تعرف الحواضر المغربية في السنوات الأخيرة فورة غير مسبوقة في مجال الإسكان، فهل أطَّرنا هذه الفورة بخطط واضحة لتطوير التعمير على مستوى المدن؟ وهل نجحنا في بلورة تصور شامل للعمران يضع الهندسة المعمارية في صلب دورها الاجتماعي؟ وهل تمكن مهندسونا المعماريون من ابتكار تصاميم بقدر ما تساهم في تحديث مدننا وحواضرنا تحترم مورُوثنا المعماري والثقافي؟ ثم كيف نراوح في المغرب بين نموذجين: نموذج يصر على ضمان نوع من التناغم ما بين المدينة العتيقة والمدينة الحديثة ويحرص على احترام الكتابة المعمارية التقليدية، وآخر يعتبر الكتابة المعمارية التي تجمع بين الجمل العصرية والجمل التقليدية كتابة منفرة؟ ثم ما الأكثر أهمية: الهندسة المعمارية أم العمران؟ الواجهات الجميلة أم شروط السكن والجِوار والعيش المشترك وتحسين محيط الحياة؟ إذن كيف حولنا عددا من تجمعاتنا السكانية إلى «مراقد» وليس إلى سكن بالمعنى الإنساني للكلمة؟ ولماذا وجد البعض في السكن الاجتماعي المنخفض التكاليف فرصة لتسويق الرداءة المعمارية؟ وهل يمكن للمهندسين بناء مدن وأحياء سكنية للمغاربة دون معرفة بامتدادات هؤلاء الناس وبنمط العيش والبناء الذي جاؤوا منه؟ بل هل يمكن للمهندس المعماري أن ينجز مهامه بنجاح دون خلفية سوسيوثقافية؟ هذه الأسئلة وغيرها سيطرحها ياسين عدنان في حلقة جديدة من مشارف على أحد رواد الفن المعماري في المغرب وأحد أبرز وجوه الجيل الثاني من المهندسين المغاربة الأستاذ عبد الواحد منتصر، وذلك مساء الخميس 8 ديسمبر على الساعة العاشرة والربع ليلا على الأولى. لقد كتبنا في زمن سابق عن المكفوفين والصورة. ذلك أن ذاك الزمن لم نكن قد استوعبنا المفارقة بين الكفيف والصورة. وإن كانت قد انفجرت - بشكل أو بآخر - في المهرجان الدولي للسينما بمراكش. تفجير تم بمقتضاه قلب المفارقة والسخرية عليها. وقد حاولنا ساعتها تبيان ذلك من خلال صورتين: الصورة السينمائية والصورة الفوتوغرافية، فالأولى تنمحي فيها الصورة لتحل في الصوت. أعني أن المتلقي الكفيف لا يرى الصور ة إلا من خلال الحوار والوصف السمعي. إن مساعدة الوصف السمعي تزيل النظرة لتحل محلها حواس أخرى يكون فيها التخييل جسرا لتأثيث الصورة، وإعادتها من جديد، وقد خلصت في هذا المقال رلى الحديث عن الصورة السينمائية (وبالضبط من خلال فيلم: البحث عن زوج امرأتي) من زاويتي نظر: الأولى منها اني رأيت الشريط مباشرة بينما رؤيتي الثانية رأيته بطريقة غير مباشرة أي بواسطة الوصف السمعي. ربما كنت محظوظا لأني قلبت الفيلم من زاويتي نظر مختلفتين. فإذا كانت النظرة الأولى لا تيحل إلا للبحث عن المعنى وقراءة الظل وغير ذلك، بينما النظرة الثانية تدفعك لمحو المخرج كأن نظرتك للفيلم - بهذه الطريقة - تدفعك لكتابة السينايو أو بالأحرى لمضايقة المخرج والسيناريست معا. الكفيف هنا يخلق متخيله الجديد ويعيد نشره وكتابته. من هذه الزاوية فكرت يوما في كتابة رواية حول مخرج كفيف، لأزيل الكلفة سأقول: مخرج أعمى. وحين تحدثت عن هذا المشروع مع أحد الأصدقاء المهتمين بالسينما، أخبرني أنه يعد سيناريو حول نفس الموضوع. لنتخيل المشروع الأول والثاني على الطاولة. ماذا سيقول القارئ؟ هل سيرمي رواية ممكنة وشريطا سينمائيا ممكنا في أقرب مزبلة للحمقى؟ سيقول وهو يرمي الصور والأوراق: هذا غير معقول. إذ كيف يمكن للسينما أن تتلون بعيون مطفأة؟ من جهة أخرى المسألة تفيد المعقولية، ولكن لنفترض من جهة أخرى أن المخرج الأعمى، وهو البطل الممكن في الرواية والشريط معا، أقام الدنيا بهذا الانجاز الكبير، وأتلف الصحافة والتلفزيون. ماذا سيقول الاخرون؟ هل سيرمون معقوليتهم في مزبلة الحمقى ويقولون: عجيب ما نراه. وسيشكك الآخرون في الأمر بالقول إن المخرج الأعمى هو ممثل فقط، اي هو قناع وضعه مثلما وضع محمود عبد العزيز شخصية الأعمى في شريط «الكيت كات». الأمر سيان بين هذا الرأي أو ذاك. لكن إذا قلبنا النظرة هاته بالصورة الثانية أي الصورة الفوتوغرافية التي أنتجتها عيون مطفأة لفنانين فرنسيين، وهي صور ذات بعد جمالي رهيب. إذن القراءة تفترض قراءة هذا بذاك مثلما تفترض عيونا أخرى لإزالة الحجاب والغشاوة عن متلق ثمل بالعادي. «المكفوفون والسينما» عنوان مستفز لا محالة. عنوان له جاذبية خاصة كأن لعبة العنوان هي لعبة مراياه. فمن جهة استفزاز للجريدة وقرائها، مثلما هو مستفز للمواضعات التي تواضع الجميع على حجبها في الذاكرة والتاريخ. ولأنه مستفز، فهنا تكمن أهميته وقوته. أي في قلب المسافة وخلخلة المواضعة وفي ذلك سبيل عنوان الحديث عن أشياء أخرى من قبيل الأثر الذي تخلفه رؤية شريط سينمائي خاص بفاقدي البصر وضعافه. أي في رسم الصورة التي يتخيلها عبر الوصف السمعي. بمعنى حين تكون الصورة صامتة بدون حوار، يكون الوصف السمعي قاتلا لما نسميه بالوقت الميت في الصورة. وبين صوت الممثل وصوت الواصف مسافة التخييل وتخييل المسافة، أي في خلق صورة تقريبية للمكان عبر تأثيثه بالصوت. مادام الصوت هو البوصلة التي تفتح طرق القراءة والتأويل لفاقدي وضعاف البصر. ولأن المسألة كذلك، فالصورة هنا صورتان: صورة المخرج وصورة أخرى لا تنبني في مستوى تلقيها بواسطة العين، بل تنبني على الصوت. صورة يمكن إعادة قراءتها من جديد. ليس من حيث هي صورة لا ترى بل في كيفية تلوينها وتأطيرها بواسطة السمع، إنها مسألة في غاية الصعوبة. صحيح أن العالم اليوم هو عالم الصورة، ولكن هؤلاء القراء الجدد يقلبون هذا العالم ليس لدفنه بطريقة عدمية، بل لخلخلة زواياه ومراكزه بالجملة، خلخلة هذا الذي تواضع الجميع على تسميته بالصورة. رنها عملية تحيل رلى ذلك الشريط الممكن للصديق عريوس والرواية الممكنة التي سأكتبها بعد سنتين.