصين    «رحلة حزن متعبة»    طقس بداية الأسبوع: أمطار وثلوج في معظم مناطق المملكة    تمارة.. تحديد مكان تواجد فتاتين قاصرتين كانتا موضوع تصريح بالاختفاء    فيسبوك تختبر تطبيقًا جديدًا يستهدف المراهقين باسم LOL …    بيروت.. بوريطة يجري لقاءات مكثفة على هامش القمة التنموية العربية الاقتصادية والاجتماعية    ميلاد المركز الوطني للإعلام و حقوق الإنسان    “آبل” تعلن عن جديدها وهذا موعد طرحه في الأسواق    الدخول في الصلاة، دخول على الله    حكاية "دار الطّير" بمدينة تطوان    غرامات تنتظر المتأخرين عن أداء ضريبة السيارات    اليونيسكو تصنف الاستاذ عبد الواحد الراضي ثراثا برلمانيا عالميا    شرطة إسرائيل تستخدم كاميرات في زيها الرسمي    رئيس جماعة العرائش يؤشر بالنيابة عن وزير الداخلية    دراسة:هذا الزيت أفضل من الفياغرا !    علماء روس يختبرون طريقة جديدة لعلاج سرطان الدماغ    إفك العدالة والتنمية.. من المرجعية الإسلامية إلى الحربائية العلنية    قضية “العنف” في قصة موسى عليه الصلاة و السلام    بولوز يكتب: لماذا يُظلم الخطباء والوعاظ في بلاد أمير المومنين؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ديوان «أحمري يبتلعه السواد » للشاعر نزار كربوط : شعرية الأثر الرائي

صدر حديثا للشاعر المغربي نزار كربوط ديوانه الشعري الثاني بعنوان «أحمري يبتلعه السواد« عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بالأدرن . ويمتد هذا الإصدار على مدار مئة وثلاثة عشرة صفحة من الحجم المتوسط ، محتويا على تسعة عشر نصا شعريا . من عناوينه نذكر تمثيلا : شموس أيلول ، أحزان تتساقط في داخلي ، ألم صديق ، تفاصيل صغيرة ، بائع الزهور ، موسم الحصاد ، بين الفاكهة..أحكي للجدار . بإمكان هذه العناوين الفرعية أن تمنحك فكرة أولية عن أجواء وعوالم الديوان . كون الأمر يتعلق بإدارة التفاصيل الصغيرة عبر عين الشاعر. ذاك أن هذه الأخيرة على اشتعال داخلي ، يجعلها تمتص الأشياء ، وتعيدها عبر حلل أخرى تنضح بقيم موحية بين طبقات العمق والمجلى اليومي والإنساني . كما أن العنوان الأم (أحمري يبتلعه السواد ) للمجموعة يبرز مفاصل ثنائية : الأحمر السواد ، والتي تتغذى على مساحات أكبر في الواقع والفكر . هنا الأحمر يشير على متكأ قصيدة داخل الديوان إلى الأحمر من داخل الأنا ؛ أي الذي يرشح وينوء تحت وطء الليل . بهذا يفتح أمامنا العنوان المخصوص بالغلاف الموازي آفاق البحث عن امتداداته في النصوص التي تقطر دما ومطرا وورودا، تبعا لتنوع مقامات القصائد وسياقاتها التداولية.
قلق «أحمري يبتلعه السواد»
أتصور القصيدة مع الشاعر نزار كربوط ، بمثابة ساعة ملازمة ، لها سيرها الخاص ؛ أو مرآة صغيرة تمتص الأشياء وبالأخص الحالات والهواجس ، وتعيدها مهندسة العمق . بهذا قدمت الأنا المتكلمة في النصوص مسارات الذات المنغمسة تأملا في التفاصيل . وهي بذلك تداري التشابك ، بتشخيص الحالة وتحويلها في القصيدة ضمن غنائية متشظية ونفس درامي ملازم . نقرأ في قصيدة « انهيار « من الديوان:
تجمعين تفاصيل وجهي
في جيب المعطف
وتسافرين مع الصمت
نكاية بالقصيدة.
الذات هنا تبحث عن قيمها ، وبالتالي قلب وظائف الأشياء ؛ لأن هذه الذات لا تجد نفسها إلا خارج النظافة المحروسة والضوابط القاتلة . كأن القصيدة في مواجهة دائمة ولو من خلال النقط الصغيرةالحميمية ( المقهى، الغرفة، الجيوب...) مع النمط والأنساق . ولأن هذه الملاذات على حميمية عميقة وعلى اتساع . فالأمر يقتضي بلاغات شعرية مركزة كومضات إشارية . نقرأ من أجواء الديوان في قصيدة بعنوان « بائع الزهور»:
تابعت السير
باتجاه بائع الزهور
بدا لي قلقا
قلت له» ما بك ؟ «
قال لي : « تركني ظلي وحيدا ورحل « .
يغلب ظني ، أن قصائد اللحظات المكتنزة ، لا تقتضي تأطير ثيماتها . فهي وحدة موضوع وفكر؛ فالشاعر يكتب ما ينطبع كأثر على الوجدان والفكر والمخيلة أيضا. وبالتالي يظهر هنا ، أن الذات على قلق شعري موجه بحس رؤيوي ، يتوق إلى الانفلات والانتصار للقيم الامتدادات .
قوالب شعرية
جدير بالذكر أن الشاعر كربوط أصدر ديوان شعر أول موسوم ب» ورق عاشق» خطا بموجبه خطوات على أرض القصيدة . وهو الآن يبدو أكثر حكمة شعريا ، كأنه يطبخ قصائده على نار هادئة . وأتوقف هنا بعد هذا الرصد على بعض التقنيات الشعرية البارزة ، منها :
التوتر اللغوي: ويتولد بالأساس من شحنة شعرية تقلب الوظائف التركيبية والتداولية المألوفة. ويظهر الخرق اللغوي على مستويات عدة (لغوية، نفسية تداولية..) . فالقصيدة من طبيعة سننها خلق مخاطب داخلي. ويمثل هنا في أغلب القصائد ، ذاك أن الذات مهووسة بظلها الملازم الماثل في امرأة ما من خلال لوازم الخطاب ، لكنها تتلون ، وتغدو مثالا مفارقا ، تبحث فيه الذات عن امتدادها وتوحدها .كما يمكن إبراز الفاعلية النفسية في بناء صور شعرية تنطلق في مدخلاتها من تفاصيل صغيرة، لكن توغل بها في بركة شعرية صالحة للسباحة بالمعنى العميق للكلمة ؛ أو للحركات العميقة .
الأنسنة : وينطرح ذلك في القصيدة بصفاتها التي تسقطها على الأشياء القريبة: الفنجان يغدو آخر حين تسبح فيه امرأة ، وأوراق الخريف تغدو زرقاء. ولكن ينبغي التنصيص هنا أنها أنسنة في صميم اليومي . فإذا كان الشاعر الرومانسي يذهب بالواقع إلى الطبيعة لتغدو ملاذا ؛ فالشاعر هنا يأتي بعناصر الطبيعة للواقع لتعميق مفردات حياة وتأثيث حالات ورغبات ، لتبدو ثرة وندية داخل سياق شعري له خصائص بنائه الدلالي والتخييلي والرؤيوي أيضا.
الغنائية : تبدو الأنا المتكلة في القصائد ، محور الحالات والتحركات . فكل الحالات ممركزة حولها ؛ فتكون القصيدة كمشتل مشغول بباطنه وتشذيب الأصابع التي لا تمسك بالأشياء إلا عبر لزوجة شعرية أو انسياب . وهي غنائية تتسم بتصعيد في الحالة والموقف؛ مما خلق نفسا دراميا ملازما. تقول قصيدة «اترك الأحمر يبتلعه السواد «:
تعبت منك يا دمي
انكسر يعيدا عن عروقي
التي حفرت فيها عبارات
تذبحني تحت أضواء المدينة
وارحل
قبل عودة الليل
على سبيل الختم
من خلال هذه المقاربة ، يبدو أن الشاعر نزار كربوط كثف نصه الشعري وركزه كإناء يرشح بهندسات شعرية طاوية على التفاصيل المحيطة بالذات ، وبقدر ما ترصد هذه القصائد المناديل الحيوات الصغري ، فإنها تلامس تلك القيم الجوهرية التي تجعل القصيدة على الدوام هناك كقيم مرتعشة وناضحة بأسئلة الكينونة والوجود . وهو ما يؤكد أن الكثير من الأصوات المغربية والعربية في كتابة الشعر ، بدأت تنحت مساراتها بهدوء ، وفق تصورات عميقة للكتابة ؛تقتضي مقروءا متنوعا وتجربة متعددة الروافد وتمرس بالحرف . كل ذلك يتطلب من القارئ في المقابل السعي إلى ملامسة خصوصية كل صوت شعري ؛ بعيدا عن العموميات والتصنيف الجيلي..الذي لا يخدم القصيدة في شيء .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.